إذا نذر الصدقة لشخص معين فمات أو غاب ولم يعثر عليه، فماذا يصنع؟

السؤال 623682

أنا مغترب في السعودية، ونذرت إن حصل شيء معين أن أتصدق بملغ معين على رجل فقير يسكن في الحي الذي أنا فيه، حصل هذا الشيء والحمد لله تعالى، وبحثت عن الرجل ولم أجده، ومضى على ذلك مدة، فماذا أفعل؟

ملخص الجواب

إذا عينتَ بنذر الصدقة شخصا معينا، لزمك التعيين، فإن مات أو غاب قبل قبول الصدقة، ففي ذلك خلاف، هل يبطل النذر فلا يلزمك شيء، أم تعطيه لورثته إن مات أو تتصدق به عنه إن غاب؟ والأقرب أنه لا يلزمك شيء.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

يلزم الوفاء بنذر الصدقة إذا كان مطلقا، كقوله: لله علي أن أتصدق، أو كان معلقا على شرط، كقوله: لله علي، أو نذرتُ إن شُفِيَ مريضي أن أتصدق؛ لأنه نذر طاعة، فيلزم الوفاء به.

ثانيا:

من عين في نذره مكانا أو فقيرا أو شيئا، لزمه التعيين، في قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، خلافا للحنفية.

جاء في "نهاية المحتاج" للرملي (8/ 221): " لو عين شيئا أو مكانا للصدقة تعين" انتهى.

وفي "شرح منتهى الإرادات" (3/ 475): "ويجزئ لواحد (كـ) نذر (صدقة مطلقة)، فإن عُيّنت لزيد مثلا لزم دفعها إليه" انتهى.

وينظر: جواب السؤال رقم: (222188).

ثالثا:

على القول بلزوم التعيين، فإذا مات الفقير المنذور له، فهل يبطل النذر، أم يلزمك دفع الصدقة إلى ورثته؟

في ذلك خلاف على قولين:

القول الأول: أنه يبطل النذر، فلا يلزمك شيء.

وهذا ما استظهره العلامة عبد الرحمن أبابطين، وخرّجه على مذهب الحنابلة.

قال رحمه الله: "إذا نذر إنسانٌ شيئا معينا، لشخص معين، نذر تبرر، فرده، أو مات قبل قبوله، أو قبِله وقبضه، ثم رده؟

فأما إذا رده، أو مات قبل القبول والرد: فالذي يظهر بطلانُ هذا النذر، كما تبطل الصدقة بذلك؛ لأن الصدقة نوع من الهبة. صرح به الأصحاب، كما في المغني وغيره، وهو ظاهر كلام أحمد، لقوله في رواية حنبل: إذا تُصدق على رجل بصدقة دار، أو ما أشبه ذلك، فإذا قبضها الموهوب له صارت في ملكه. انتهى.

وقد صرحوا باعتبار القبول للهبة، وأنها تبطل بالرد، وبموت الموهوب له قبل القبول.

فإذا كان هذا حكم الهبة، والصدقةُ نوعٌ من الهبة، وقد جعل الأصحاب حكم الصدقة المعينة، حكم النذر، كما نقله في القواعد عنهم، ولفظه بعد كلام سبق: فإذا قال: هذه صدقةٌ، تعينت، وصارت في حكم المنذورة. صرح به الأصحاب. لكن هل ذلك إنشاء للنذر، أو إقرار به؟ فيه خلاف بين الأصحاب، انتهى.

فقوله: "هل ذلك إنشاء للنذر، أو إقرار به": صريح في أنه إذا تصدَّق بشيء معين، فقال: هذا صدقة؛ أنه نذر حقيقة.

فإذا علمت ما ذكره علماؤنا -رحمهم الله تعالى- من أحكام الهبة، وقد صرحوا بأن الصدقة نوع من الهبة، لها حكم الهبة، بل صرحوا باعتبار القبول للصدقة، ولم يخصوا بذلك نوعا منها، وجعلوا حكم الصدقة المعينة حكم المنذورة= ظهر لك حكمُ مسألة السؤال، إن شاء الله تعالى" انتهى من "رسائل وفتاوى أبابطين" ص156

وبهذا أفتى الشيخ ابن باز رحمه الله.

