الإثم في ذلك وغيره: إنما يلحق المتعمد، أو المفرط فيما كان يمكنه أن يتفاداه، وأما المخطئ: فلا إثم عليه، لكن يلزمه ضمان ما أتلفه لصاحبه.
دهس بعض الأغنام بالخطأ، فماذا يلزمه؟
السؤال: 614142
عندي استفسار بخصوص حادث سير صار معي، كنت متجهًا لشراء بعض الأغراض بخط سفر، واصطدمت بعدة أغنام، وعددها خمسة لم أجد لها راعيا، وتضررت سيارتي بشكل طفيف، بما أنها جيب كبير، ولكن الأغنام الخمسة ماتت، هل عليه صدقة، أو علي فيها ذنب؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
الأصل في حوادث السير إذا ترتب عليها شيء من التلف في الأموال، أو الأبدان: فإن المتسبب في الحادث، وهو قائد السيارة غالبا: يضمن ما نتج عن فعله من تلف في ذلك كله؛ بالدية، إن كانت نفسا تودى، أو بضمان مثل ما أتلفه أو قيمته، إن كان غير ذلك من المتلفات.
ولا يعفي المتسبب في ذلك من تبعات فعله، وضمان ما أتلفه: أن ذلك في الغالب الأعم يكون من قبيل الخطأ المحض؛ فإن الخطأ إنما يعفي صاحبه من الإثم فيما بينه وبين الله، ولا يعفيه من حقوق الخلق التي أتلفها؛ إلا يعفو من له الحق في ذلك.
قال الله تعالى في نفي الإثم عن المخطئ، وحمله على المتعمد: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الأحزاب/5.
قال مجاهد: "في هذا، وغيره". انتهى، من "تفسير الطبري" (19/ 14).
وقال الإمام أبو أحمد القصاب – الكرجي -: "دليل على أن الخطأ مرفوع عن الناس في هذا، وفي الأيمان وغيرها؛ دون ما دل عليه القرآن من أنه غير مرفوع؛ مثل: قَتْل الخطأ، وجَرحِه، وما يحدث من أفعال المخطئين على أموال المسلمين" انتهى، من "نكت القرآن" (3/ 642).
وقال تعالى في إثبات الضمان على من أخطأ، والوعيد الشديد لمن تعمد قتل النفس التي حرم الله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) النساء/92-93.
جاء في قرارا مجمع الفقه الإسلامي: " قرار رقم: 75 / 2 / د8 بشأن حوادث السير ....
2- الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات: تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة السلامية، وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ.
والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار ، سواء في البدن أو المال ، إذا تحققت عناصرها، من خطأ ، وضرر ، ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا في الحالات الآتية:
أ- إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها ، وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.
ب- إذا كان بسبب فعل المتضرر، المؤثر تأثيرا قويا في إحداث النتيجة.
ج- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه ، فيتحمل ذلك الغير المسؤولية " انتهى. "مجلة مجمع الفقه الإسلامي" (8 / 2 / 371 - 372).
وجاء في "أبحاث هيئة كبار العلماء" (5/ 527): "إذا خالف سائق نظام السير المقرر، من جهة السرعة أو عكس خط السير ، وأصاب إنسانا أو سيارة ، أو أتلف شيئا عمدا أو خطأ : ضمنه" انتهى.
والحاصل:
أنه إذا حصل إهمال منك، أدى إلى هذا الحادث، أو تهاون بشأن الأغنام، وكان بإمكانك أن تتفادى صدمها وقتلها، أو تتفادى صدم بعضها على الأقل، بعد ما صدمت أولها: فلا شك أن هذه نفس قتلت بغير حق، ومال لأخيك المسلم أتلفته عليه؛ وفي كل من ذلك إثم يجب التوبة إلى الله تعالى منه.
وإن كان ذلك خطأ محضا منك، من غير إهمال، ولا استهانة في فعلك بالنفوس والأموال: فلا إثم عليك، وإنما عليك قيمة ما أتلفته من الأغنام جميعا، تضمنها لصاحبها.
وإن لم يكن منك خطأ بوجه، كأن تكون الأغنام دخلت في طريق سيرك فجأة، ولم يكن بإمكانك أن تفاديها، فلا إثم عليك ولا ضمان.
وانظر: إجابة رقم: (345284)، (269759). (541832).
ثانيا:
إذا كان بإمكانك أن تصل إلى صاحب الأغنام، كما لو تواصلت مع أهل المكان الذي حصل فيه الحادث، أو نحو ذلك، فالواجب عليك أن تصل إليه، وتعطيه ثمن أغنامه؛ إلا أن يعفو لك عنها، أو عن بعضها.
وإن لم يكن لك سبيل إلى معرفة صاحبها، والوصول إليه: فتصدق ثمن الأغنام عن صاحبها.
على أنه إذا علمت محله يوما ما، فالواجب عليك أن تخبره بما كان. فإن أقر صدقتك، وأمضاها، فذاك. وإلا، وجب عليك أن تعطيه حقه، ويكون أجر الصدقة لك.
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله في فتاوى "نور على الدرب" (19/190):
"إذا كان على الإنسان دين، ولم يعرف صاحب الدين، يعني انتقل إلى مكان آخر، أو سافر، وهكذا لو كان عنده وديعة، أو عارية، وذهب صاحبها، ولم يدر عنه، ولم يعرفه؛ لأنه بعد التحري وبعد بذل المستطاع في التعرف عليه، أو على مكانه، إذا عجز، فإنه ينتظر المدة المناسبة، لعله يأتي صاحبه إليه، إن كان يعرفه، وإن لم يأت، فإنه يتصدق بذلك على الفقراء والمساكين، أو يصرف ذلك في بعض المشاريع الخيرية، كتعمير المساجد، ودورات المياه، وما أشبه ذلك من المشاريع الخيرية، ويكون الأجر لصاحبه، ينويه عن صاحب المال، والله يوصل إليه أجره سبحانه وتعالى، لكن إذا تريث بعض المدة، لعله يأتي من باب الاحتياط فحسن، ثم إذا جاء صاحب الحق، فهو بالخيار، إن شاء قبل الصدقة، وصارت له الصدقة، وإن شاء طلب حقه، فتعطيه حقه، ويكون الأجر لك بما تصدقت به" انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
القاعدة: (كل من بيده مال جهل صاحبه، وأيس من العثور عليه، فله أن يتصدق به بشرط الضمان) " انتهى من "الشرح الممتع" (10/195).
انظر: إجابة رقم: (393107).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