الخوف الشديد من الموت بعد الإصابة بالجلطة: هل يدل على ضعف الإيمان وكيف يُعالج؟

السؤال 609236

ما الذي يجعل شخصا لا يهتم لنفسه إذا مرض ولا يخاف، ويقيم الليل ويصلي في المسجد، حتى بعد أن أصيب بجلطة افقدته حالياً نصف جسده- كان صابراً ولا يخاف، والآن بعد ما يقارب سنتين أصبح يخاف بشدة من الموت، وأدنى شيء يصيبه يخاف، ويتحسس بشدة، مع أن حالته أفضل من قبل، ثم بعد ذهاب العارض أو الألم الخفيف، يعود لوضعه الطبيعي، هل هذه حالة طبيعية؟
وهل لقلة الإيمان دور في هذا، مع أنه كان يقرا القرآن، ويصوم، ويقيم، ويصلي في المسجد، أم أن مع ما كان يعمل الإيمان لم يستحكم في قبله-إن صح التعبير-؟ وكيف نتعامل معه ليتجاوز ما هو فيه؟
علماً أنا نذكره بحسن الظن وما إلى ذلك، لكن لا يجدي، فأريد توجيهات نفسية شرعية للتعامل معه.

ملخص الجواب

الخوف الشديد من الموت بعد الجلطة قد يرتبط بآثارها النفسية والجسدية، ولا يدل بالضرورة على ضعف الإيمان. ويحتاج المصاب إلى التفهم والدعم النفسي والإيماني دون لوم، مع الاهتمام بالتقييم الطبي للأعراض الجديدة.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الإجابة

نشكر لكِ اهتمامك بقريبك، وحرصكِ على مساعدته والوقوف إلى جانبه، وهذا من جميل الوفاء وصلة الرحم، ونسأل الله أن يكتب لكم الأجر، وأن يمنّ عليه بالصحة والعافية والطمأنينة، وأن يعوضه خيرًا عما مر به.

من خلال رسالتك: يظهر أن حالة هذا الشخص أقرب إلى قلق شديد متعلق بالصحة والموت، وقد يكون مرتبطًا بتجربته السابقة مع الجلطة، وما تركته من آثار جسدية ونفسية، لذا فإنه يحتاج إلى قدر من الفهم والاحتواء، إلى جانب الأخذ بالأسباب الطبية والنفسية المناسبة.

وبالنسبة إلى الإيمان، وعلاقته بما يمر به: فلسنا في مقام الحكم على إيمان شخص بعينه، ولا يصح أن نجزم بأن ما يعانيه سببه عدم استحكام الإيمان في قلبه، فهذه أمور باطنة لا يعلم حقيقتَها إلا اللهُ سبحانه، كما أن ما مر به من مرض، وفقدان لبعض قدراته، وما تبع ذلك من خوف وقلق= ليس ذلك بالأمر الهين.

ووجودُ الخوف، أو شدة التأثر من الألم، أو البلاء: لا يعني أن العبد خالي القلب من الإيمان، فقد يكون الإنسان مؤمنًا بالله محافظًا على عبادته، ثم تُضعفه شدة البلاء أو التجربة المؤلمة، فيحتاج إلى مزيد من التثبيت والمعونة.

ولذلك؛ فالأولى ألا نتعامل مع حاله بمنطق المحاكمة، وإنما بمنطق الفهم والمساعدة.

وإليك بعضَ التوجيهات حول المساعدة الإيجابية التي يمكنكم تقديمها له، عسى الله أن ينفع بها، وأن يشرح صدره، ويعيد إليه الطمأنينة، ويعينه على تجاوز هذه المرحلة:

أولًا: من المهم أن يشعر مريضكم بأنكم إلى جانبه، وأنكم متفاعلون معه، مقدرون لما يمر به من ألم، وأن خوفه مفهوم. مع الاجتهاد في ألا تتحول كل شكوى جسدية إلى نقاش طويل حول احتمال الموت، أو الجلطة، لأن كثرة الطمأنة قد تمنحه راحة مؤقتة، ثم تجعله يعود إلى طلب الطمأنة كلما شعر بعرض جديد.

