الذكاء الاصطناعي الوكالي، وهل أشار القرآن أو السنة للذكاء الاصطناعي؟

السؤال: 604577

ظهر مؤخراً ضربٌ جديد من الذكاء الاصطناعي، يُعرف باسم الذكاء الاصطناعي الوكالي، والذي يُفترض أنه يحاكي عملية صنع القرار لدى الإنسان، ويحاول الاستدلال، واتخاذ الإجراءات باستقلالية، على غرار الذكاء الاصطناعي المستخدم في السيارات ذاتية القيادة، من الواضح أن هذا الذكاء لا يرقى بعدُ إلى مستوى الذكاء البشري، إلا أن علماء الحاسوب يعتقدون أنه في ظل المسار الحالي للتطور، قد يتفوق مثل هذا الذكاء الاصطناعي على البشر في غضون بضعة عقود.
لذا، سؤالي هو:
هل ورد في القرآن والسنة ما يعلّق على مثل هذا التنبؤ وهذه التقنية؟ وهل يجوز للشخص أن يدرس هذا المجال؟ وهل يجوز التوعية بشأنه والدعوة إلى خفض معدل نمو مثل هذا النوع من الذكاء الاصطناعي؟

ملخص الجواب

لا حرج في تطوير الذكاء الاصطناعي ليحاكي الإنسان ويتخذ القرارات، إذا استُعمل ذلك فيما هو مباح.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

"يشير الذكاء الاصطناعي بالوكالة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي المصممة بميزة الوكالة. يعني هذا أنها تستطيع العمل بشكل ذاتي لتحقيق أهداف محددة، على عكس الأدوات التقليدية للذكاء الاصطناعي التي تستجيب فقط للأوامر أو تنفيذ أوامر مفردة ومحددة مسبقاً، يمكن لنظام الذكاء الاصطناعي بالوكالة أن: يفهم الهدف.. يقرر كيفية تحقيقه.. ينفذ خطوات متعددة بالتتابع.. يتعلم ويكيّف نفسه مع النتائج"، انتهى

ثانيا:

الأصل في الشريعة إباحة ما ينفع، من أفكار ومشاريع، وأدوات وآلات، وغير ذلك؛ لأن الله امتن على عباده فقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعا البقرة/29، وقال: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأعراف/32

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "من القواعد المقررة عند أهل العلم أن "الأصل في الأعيان والمنافع الحل والإباحة إلا ما قام الدليل على تحريمه، وهذه القاعدة مستمدة من نصوص الكتاب، والسنة.

أما الكتاب: فمن قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعا).

وأما السنة فمن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ".

وأخبر أن " ما سكت عنه فهو عفو " " انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (12/ 169).

فلا حرج في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وتطويره ليحاكي الإنسان ويتخذ القرارات بشرط أن يستعمل ذلك فيما هو مباح، لا في القتل والظلم والسرقة ونحو ذلك مما هو محرم، فإن كان يستعمل في الحرام، حرم تطويره وتهيئته لذلك؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، فوسيلة المباح مباحة، ووسيلة الحرام محرمة.

قال العز ابن عبد السلام رحمه الله: "وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل" انتهى من "قواعد الأحكام" (1/ 53).

وقال الدكتور محمد صدقي آل برنو رحمه الله: "من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:

السّعي إلى الجمعة وسيلة إليها. فإذا كانت صلاة الجمعة واجبة فالسّعي إليها واجب...

ومنها: الزّنا حرام. فكلّ وسيلة يمكن أن تؤدّي إليه فهي حرام. فالاختلاط بين الرّجال والنّساء في المجامع والأسواق والحفلات حرام كذلك.

وسفور المرأة وتكشّفها حرام, لأنّ كلّ ذلك وسائل للزّنا المحرّم.

ومنها: قتل المسلم المعصوم حرام. فشراء السّلاح وبيعه لمن يريد أن يقتل به مسلماً معصوماً حرام كذلك؛ لأنّه وسيلة إليه" انتهى من "موسوعة القواعد الفقهية" (8/ 775).

ومن هنا يعلم أنه لا يجوز العمل مع جهة تسعى لتطوير هذا الذكاء لاستعماله فيما حرم الله.

ثالثا:

يمكن أن يقال: إن القرآن أشار إلى المراكب المعاصرة كالسيارات ونحوها في قوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ النحل/8 ، وهذا يشمل بعمومه: السيارات، وسواء ما كان يعمل منها بالذكاء الاصطناعي أو غيره؛ فهو من خلق الله الذي لم يعلمه الناس به وقت نزول القرآن؛ ولم يخاطبوا به؛ إذ لا يفهمونه.

والقرآن أشار إلى حال الكافرين الذين يقبلون على علوم الدنيا مع غفلتهم عن الآخرة، فقال: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ الروم/7

قال السعدي رحمه الله في تفسيره، ص636: "وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ قد توجهت قلوبهم وأهواؤهم وإراداتهم إلى الدنيا وشهواتها وحطامها، فعملت لها وسعت، وأقبلت بها وأدبرت، وغفلت عن الآخرة، فلا الجنة تشتاق إليها، ولا النار تخافها وتخشاها، ولا المقام بين يدي الله ولقائه يروعها ويزعجها، وهذا علامة الشقاء، وعنوان الغفلة عن الآخرة.

