هل العزم على عدم العودة إلى الذنب من شروط التوبة المجمع عليه؟

السؤال: 611210

سمعتُ أن من شروط التوبة العزمَ الأكيد العام؛ أي أن يعزم المرء عزمًا جازمًا على عدم العودة إلى الذنب تحت أي ظرف من الظروف، فهل هناك إجماع على هذا الشرط؟ وهل له قيود؟ وهل يرى بعض العلماء أنه يكفي أن ينوي المرء ترك الذنب في الظرف الخاص الذي ارتكبه فيه، ثم يكتفي بألا يكون لديه عزمٌ راسخ على اقترافه في ظروف أخرى؟
وهل يعني هذا أن من ترك الصلاة بسبب الكسل، دون وجود عائق يمنعه كالانشغال، يجب عليه - لكي يتحقق عزمه الأكيد في التوبة - أن ينوي أنه سيحافظ على الصلاة حتى لو كان في غاية الانشغال؟
إن هذا الأمر شاقٌّ عليَّ للغاية بسبب ضعفي عن عقد العزم الجازم على عدم ارتكاب الذنب في جميع الأحوال، لذا أرجو تقديم النصح.

ملخص الجواب

العزم على عدم العودة إلى المعصية من شروط التوبة التي تتابع العلماء على ذكره، ولم نقف على نقل للإجماع عليه صريحا. ولا يعني العزم على عدم العودة إلى المعصية ألا يعود إلى المعصية مرة أخرى، بسبب طبيعة الضعف البشري.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

نبدأ من آخر ما ذكرته في سؤالك؛ لأنه أمر مستغرب ووددنا أنه لم يكن .
فكيف لمسلم أن يكون عنده أدنى تردد في المحافظة على الصلاة في وقتها، والله عز وجل قد فرضها وأوجبها حال الجهاد واشتداد المعارك فأي شغل أعظم من هذا ؟ 

قال الله تعالى : ( وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً ) النساء/102 .

وقال الله تعالى : ( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ) البقرة/239 .

" (رِجَالاً) أي : على أرجلكم ، (أَوْ رُكْبَاناً) على الخيل والإبل وسائر المركوبات .

قال ابن حجر رحمه الله:

"‌والمعنى ‌أن ‌الخوف ‌إذا ‌اشتد ‌والعدو ‌إذا ‌كثر ‌فخيف من الانقسام لذلك جازت الصلاة حينئذ بحسب الإمكان وجاز ترك مراعاة ما لا يقدر عليه من الأركان فينتقل عن القيام إلى الركوع وعن الركوع والسجود إلى الإيماء إلى غير ذلك" "فتح الباري" (2/ 433):

وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَقَاتَلُونَا قِتَالا شَدِيدًا ، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الظُّهْرَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ مِلْنَا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً لاقْتَطَعْنَاهُمْ ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَقَالُوا : إِنَّهُ سَتَأْتِيهِمْ صَلاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ الأَوْلادِ ، فَلَمَّا حَضَرَتْ الْعَصْرُ قَالَ : صَفَّنَا صَفَّيْنِ ، وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ . . . ثم ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف . رواه مسلم (840) .

وقال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (2/ 309) :

" إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ ، فَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا كَيْفَمَا أَمْكَنَهُمْ ؛ رِجَالًا وَرُكْبَانًا ، إلَى الْقِبْلَةِ إنْ أَمْكَنَهُمْ ، وَإِلَى غَيْرِهَا إنْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ ، يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ ، وَيَجْعَلُونَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ ، وَيَتَقَدَّمُونَ وَيَتَأَخَّرُونَ ، وَيَضْرِبُونَ وَيَطْعَنُونَ ، وَيَكُرُّونَ وَيَفِرُّونَ ، وَلَا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا.

وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ " انتهى .

فإذا لم تعذر الشريعة المجاهد حال جهاده عن التفريط في الصلاة، ووجوب أدائها في وقتها؛ فكيف بمن يتحجج بأشغال عن الصلاة ويجعل هذا له عادة وسلوكا. فلا شك أن الأمر خطير جدا.

والصلاة أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وهي الفيصل العملي بين الإيمان والكفر.

فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ) رواه الترمذي (413)  وصححه الألباني.

والذي ننصحك به أن تخرج من هذا الوضع الخطير، الذي يكون حال صاحبه مترددا بين الكفر والفسوق كما قرره أهل العلم، فمنهم من يرى كفر من ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها من غير عذر شرعي -نوم أو نسيان- ، والآخرون يرونه فاسقًا .

وقد جاء الوعيد لمن يتعمد تأخير الصلاة إلى آخر وقتها وجعل ذلك صفة للمنافقين..

فعن أنس رضي الله عنه قال: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "‌تِلْكَ ‌صَلَاةُ ‌الْمُنَافِقِ. يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ. حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ. قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا. لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلا قليلا" رواه مسلم (622).

وقد سبق بيان مكانة الصلاة والتحذير من التهاون فيها وتأخيرها عن وقتها فيرجع إليها للفائدة: (33694)، (36784).

