الحديث الذي ينسب فيه القول إلى جبريل عليه السلام، كيف يسمَّى؟

السؤال 623449

الحديث الذي يكون من جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم، ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقول فيه النبي: "قال الله تعالى"، كما في حديث جبريل عليه السلام عندما قال: ( يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ... )، ماذا يسمى هذا النوع من أنواع الوحي؟

ملخص الجواب

الوحي الذي أتى به جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هو كله من الله تعالى، وما جبريل عليه السلام إلا واسطة لا ينزل إلا بما يرسله الله تعالى به، فلذا لا يوجد أحاديث جبرائيلية، أي وحي من جبريل عليه السلام من نفسه لم يرسل به.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

هذا الخبر ورد من حديث عدد من الصحابة رضوان الله عليهم:

من حديث سهل بن سعد:

رواه الحاكم في "المستدرك" (4/ 324 - 325)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4/306)، وغيرهم: عن زَافِر بْن سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُيَيْنَةَ.

وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (2/403): عن سُلَيْمَان بْن عَمْرٍو.

و(مُحَمَّد بْن عُيَيْنَةَ، وسُلَيْمَان بْن عَمْرٍو): عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: (جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزِّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ).

ومدار هذا الإسناد على زَافِر بْن سُلَيْمَانَ، ومُحَمَّد بْن عُيَيْنَةَ، وسُلَيْمَان بْن عَمْرٍو: وكلهم قد ضُعِّفوا.

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

"هذا حديث لا يصح، وسليمان بن عمرو، هو أبو داؤد النخعي، قال أحمد: هو كذّاب يضع الحديث. وكذلك قال يحيى" انتهى. "العلل المتناهية" (2/886).

وقال الذهبي رحمه الله تعالى:

"محمد ‌بن ‌عيينة أخو سفيان الهلالي، عن أبي حازم المديني؛ قال أبو حاتم: لا يحتج به، له مناكير" انتهى. "المغني في الضعفاء" (2/623).

وقال رحمه الله تعالى:

"زافر بن سليمان القهستاني سمع ابن جريج: وثقه جماعة، وضعفه آخرون" انتهى. "المغني في الضعفاء" (1 / 236).

وقد ساق ابن عدي عدة أحاديث لزافر، ثم قال رحمه الله تعالى:

"ولزافر غير مَا ذَكَرْتُ، وكان: أحاديثه مقلوبة الإسناد، مقلوبة المتن، وعامة ما يرويه لا يُتَابَع عليه، ويكتب حديثه مع ضعفه" انتهى. "الكامل في ضعفاء الرجال" (5 / 198).

ومن حديث علي رضي الله عنه:

رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (5 / 119)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ رَوَاحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ بِشْرٍ الْأَسَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسْنُ بْنُ حُسَيْنٍ الْعَلَوِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (قَالَ لِي جِبْرِيلُ: …) الحديث.

لكن فيه إسناده رواة مجاهيل.

قال الهيثمي رحمه الله تعالى:

"وعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال لي جبريل عليه السلام: أحبب من شئت فإنك مفارقه ...)، رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط"، وفيه جماعة لم أعرفهم" انتهى. "مجمع الزوائد" (10 / 219 - 220).

ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (3 / 202)، قال: حدثنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن سلم الحافظ، حَدَّثَنَا محمد بن الحسين ابن حفص وعلي بن الوليد بن جابر، قالا: حَدَّثَنَا علي بن حفص بن عمر، حَدَّثَنَا الحسن ابن الحسين، عن زيد بن علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم: ... الحديث.

ثم قال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث جعفر عن أسلافه، متصلا، لم نكتبه إلا من هذا الوجه" انتهى.

وقال العراقي رحمه الله تعالى:

"حديث: (إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي: أحبب من أَحْبَبْت فَإنَّك مفارقه، وعش مَا شِئْت فَإنَّك ميت، ‌واعمل ‌مَا ‌شِئْت فَإنَّك مجزى بِهِ).

أخرجه الشّيرازيّ فِي "الألقاب" من حديث سهل بن سعد نحوه، والطّبرانيّ في "الأصغر" و"الأوسط" من حديث علّي، وكلاهما ضعيف" انتهى. "تخريج أحاديث الإحياء – بهامش الإحياء" (1 / 88).

ومن حديث جابر:

رواه أبو داود الطيالسي "المسند" (3 / 313): عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (قَالَ جِبْرِيلُ صلى الله عليه وسلم: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحِبَّ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، ‌وَاعْمَلْ ‌مَا ‌شِئْتَ فَإِنَّكَ لَاقِيهِ).

وفي إسناده ضعف.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

"الحسن ‌بن ‌أبي ‌جعفر الجفري بصري عن التابعين: ضعفوه" انتهى. "المغني في الضعفاء" (1 / 157).

وقال البوصيري رحمه الله تعالى:

"عَنْ جَابِرٍ- رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (قَالَ لِي جِبْرِيلُ- عليه السلام: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ ما شئت فإنك ميت، وأحبب مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فإنك لاقيه).

رواه الطّيالسيّ عن الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف … " انتهى. "اتحاف الخيرة" (2 / 411 - 412).

