إذا كان الباعة المتجولون يبيعون بسعر يؤدي إلى نقص ربح أصحاب المحالات، فلا يمنعون من ذلك، وإن كانوا يبيعون بسعر يؤدي إلى خسارة أصحاب المحلات، منعوا من ذلك.
هل يجوز للباعة المتجولين البيع قرب أصحاب المحلات بسعر أقل؟
السؤال 623676
موجود في البلد عدة محلات لبيع الخضار، وأسعارها تقريبا موحدة، من فترة قريبة يأتي بائع خضار جوال يقف بسيارته في السوق، ويبيع أقل من المحلات بكثير لأسباب عدة، منها أنه لا يدفع أجرة محل، ولا عمال، ولا كهرباء، مما أضر بالمحلات، فهل يجوز للتجار طرده أو إلزامه بسعر السوق؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
اختلف الفقهاء في البيع بأقلَّ من سعر السوق، فأجازه الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، واستدلوا بأدلة، منها ما جاء في منع التسعير على الناس وأنه ظلم.
وينظر: جواب السؤال رقم: (7842)، "المعاملات المالية أصالة ومعاصرة" (4/460) للشيخ أبي عمر الدبيان، "الحوافز التجارية التسويقة"، للدكتور خالد المصلح، ص146.
وذهب المالكية، والحنابلة في وجه اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أنه لا يجوز بيع السلع بأقل من سعر مثلها.
واستدلوا بما رواه مالك عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيباً له بالسوق، فقال له عمر بن الخطاب: "إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا". وإسناده صحيح، وعلى تقدير أن سعيدًا لم يسمع من عمر فمراسيله من أصح المراسيل.
وبأن في تمكين الباعة من البيع بأقل من ثمن المثل ضرراً على أهل السوق، فمن تمام النصح للمسلمين ألا يُترك أهل الأسواق وما أرادوه، إذا كان ذلك يفضي إلى فساد الأسواق واضطرابها، وإلحاق الضرر بالمسلمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر، ولا ضرار).
قال البهوتي رحمه الله في "كشاف القناع" (3/ 187): "(وأوجب الشيخ [ابن تيمية] إلزامهم) أي: الباعة، (المعاوضة بثمن المثل، وأنه لا نزاع فيه؛ لأنه مصلحة عامة لحق الله تعالى، ولا تتم مصلحة الناس إلا بها، كالجهاد" انتهى.
والراجح: أن البيع بأقل من سعر السوق إن كان ينقص ربح التجار الآخرين، فلا حرج فيه، ولا يمنع منه، وإن كان يلحق بهم خسارة وكسادًا، مُنع منه؛ للضرر.
قال الشيخ أبو عمر الدبيان حفظه الله: "لا شك أن الزيادة اليسيرة عن سعر السوق، مما قد يتغابن الناس في مثله لا حرج منه، وأما إن كانت الزيادة كبيرة جدًا، مما قد يلحق بالمشتري غبن، فإنه يمنع من ذلك.
ومثله: من أراد أن يبيع بأقل من سعر السوق، فإن كان هذا الفعل يقلل من أرباح التجار في السوق لم يمنع، وإن كان يلحق التجار خسارة وكسادًا، فإنه يمنع.
إلا أن يكون هذا عارضًا، كما لو كانت البضاعة سينتهي تاريخها مثلاً، فإن البائع قد يخفض من سعرها خشية أن تبقى عنده، فتفسد عليه، وعلى الناس، والله لا يحب الفساد، وهذا أمر طارئ يتحمله السوق، أو كان للتاجر موسم معين قبل نهايته، وقبل بداية موسم جديد يريد أن يتخلص من البضاعة القديمة، فيعرض فيه تخفيضات محددة، ولفترة محددة لا تلحق بالسوق كسادًا من تصرفه، فمثل هذا أيضاً يكون مقبولاً.
أما أن يبيع بأقل من سعر السوق دائمًا، ويضر بالتجار فإنه يمنع من ذلك، وكما هو مطلوب حماية المشتري من الغبن، مطلوب أيضًا حماية بقية أهل السوق من الخسائر" انتهى من "المعاملات المالية" (4/ 465).
فهذا قول وسط بين المجزين مطلقا، والمانعين مطلقا، وهو يستند إلى أصول الشريعة في منع الضرر، سواء كان الضرر للمشتري أو للباعة.
وعليه: فإن كان الباعة المتجولون يبيعون بسعر يؤدي إلى نقص ربح أصحاب المحالات، فلا يمنعون من ذلك، وفي صنيعهم رحمة ونفع للناس.
وإن كانوا يبيعون بسعر يؤدي إلى خسارة أصحاب المحلات، فهذا ضرر يمنع منه، فيرفع أمرهم إلى الدولة لمنعهم من البيع في السوق، أو لإلزامهم بالبيع بسعر لا يؤدي إلى خسارة أصحاب المحلات.
وإن كان حضورهم عارضا، أو قليلا، لا يظهر منه الضرر بأهل السوق، فالأمر على ما ذكر أولا، أن مثل هذا لا يمنع منه، لعدم ظهور ضرره، ولما فيه من النفع لهم وللمشترين منهم.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