ثانيًا: عندما يشعر بألم أو تغير في جسده، فمن الجيد مساعدته على التفريق بين ما يشعر به، وبين التفسير الذي يأتي إلى ذهنه، فهناك فرق بين أن يقول أشعر بألم، وبين أن يقول هذا يعني أنني سأصاب بجلطة أو سأموت، وهذا التفريق يساعده تدريجيًا على عدم الانتقال مباشرة من الإحساس الجسدي، إلى أسوأ الاحتمالات.

ثالثًا: لا تطلبوا منه ألا يخاف، فقد يكون قولنا له لا تخف حَسَنَ النية، لكنه قد لا يساعده، لأن الإنسان لا يستطيع دائمًا إيقاف الخوف، بمجرد أن يُطلب منه ذلك، والأفضل أن نساعده على التعامل مع الخوف عندما يأتي، فنقول له قد تشعر بالخوف، وهذا مفهوم بعد ما مررت به، لكن دعنا نتعامل مع الأمر بهدوء، ونرى ما الذي يحتاج إلى إجراء، وما الذي يمكن أن نتركه يمر دون أن نعطيه أكبر من حجمه.

رابعًا: قد تكون الجلطة قد أثرت في شعوره باستقلاله، وقدرته على القيام بما كان يقوم به سابقًا، ولذلك من المهم ألا تتحول الأسرة إلى القيام بكل شيء عنه، فمن الجيد تشجيعه على القيام بما يستطيع بنفسه، والمشاركة في شؤون الأسرة، واتخاذ بعض القرارات، وممارسة الأنشطة المناسبة لقدراته الصحية، فهذا يساعده على استعادة شعوره بأنه ما زال قادرًا وله دور وقيمة، وليس مجرد شخص يحتاج إلى الآخرين.

ومن المهم كذلك: أن يدرك أن حاجته إلى الآخرين، في بعض الأمور، بعد الجلطة= لا تعني أنه فقد قيمته، أو أصبح عبئًا عليهم، وأن فقدان بعض القدرات، لا يعني فقدان الإنسان لمكانته، أو قدرته على أن يعيش حياةً لها معنى، فربما كان جزء من خوفه متعلقًا بما يظنه أنه قد يخسره، وليس بالموت وحده، وهنا يمكن تذكيره بهدوء، بأن الله سبحانه لم يطلب منه أن يضمن المستقبل، وإنما أن يعيش ما بين يديه، فيأخذ بالأسباب، ويعمل بما يستطيع، ويترك ما لا يملكه لله، قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا (الطلاق: 7).

وتجنبوا أيضًا إشعاره بأنه أصبح عبئًا عليكم، بل أشعروه بأن قيمته لم تتغير بسبب ما أصابه، وأن حاجته إلى الآخرين في بعض الأمور لا تنقص من قدره، وأنه ما زال فردًا له مكانته ودوره وعلاقاته، وأن ما فقده من بعض قدراته، لا يعني أنه فقد قيمته أو قدرته على أن يعيش حياة ذات معنى.

خامسًا: من المفيد ألا يصبح الحديث اليومي معه منصبًا على صحته والجلطة والأعراض والفحوصات، بل ساعدوه على العودة إلى اهتماماته وعلاقاته وأعماله وعباداته وما يستطيع القيام به من أنشطة، فالهدف ليس أن يعيش منتظرًا ظهور عرض جديد، وإنما أن يستعيد حياته بالقدر الذي تسمح به حالته الصحية.

وتجنبوا مقارنته بنفسه قبل الجلطة، أو القول له كنت لا تخاف من الموت، فلماذا أصبحت هكذا؟، فالشخص بعد تجربة صحية مؤلمة، قد يتغير شعوره تجاه جسده وصحته والموت، والمهم ليس أن نطالبه بالعودة إلى ما كان عليه حرفيًا، وإنما أن نساعده على بناء قدرته على التعايش مع ما حدث واستعادة حياته من جديد

سادسًا: حاولوا توظيف الجانب الإيماني بطريقة مطمئنة، لا بطريقة لوم، فذكروه بالله، ولكن لا تجعلوا الدين وسيلة لمحاكمته بسبب خوفه، فلا يقال له: لو كان إيمانك قويًا لما خفت، وإنما يقال له: أنت أخذت بالأسباب، وما لا تملكه ففوضه إلى الله، وتذكر قول الله تعالى قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (التوبة: 51)، فالتوكل لا يعني ألا يشعر الإنسان بالخوف، وإنما يعني ألا يجعل الخوف يحمله على الاعتراض على قدر الله، أو ترك الأسباب أو الاستسلام للهلع.

