أولاً:
الأسباب التي تدفع الرجل للطلاق متعددة ومعقدة ، حيث تختلف من علاقة لأخرى ، وذات أبعاد متعددة ، فمنها الديني والنفسي والأخلاقي والاجتماعي وغيرها، وكل قسم تندرج تحته أسباب كثيرة ، فلا يمكن حصر الأسباب الدافعة للطلاق تحت منظومة واحدة ، لاختلاف الأشخاص والثقافات والقناعات الشرعية والأخلاقية والاجتماعية.
ولكن هناك أسباب رئيسة مشتركة هي الأكثر تأثيرا باتخاذ الرجل قرار الطلاق، منها:
- الخيانة الزوجية بكل أشكالها.
- إهمال الزوجة لواجباتها الزوجية وتجاهل حقوق الزوج.
- عدم التكافؤ بين الأزواج واختلاف القيم والثقافات .
- سوء خلق الزوجة وعنادها وبذاءتها.
- عدم الوئام بين الزوجين وغياب المحبة.
وهذه الأسباب تخص اتخاذ الرجل قرار الطلاق ومبادرته في ذلك، وهناك أسباب أخرى للطلاق سببها الزوج مما يجعل المرأة تتخذ قرار الانفصال. وإنما اكتفينا بما طلبته في سؤالك.
ثانياً:
أما سؤالك هل تستحق المرأة الطلاق بالخروج بدون علمه؟
فالأصل الشرعي: هو عدم جواز خروج المرأة بدون إذن زوجها وعلمه.
ومما يدل على اشتراط إذن الزوج في الخروج، حتى لزيارة الأهل: ما جاء في الصحيحين في قصة الإفك، وقول عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: (أتأذن لي أن آتي أبوي) رواه البخاري (4141) ومسلم (2770).
قال الحافظ العراقي في "طرح التثريب" (8/58): "وقولها: (أتأذن لي أن آتي أبوي): فيه أن الزوجة لا تذهب إلى بيت أبويها إلا بإذن زوجها " انتهى.
وقد سبق بيانه مفصلا في إجابة سابقة فيرجع إليها: (226665).
فهذه المسألة لها صور وحالات كثيرة، ففرق بين حصول هذا بصورة مستمرة، وبين حصوله قليلا أو نادرا. وفرق بين خروجها إلى مكان هو يعلمه ومكان لا يعلمه.
فإذا كان الخروج بدون إذنه إلى مكان جرى العرف فيه أن تخرج إليه النساء دون الحاجة لإذن الزوج، مثل الخروج لزيارة الجيران ونحوه: فهذا مما ينبغي التسامح وعدم التشديد فيه، فضلا أن يكون سببا للطلاق.
أما خروجها إلى مكان منعها منه ولم يأذن لها فيه، فإن كان خروجاً إلى مكان معلوم ليس فيه شبهة دينية أو أخلاقية مثل الخروج إلى بيت أخواتها وصديقاتها أو تسوق قريب لا ريبة فيه. فهذا وإن كان في حقها مخالفة شرعية وتفريط بما يجب عليها من عدم الخروج إلا بإذن الزوج، ولكن لا ينبغي أن يتخذ بسببه قرار الطلاق، ولكن يكرر النصح والتذكير والحزم فيه.
وإن كان خروجها بغير إذنه، إلى مكان لا يعلمه، أو مكان فيه ريبة دينية أو أخلاقية: فهذا هو الذي ينبغي التشديد فيه، وعدم التهاون به. ولا بأس بتأديبها، بما يردعها عن ذلك، ويردها إلى أدب الزوجية، والرجوع إلى طاعة زوجها، والمعرفة بحقه.
وأما مجرد "الخروج" هكذا، مطلقا، من كل ريبة، أو قرينة على فساد: فلا ينبغي للعاقل أن يجعله سببا لهدم بيته، وطلاق امرأته.
ثالثا:
أما هل تستحق الطلاق لعدم مراعاة قلبه؟
فمسألة مراعاة القلوب مطلوبة بين الزوجين، لما تقرر في الشرع من أن المودة والرحمة من مقاصد النكاح، وعلى هذا الأساس ينبغي أن تبنى الحياة الزوجية . قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) الروم /21 .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "... من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة: وهي المحبة، ورحمة: وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك، (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)". انتهى، "تفسير ابن كثير»" (6/ 309).
وقال أيضا: "وقال في هذه الآية الكريمة: (وجعل منها زوجها ليسكن إليها)؛ أي: ليألفها ويسكن بها، كما قال تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [الروم: 21]. فلا ألفة بين روحين، أعظم مما بين الزوجين؛ ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه". "تفسير ابن كثير" (3/ 525).
وانظر الفتوى: (101130) ففيها تفصيل نافع ماتع حول هذا الأمر.
ولكن المسائل القلبية غالبا لا يستطيع المرء التحكم فيها؛ وفي الحديث (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك ).
فلا يكون قرار الطلاق بناء على أمور قلبية خاصة مع وجود الأطفال، فالأمر كما قال عمر رضي الله عنه: "ليس كل البيوت تبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب" انتهى "شرح السنة للبغوي" (13/ 120).
والقلوب تتقلب، فيراعي الرجل قلب زوجته، ويتألفها، ويحسن إليها، وسيجد منها حبا وودا وأنساً.
رابعاً:
هل استكبار الزوجة وكلامها على زوجها من دواعي طلاقها؟
فلا شك أن ترفع المرأة على زوجها منافٍ لمقتضى القوامة التي جعلها الله للزوج. قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) النساء/ 34.
وقد سبق بيان وجوب طاعة الزوجة لزوجها وحسن تبعلها في الفتوى: (125374) فيرجع إليها.
وهذا التعالي نوع من النشوز، وقد بين الله التعامل مع هذه الحالات بقوله:
(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) النساء/ 34.
فإذا أصرت الزوجة على النشوز، فإن القول في طلاقها أو إمساكها، يرجع إلى تقدير الزوج وحكمته، وحده، ولا ينبغي أن يكون قرار مصيري ضخم كهذا، مبينا على ردة فعل، أو انفعال طارئ، أو نظر واحد إلى جانب من جوانب المشكلة، ثم إغفال بقية الجوانب، وما فيها من مصالح ومفاسد، ثم يكون قرار الأمر عند الزوج، وهو الذي يستطيع أن يقول: أطلق، أولا أطلق.
ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (467760)، (125374)، (101130).
والله أعلم.