ثانياً:

التوبة واجبة على كل من ارتكب محرما أو فرط في واجب، وهذا ما يجب أن يكون نصب عين كل مؤمن يرجو رحمة ربه ويخشى عذابه.

قال عز وجل : ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) النور/31 .

قال ابن جزي رحمه الله :

" التوبة واجبة على كل مؤمن مكلف بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة " انتهى من في "التسهيل" (1232)  .

وقال النووي رحمه الله :

" وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّوْبَة مِنْ جَمِيع الْمَعَاصِي وَاجِبَة , وَأَنَّهَا وَاجِبَة عَلَى الْفَوْر , لَا يَجُوز تَأْخِيرهَا , سَوَاء كَانَتْ الْمَعْصِيَة صَغِيرَة أَوْ كَبِيرَة . وَالتَّوْبَة مِنْ مُهِمَّات الْإِسْلَام وَقَوَاعِده الْمُتَأَكِّدَة " انتهى من "شرح مسلم" (17/59) .

وقال القرطبي :

"اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين ؛ لقوله تعالى : (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) " انتهى من "تفسير القرطبي" (5/90).

وقال تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الحجرات / 11 .

قال ابن القيم رحمه الله :

" قسّم العباد إلى تائب وظالم ، وما ثم قسم ثالث البتة ، وأوقع اسم الظالم على من لم يتب ، ولا أظلم منه ؛ لجهله بربه وبحقه ، وبعيب نفسه ، وآفات أعماله " .

انتهى من " مدارج السالكين" (1 /178) .

ثالثاً:

الواجب على العبد أن يندم على الذنب؛ لأنه معصية لأمر الله، موجب لسخطه، وعذابه.

وأن يعزم في المستقبل ألا يعود إلى معصية أمر الله، والوقوع فيما لا يرضيه؛ ذلك العزم الذي يحل عقدة الإصرار من قلب العبد، ويقطع عن نفسه ميلها إلى المعاصي، وتشوفها إليها؛ حتى وإن أمكنته الفرصة، وتهيأت له أسباب المعصية.

لا أن يندم على ما فاته من الدنيا، أو اعتلت صحته، أو ذهب ماله لأجل ذنبه؛ بل يندم على معصية الله، ويعزم على لزوم أمر الله.

قال الإمام ابن عطية، رحمه الله:

"وحد ‌التوبة: الندم على فارطِ فعل، من حيث هو معصيةٌ لله عز وجل.

وإن كان الندم من حيث أضرَّ ذلك الفعلُ، في بدن أو ملك: فليس ‌بتوبة.

فإن كان ذلك الفعل مما يمكن هذا النادم فعله في المستأنَف؛ فمن شروط ‌التوبة: ‌العزم على ترك ذلك الفعل في المستأنف؛ وإلا فثَمَّ إصرارٌ لا ‌توبة معه.

وإن كان ذلك الفعل لا يمكنه، مثل أن يتوب من الزنا، فيُجَبَّ بأثر ذلك، ونحو ذلك؛ فهذا لا يحتاج إلى شرط ‌العزم على الترك.

‌والتوبة فرض على المؤمنين، ‌بإجماع الأمة، ‌والإجماع هي القرينة التي حمل بها قوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً) [النور: 31] على الوجوب". انتهى، من "تفسير ابن عطية" (2/ 23).

أما سؤالك هل يوجد إجماع على شرط العزم على عدم العودة فلم نقف -حسب علمنا- على نص للعلماء في ذلك، ولكن تضافرت أقوالهم في جعل العزم على عدم العودة شرطًا للتوبة الصادقة، فمنهم من جعله شرطا مستقلا، ومنهم من قال إن العزم على عدم العودة مضمن في الندم على فعل المعصية، والندم ركن التوبة الأساسي. 

وهذه بعض أقوال أهل العلم المعتبرين في  شروط التوبة:

قال ابن قدامة رحمه الله:

"التوبة النصوح تجمع أربعة أشياء؛ الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، وإضمار أن لا يعود، ومجانبة خلطاء السوء.

وإن كانت توجب عليه حقا لله تعالى، أو لآدمى؛ كمنع الزكاة والغصب، فالتوبة منه بما ذكرنا، وترك المظلمة حسب إمكانه، بأن يؤدى الزكاة، ويرد المغصوب، أو مثله إن كان مثليا، وإلا قيمته" انتهى من "المغني" (14/ 192 ت التركي).

وقال ابن الحاج رحمه الله:

"‌التوبة بشروطها: ‌الندم، والإقلاع، والعزم على ألا يعود. ورد التبعات لمن كانت عليه شرط رابع، فالثلاثة الأول متيسرة على المرء؛ لأنها بينه ‌وبين ‌ربه" "المدخل لابن الحاج" (4/ 44).