سابعًا: ساعدوه على بناء علاقة متوازنة مع فكرة الموت والألم، فليس المطلوب أن نقنعه بأنه لن يموت، فهذا أمر لا يستطيع أحد أن يضمنه، وإنما أن نساعده على أن يعيش دون أن يكون الموت حاضرًا في ذهنه في كل لحظة، فيمكن تذكيره بأن الإنسان لا يملك موعد موته، لكنه يملك كيف يعيش الوقت الذي بين يديه، فيعبد الله، ويصل رحمه، ويستمتع بالمباح، ويقوم بما يستطيع، ويترك المستقبل لله، قال تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ (لقمان: 34)، فعدم معرفة الإنسان بموعد موته ليس دعوة للهلع، وإنما تذكير له بأن يعيش يومه، بدل أن يستنزف عمره في محاولة معرفة ما لا يمكنه معرفته.

ومن المفيد كذلك أن تستمعوا إليه عندما يتحدث عن الموت، وتسألوه بهدوء ما أكثر شيء يخيفك عندما تشعر بأنك قد تموت؟ وهل تخاف من الموت نفسه؟ أم من الألم الذي قد يسبقه؟ أم من تكرار الجلطة؟ أم من فقدان المزيد من قدرتك على الحركة والاستقلال؟ أم من أن تترك أهلك؟ أم من شيء آخر؟

فأحيانًا لا يكون الخوف من الموت وحده هو المشكلة، وإنما يكون الموت في ذهن الإنسان مرتبطًا بصورة مؤلمة لما قد يحدث قبله، أو لما سيتركه وراءه، وكلما فهمنا الشيء الذي يخافه تحديدًا؛ أصبح من الأسهل التعامل معه، بدل أن نبقى نواجه خوفًا عامًا من الموت.

كما أن ما مر به من ألم وفقدان لبعض قدراته، قد يجعله أكثر حساسية تجاه أي ألم جديد، ولذلك من المهم أن يشعر بأن الألم الذي مر به أصبح تجربة من الماضي، وليس حدثًا يتكرر بالضرورة مع كل إحساس جسدي جديد، فالغاية ليست أن نقنعه بأن الموت أو الألم لن يحدثا، فهذا أمر لا يستطيع أحد أن يضمنه، وإنما أن نساعده على ألا يعيش الموت قبل أن يأتي، ولا الألم قبل أن يقع، ولا الخسارة قبل حدوثها، وأن يستعيد قدرته على أن يعيش يومه بما فيه من عبادة وعلاقات وأعمال وأوقات طيبة.

ثامنًا: انتبهوا إلى الأعراض الطبية الجديدة، فمع أهمية الجانب النفسي، لا ينبغي أن نفسر كل عرض بأنه قلق، خاصة مع وجود تاريخ سابق للجلطة، فإذا ظهرت أعراض عصبية مفاجئة، أو غير معتادة، مثل ضعف أو خدر جديد، اضطراب في الكلام أو الرؤية، أو تدلٍّ مفاجئ في الوجه، أو غير ذلك مما حذره منه طبيبه، فينبغي طلب التقييم الطبي العاجل.

نسأل الله أن يشفيه ويعافيه، وأن يطمئن قلبه، ويعينه على ما أصابه، ويجعل ما مر به رفعةً له وتكفيرًا، وأن يرزقه حسن الظن به، والرضا بقضائه، والطمأنينة في قلبه، وأن يرده إلى حياته وعبادته وأهله ردًا جميلًا.

والله أعلم.
 

المراجع

الطب والتداوي
مشكلات نفسية

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

App StoreGoogle Play