أولًا:
نشكر لك هذا السؤال، واهتمامك بأن تكون راضيًا ومرضيًا لزوجتك؛ فإن كثيرًا من الأزواج لا يهمهم إلا إرضاء أنفسهم.
وقد كان الإمام أحمد يوصي ابنه عبد الله ويقول له: "يا بني انو الخير فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير" انظر: "الآداب الشرعية" (ص104).
فنبشرك بأنك -إن شاء الله - على خير بهذه النية، وأنك قطعت نصف الطريق، ونصفه الآخر في الاستعانة بالله في تطبيق الآتي ذكره.
الزواج في الإسلام ليس مجرد عقد، بل هو ميثاق غليظ كما وصفه القرآن. ولتحقيق السعادة فيه، لا بُدَّ من فهم الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين. يقول تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ البقرة/ 228. وهذه الآية الكريمة تضع حجر الأساس للعلاقة الزوجية القائمة على المعاملة الحسنة المتبادلة.
ثانيًا:
1- الحقوق المادية للزوجة: أساس القوامة الأول.
الوفاء بالحقوق المادية للزوجة، هو أول طريق الإرضاء، وهي حقوق أوجبها الله تعالى على الزوج.
المهر (الصداق): هو حق خالص للزوجة، قال تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً النساء/ 4، والنحلة هنا تعني العطية عن طيب نفس، فهذا المهر دليل على صدق رغبة الزوج، وإكرامه لزوجته.
النفقة والمسكن: يجب على الزوج أن ينفق على زوجته بالمعروف، من طعام وشراب وكسوة ومسكن، بحسب حاله يسرًا أو عسرًا. قال تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا الطلاق/ 7، وفي السنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: (.. وإنَّ حقَّهُنَّ عليكُم أن تُحسِنوا إليهِنَّ في كسوتِهنَّ وطعامِهِنَّ) أخرجه الترمذي (3087).
2- أكثر من الدعاء لنفسك وزوجتك، فقد جاء في صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ الفرقان/ 74.
3- عليك بالاهتمام بعبادة زوجتك والاصطبار عليها فيها، وخصوصًا الصلاة، قال تعالى مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى طه/ 132.
4- عاشر زوجتك بالمعروف، قال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا النساء/ 19. قال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (4/286): "حُسْنَ الْمُعَاشَرَةِ جَامِعٌ لِنَفْيِ الْإِضْرَارِ وَالْإِكْرَاهِ، وَزَائِدٌ بِمَعَانِي إِحْسَانِ الصُّحْبَةِ". قال ابن كثير (2/242): "أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله".
ويقول الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (12/382): "والحقيقة أنه – أي: باب عشرة النساء- باب عظيم تجب العناية به؛ لأن تطبيقه من أخلاق الإسلام، ولأن تطبيقه تدوم به المودة بين الزوجين، ولأن تطبيقه يحيا به الزوجان حياة سعيدة، ولأن تطبيقه سبب لكثرة الولادة، لأنه إذا حسنت العشرة بين الزوجين ازداد الاجتماع على الجماع، وبالجماع يكون الأولاد، فالمعاشرة أمرها عظيم.
ثم اعلم أن معاملتك لزوجتك: يجب أن تقدر كأن رجلًا زوجًا لابنتك، كيف يعاملها؟ فهل ترضى أن يعاملها بالجفاء؟
الجواب: لا، إذا لا ترضى أن تعامل بنت الناس بما لا ترضى أن تعَامَل به ابنتك.
وهذه قاعدة يجب أن يعرفها كل إنسان.... وعلى الزوجة - أيضًا - أن تعامل زوجها معاملة طيبة، أطيب من معاملته لها؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ البقرة/ 228.
ولأن الله تعالى سمى الزوج سيدا، فقال -عز وجل- في سورة يوسف: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ يوسف/ 25، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الزوجة أسيرة فقال: (اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم) و(عوان): جمع عانية، وهي الأسيرة.