وقال ابن حجر رحمه الله:

"وقال بعضهم يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه، فإنه يستلزم الإقلاع عنه والعزم على عدم العود، فهما ‌ناشئان ‌عن ‌الندم، ‌لا ‌أصلان ‌معه؛ ومن ثم جاء الحديث : (الندم توبة). وهو حديث حسن من حديث بن مسعود، أخرجه بن ماجة وصححه الحاكم وأخرجه بن حبان من حديث أنس وصححه" انتهى من "فتح الباري" لابن حجر (13/ 471).

وقال الغزالي رحمه الله:

"والخوف إذا كان من فعل ماض أورث الندم ، والندم يورث العزم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الندم توبة)" انتهى من في"الإحياء" (3/144).

رابعاً:

كون العزم على عدم العودة شرطاً من شروط التوبة: لا يعني أنه لن يقع في الذنب الذي تاب منه، مرة أخرى؛ بل المعنى: أنه يعزم، ويصمم في نفسه، وقت توبته: أنه لن يفعل ذلك مرة أخرى. ثم قد ينفسخ عزمه، وتضعف نفسه، ويقع فيه، فلا يبطل توبته الأولى، بل يجب عليه أن يتوب من ذنبه الثاني من جديد، وبنفس الطريقة الأولى، وبنفس شروط التوبة الأولى.

روى مسلم في "صحيحه" (2758) في "‌‌بَابُ: قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ، وَالتَّوْبَةُ":

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عز وجل قَالَ: أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تبارك وتعالى: ‌أَذْنَبَ ‌عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: ‌أَيْ ‌رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تبارك وتعالى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: ‌أَيْ ‌رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تبارك وتعالى: ‌أَذْنَبَ ‌عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ. قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: لَا أَدْرِي أَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ .

وقد ترجم عليه الإمام ابن حبان في "صحيحه": "ذِكْرُ تَفَضُّلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا عَلَى التَّائِبِ الْمُعَاوِدِ لِذَنْبِهِ بِمَغْفِرَةٍ كُلَّمَا تَابَ وَعَادَ يَغْفِرُ". انتهى، من "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" (2/ 392).

قال الإمام أبو العباس القرطبي، رحمه الله: "وفائدة هذا الحديث أن العود إلى الذنب، وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى الذنب نقض التوبة، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنها انضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، وأنه لا غافر للذنوب سواه". انتهى، من "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"(7/ 86).

وفي الحديث الآخر: ( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) رواه الترمذي (2499) وحسنه الألباني .

وهذه الصيغة تفيد تكرر وقوع الخطأ منهم مرات حيث جاءت بصيغة المبالغة.

قال ابن الأمير الصنعاني رحمه الله:

"خطاؤون: كثيرو الخطأ، إذ هو صيغة ‌مبالغة، والحديث دال على أنه لا يخلو من الخطيئة إنسان لما جبل عليه هذا النوع من الضعف، وعدم الانقياد لمولاه في فعل ما إليه دعاه وترك ما عنه نهاه، ولكنه تعالى بلطفه فتح باب التوبة لعباده، وأخبر أن خير الخطائين التوابون الكثيرون للتوبة على قدر كثرة الخطأ" انتهى من "سبل السلام شرح بلوغ المرام" (8/ 205 ت حلاق).

والحاصل:

أن الواجب على المسلم: أن يجدد التوبة كلما وقع في الذنب، ولا يتركها خوفا من أن يقع في الذنب مرة أخرى، فهذا من مداخل الشيطان لصرف العبد عن التوبة.

فقد رروى الإمام أحمد في "الزهد" (1609) عن سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، الرَّجُلُ ‌يُذْنِبُ ‌ثُمَّ ‌يَتُوبُ، ثُمَّ ‌يُذْنِبُ ‌ثُمَّ ‌يَتُوبُ، ثُمَّ ‌يُذْنِبُ ‌ثُمَّ ‌يَتُوبُ، ثُمَّ ‌يُذْنِبُ ‌ثُمَّ ‌يَتُوبُ؛ حَتَّى مَتَى؟

قَالَ: "مَا أَعْلَمُ هَذَا إِلَّا مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ" انتهى.

وروى الطبري في تفسير عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يُسْأَل عن هذه الآية (فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا) قال: هو الذي ‌يذنب ‌ثم ‌يتوب، ثم ‌يذنب ‌ثم ‌يتوب" انتهى من "تفسير الطبري" (17/ 423).

وجاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" ( 14/123):

" لا يشترط في التوبة عدم العود إلى الذنب الذي تاب منه، عند أكثر الفقهاء.

وإنما تتوقف التوبة على الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم الجازم على ترك معاودته .

فإن عاوده، مع عزمه حال التوبة على ألا يعاوده: صار كمن ابتدأ المعصية، ولم تبطل توبته المتقدمة، ولا يعود إليه إثم الذنب الذي ارتفع بالتوبة، وصار كأن لم يكن؛ وذلك بنص الحديث: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)" انتهى .

وينظر للفائدة الفتاوى التالية في الموقع: (289765)، (247976)، (23491).

والله أعلم

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android