ومن حديث أنس:

رواه ابن حبان في "المجروحين" (2 / 386)، قال رحمه الله تعالى:

"مدرك بن عبد الرحمن الطفاوي:

من أهل البصرة، يروي عن حميد الطويل ما لا يتابع عليه، روى عنه البصريون، أستحب مجانبة ما انفرد من الروايات.

وهو الذي يروي عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا، فَقَال: يَا مُحَمَّدُ حُبَّ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاجْمَعْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ تَارِكُهُ، ‌وَاعْمَلْ ‌مَا ‌شِئْتَ فَإِنَّكَ لَاقِيهِ).

حدثناه ابن قحطبة، قال: حدثنا يحيى بن خذام السقطي، قال: حدثنا مدرك بن عبد الرحمن" انتهى.

وقال الذهبي رحمه الله تعالى:

"مدرك ‌بن ‌عبد ‌الرحمن الطفاوي، عن حميد الطويل: له مناكير" انتهى. "المغني" (2 / 649).

فالحاصل؛ أن هذا الخبر ليس له إسناد صحيح.

قال الشوكاني رحمه الله تعالى عن حديث سهل:

"قال ابن حجر في "الأمالي": تفرّد به زافر، وهو صدوق سيئ الحفظ كثير الوهم.

وفي إسناده: محمد بن عيينة، وفيه مقال.

فالصواب: أنّ الحديث ضعيف، لا كما جزم به الحاكم من كونه صحيحًا، ولا كما جزم به ابن الجوزيّ من كونه موضوعا، وله شواهد … " انتهى. "الفوائد المجموعة" (ص34).

وعلق عليه الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى، فقال:

"إنما هما شاهدان: أحدهما عن: جابر، وسنده ضعيف، والثاني: عن الحسن بن علي، وفي سنده من لم أعرفه" انتهى.

وبعض أهل العلم رأوا تحسينه.

قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:

"والحديث أورده المنذري في "الترغيب" (2 / 11) من حديث سهل.

وقال: "رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن".

قال المناوي عن الحافظ ابن حجر: "وقد اختلف فيه نظر حافظين، فسلكا طريقين متناقضين، فصححه الحاكم، ووهاه ابن الجوزي.

والصواب: أنه لا يحكم عليه بصحة، ولا وضع. ولو توبع زافر لكان حسنا.

لكن جزم العراقي في "الرد على الصغاني"، والمنذريُّ في "ترغيبه": بحسنه ".

قلت: وهو الصواب الذي يدل عليه مجموع هذه الطرق، والله أعلم" انتهى. "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2 / 485).

ثانيا:

الوحي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو قرآن، أو سنة، وهي الحديث النبوي.

قال ابن حزم رحمه الله تعالى:

"لما بينا أن القرآن هو ‌الأصل ‌المرجوع ‌إليه في الشرائع، نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدناه عز وجل يقول فيه واصفا لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.

فصح لنا بذلك: أن الوحي ينقسم من الله عز وجل، إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على قسمين:

أحدهما: وحي متلو، مؤلف تأليفًا معجزَ النظام، وهو القرآن.

والثاني: وحي مروي منقول، غير مؤلف، ولا معجز النظام، ولا متلو؛ لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المبين عن الله عز وجل مراده منا. قال الله تعالى وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" انتهى. "الإحكام في أصول الأحكام" (1 / 96 — 97).

فالوحي في السنة النبوية هو منزّل من الله لا غير.

قال الله تعالى:

وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا النساء(113).

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

"فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله.

وهذا يشبه ما قال، والله أعلم؛ لأن القرآن ذُكر، وأُتْبعته الحكمة. وذكر الله منَّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة؛ فلم يجز، والله أعلم، أن يقال: الحكمة ها هنا، إلا سنةُ رسول الله" انتهى. "الرسالة" (ص78).

فقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق -على القول بحسنه-: ( قَالَ لِي جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، أَحِبَّ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مَفَارِقُهُ ... )، وما أشبه ذلك مما ورد في السنة = هو من الوحي الذي أُمِر جبريل عليه السلام بتبليغه، فجبريل عليه السلام ملك مأمور، لا ينزل إلا بما يبعثه الله تعالى به، كما في قول الله تعالى: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا مريم (64).

روى الإمام البخاري (3218): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِجِبْرِيلَ: أَلا تَزُوْرُنا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟ قالَ: فَنَزَلَتْ: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا ‌بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا الآيَةَ).

وقال الواحدي رحمه الله تعالى:

"والمفسرون كلهم في سبب نزول هذه الآية على هذا، قالوا: استبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل، ثم جاءه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل إن كنت لمشتاقا إليك. قال: وأنا والله يا محمد قد كنت إليك مشتاقا، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست. وأنزل الله: وَمَا نَتَنَزَّل الآية" انتهى. "التفسير البسيط" (14 / 279).

وقد جاء حديث سهل عند ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (2 / 886)، بلفظ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَانِي جِبْرِيلُ بِثَلاثِ كَلِمَاتٍ قَالَ يَا مُحَمَّدُ أَحْبِبْ...).

الخلاصة:

الوحي الذي أتى به جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هو كله من الله تعالى، وما جبريل عليه السلام إلا واسطة لا ينزل إلا بما يرسله الله تعالى به، فلذا لا يوجد أحاديث جبرائيلية، أي وحي من جبريل عليه السلام من نفسه لم يرسل به.

والله أعلم.

المراجع

الحديث وعلومه

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android