فعلى كل حال الواجب على الإنسان إذا كان يحب أن يحيى حياة سعيدة، مطمئنة، هادئة أن يعاشر زوجته بالمعروف، وكذلك بالنسبة للزوجة مع زوجها، وإلا ضاعت الأمور، وصارت الحياة شقاء.
ثم هذا -أيضًا- يؤثر على الأولاد، فالأولاد إذا رأوا المشاكل بين أمهم وأبيهم سوف يتألمون وينزعجون، وإذا رأوا الألفة فسيسرون، فعليك يا أخي بالمعاشرة بالمعروف" انتهى.
"وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن امرأة أتت عمر بن الخطاب بزوجٍ لها، أشعث أغبر أصفر، فقالت له: (يا أمير المؤمنين! لا أنا ولا هذا؛ خلصني منه!). فنظر عمر إليه، فعرف ما كرهت منه، فأشار إلى رجلٍ وقال: (اذهب به إلى الحمام، فجممه، وخذ من شعره وقلم أظفاره، وألبسه حلةً معافريةً، ثم ائتني به!).
فذهب به الرجل، ففعل ذلك به، ثم أتى به. فأومأ إليه عمر بيده؛ أن خذ بيدها!
فأخذ بيدها، فإذا هي لا تعرفه، فقالت: (يا عبد الله! سبحان الله! أبين يدي أمير المؤمنين تفعل مثل هذا؟)؟! فلما عرفته مضت معه، فقال عمر: (هكذا فاصنعوا بهن! فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزين لكم)". ذكره ابن حبيب في "أدب النساء" (167)، برقم (48).
5- اعلم أن من قوامتك أن تعفو عن بعض حقك، وأن توفي الذي عليك بقدر استطاعتك، قال تعالى: وللرجال عليهن درجة.
قال أبو جعفر الطبري: "وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية؛ ما قاله ابن عباس، وهو أن الدرجة التي ذكر الله تعالى في هذا الموضع هي: الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه" انتهى من "تفسير الطبري" (4/123).
فتأمل؛ كيف كانت درجة الرجل على المرأة، هي أداؤه ما عليه كله كاملًا، وصفحه عما يحدث منها من النقص في الواجب عليها.
وحقيقة ذلك: أن درجة الرجل على المرأة، هي حيث يكون رجلا حقا يؤدي مسؤولية قوامته؛ فإن القوامة تكليف للرجل، وحق للمرأة، فالقوامة في جوهر معناها: دور يقوم به الرجل، وليست فقط حقًا يؤدى له.
6- مما يوفر لك حياة زوجية جيدة، ويعينك على إرضاء زوجك ويعينها على إرضائك؛ أن تحتمل نقصها وعيبها، تداوي منه ما استطعت بحلم ورفق ولين، وتقبل أنه لا أحد من الناس كاملا.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا رَضِيَ منها آخَرَ). أخرجه مسلم (1469).
والفَرْكُ: البُغْضُ والكُرْهُ، والمُرادُ بالمؤمِنِ والمؤمِنةِ هنا الزَّوجُ والزَّوجةُ، فاحتمل عيبها ونقصها .
واعلم أنه إذا كان فيها ما تكرهه، ففيها ما تحبه، وتستحق أن تصبر عليها من أجله .
الخلاصة:
أن مفتاح الرضا في العلاقة الزوجية هو أن يعلم كل طرف حقوقه ووجباته التي أوجبها الله عليه، ثم يجتهد في تأدية واجباته، ويغض الطرف عن بعض حقوقه؛ لأن هذا من العشرة بالمعروف، وهذا في حق الرجل أولى؛ لأنه مقتضى قوامته.
ولا يغفل قبل هذا ومعه وبعده عن الدعاء لنفسه وزوجته.
نسأل الله أن يكتب لكم الرضا والسعادة وأن يجمعكما في جنة النعيم.
والله أعلم.