ومن العجب أن هذا القسم من الناس قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا إلى أمر يحير العقول، ويدهش الألباب.

وأظهروا من العجائب الذرية والكهربائية، والمراكب البرية والبحرية والهوائية: ما فاقوا به وبرزوا، وأُعجبوا بعقولهم، ورأوا غيرهم عاجزا عما أقدرهم الله عليه، فنظروا إليهم بعين الاحتقار والازدراء، وهم مع ذلك أبلدُ الناس في أمر دينهم، وأشدُّهم غفلةً عن آخرتهم، وأقلُّهم معرفةً بالعواقب، قد رآهم أهل البصائر النافذة في جهلهم يتخبطون، وفي ضلالهم يعمهون، وفي باطلهم يترددون، نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون.

ثم نظروا إلى ما أعطاهم الله وأقدرهم عليه، من الأفكار الدقيقة في الدنيا وظاهرها، وما حرموا من العقل العالي، فعرفوا أن الأمر لله والحكم له في عباده، وإن هو إلا توفيقه وخذلانه، فخافوا ربهم وسألوه أن يُتم لهم ما وهبهم من نور العقول، والإيمان حتى يصلوا إليه، ويحلوا بساحته.

وهذه الأمور لو قارنها الإيمان، وبنيت عليه: لأثمرت الرُّقِيَّ العالي، والحياة الطيبة. ولكنها لما بني كثير منها على الإلحاد، لم تثمر إلا هبوط الأخلاق وأسباب الفناء والتدمير" انتهى.

وبعض أهل العلم يدخل آلات التسجيل الدقيقة أو الشرائح التي تلصق بعضد الإنسان مثلا للتسجيل تحت ما ورد في حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الإِنْسَ، وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ وَتُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ رواه أحمد (11792) والترمذي (2181) وصححه الألباني.

قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "وعذبة السوط":  طرف السوط.

والمعنى: أنه يكون في آخر الزمان شيء يجعل في السوط أو في العصا أو نحو ذلك، يترتب عليه حفظ كلام الأهل؛ وذلك كالمسجلات التي وقعت الآن هي من هذا الباب، فقد تجعل في السوط، قد تجعل في العصا، وقد تجعل في شبه ساعته في البيت صغيرة، وقد يجعلها الإنسان في عضده؛ فيحفظ كل شيء" انتهى من "فتاوى نور على الدرب".

لكن لا ينبغي الجزم بتفسير الحديث بذلك، فقد يكون المراد كلام السوط حقيقة، وليس بجهاز يوضع عليه.

ولهذا قال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله: " وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه عذبة: طرف السوط، أو السير الذي في طرف السوط.

وشراك نعله: شراك النعل وهو السير الذي يكون من فوق القدم، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه، الظاهر في الحديث أن الله ينطق السوط، ويُنطق شراك النعل، فيكلم صاحبه.

يكلم الرجلَ عذبةُ سوطه وشراكُ نعله، ويحدث الرجلَ فخذُه بما كان من أهله: أمور علينا أن نؤمن بها، على مراد الرسول صلى الله عليه وسلم، الله أعلم كيف يكون هذا وكيف يتم؟

ويمكن أنه بعد ظهور هذه المخترعات الهائلة الغريبة في المواصلات، كما في المسجلات الدقيقة، المسجلات الدقيقة التي يسجَّلُ فيها الكلامُ الكثير، يبدو للإنسان أن هذا الواقع ربما كان تأويلا لمثل هذا الحديث، لكن من غير جزم، يعني لا نقطع بأن المقصود من هذا الحديث هو ما وقع الآن من نطق هذه الجمادات بطريقة بعملية التسجيل، قد تكون، والله أعلم، عُبر عن هذا بأن هذه الجمادات يمكن أن يكون فيها ما يَنطق ويكلم الإنسان. والآن هذا الجوال في أيديكم الآن، الجوال في أيدي الناس جماد كأنه قطعة حديدية أو خشب أو نحوه في يده، وهو يتكلم باعتبار أنه يعني وسيلة لإيصال الكلام، لا أنه هو نفسه يتكلم، ما يتحقق فيه معنى التكلم، لكن فيها نوع [كلام] يعني يصلح لأن يُتجوَّز فيه: الجوال يكلم" انتهى من "شرح أحاديث الفتن".

والمهم هنا أن القرآن والسنة: يضعان القواعد الحاكمة على المستجدات، كالدعوة إلى العدل وتحريم الظلم والبغي، والترغيب في النفع والإحسان، وتحريم الإعانة على المعصية، وتحريم نشر المنكر والدلالة عليه.

فهذه قواعد يؤخذ منها الحكم على ما يستجد، فما كان من وسيلة نافعة، لا إثم فيها ولا ظلم؛ فإنها تكون مباحة في الشرع، وما كان بضد ذلك فهو محرم.

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android