سئل: إذا نذرت أن أشتري لإنسان هدية معينة، عندما يتحقق لي شيء معين، ومات هذا الشخص، فماذا أفعل؟ هل أتصدق بالمبلغ؟ أم ماذا؟

فأجاب: إذا مات المنذور له بطل النذر، ولم يكن على الناذر شيء؛ لأن المقصود هو إعطاؤه، والميت لا يعطى؛ زال حكم تملكه للعطية، فبطل النذر حينئذٍ، وليس على الناذر شيء" انتهى من "فتاوى نور على الدرب".

ومثل هذا لو غاب المنذور له ولم يعثر عليه، فإن النذر يبطل لعدم حصول القبول منه.

وأما على مذهب الأحناف، الذين لا يرون لزوم التعيين أصلا: فالأمر ظاهر. وينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (2/ 228).

القول الثاني: أن النذر لا يبطل بموت المنذور له المعين، ويعطى لورثة الفقير المعين.

جاء في "الفتاوى الفقهية الكبرى" لابن حجر الهيتمي (4/ 285): "عمن قال لآخر في حال صحته: نذرت لك بصاع مثلا من أرضي كل سنة مدة حياتك، ثم مات المنذور له، فهل يبطل النذر أو يسلمه لورثته؟

(فأجاب) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: لا يبطل النذر بموته، بل يسلمه لورثته كل سنة؛ لأنه لما نذر له بذلك من أرضه، وصح النذر: صار ذلك حقا للمنذور له، متعلقا بعين تلك الأرض، فينتقل لورثته، كما أفتى به البلقيني" انتهى.

وقرر رحمه الله أن للمنذور له مطالبةَ الناذر بالنذر، وأنه يملك النذر ولو لم يقبضه، ويصيرا دينًا على الناذر، ويورَث عنه.

قال في "تحفة المحتاج" (10/ 97): " لو نذر التصدق بمال بعينه: زال عن ملكه بمجرد النذر، فلو قال علي أن أتصدق بعشرين دينارًا، وعينها على فلان، أو: إن شُفي مريضي فعليَّ ذلك، فشفي= ملكها، وإن لم يقبضها، ولا قبلها لفظا، بل وإن رد، كما مر؛ فله التصرف فيها، وينعقد حولُ زكاتها من حين النذر.

وكذا: إن لم يُعينها، ولم يردها المنذور له؛ فتصير دينا له عليه، ويثبت لها أحكام الديون، من زكاة وغيرها، كالاستبدال عنها، وكذا الإبراء منها...

وكذا له الدعوى والمطالبةُ بها، خلافا للزركشي، والحلِفُ، لو نكل الناذر. ويورث عنه، كما في مستحقي الزكاة إذا انحصروا..." انتهى.

رابعا:

على القول الأول لا يلزمك شيءٌ تجاهَ نذرك، لبطلانه بغيبة المنذور له، وعدم حصول القبول منه.

وعلى القول الثاني: فإذا بحثت عن الفقير فلم تجده، ولم تصل إلى ورثته: فإنك تتصدق بالمال عنه، ولم نقف على هذه المسألة منصوصة، لكن يؤخذ من قولهم: " فإن عُيّنت لزيد مثلا، لزم دفعها إليه" ومن قول البلقيني وابن حجر الهيتمي إنها تنتقل إلى ورثته، ومن تقرير ابن حجر أن المنذور له يملك الصدقة ولو لم يقبضها، ومن قول جماعة من الشافعية: "ولو نذر لمعين دراهم مثلا، كان له مطالبة الناذر بها" إعانة الطالبين" (2/ 409)= يؤخذ من ذلك: أن الصدقة صارت حقا، وملكا لهذا المعين، ومن كان له حق فغاب، ولم يعثر عليه، فإنه يتصدق به عنه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فإذا كان بيد الإنسان غصوب أو عوار أو ودائع أو رهون قد يئس من معرفة أصحابها فإنه يتصدق بها عنهم أو يصرفها في مصالح المسلمين أو يسلمها إلى قاسم عادل يصرفها في مصالح المسلمين المصالح الشرعية ...

وكان عبد الله بن مسعود قد اشترى جارية فدخل بيته ليأتي بالثمن فخرج فلم يجد البائع فجعل يطوف على المساكين ويتصدق عليهم بالثمن ويقول: اللهم عن رب الجارية فإن قبل فذاك وإن لم يقبل فهو لي وعلي له مثله يوم القيامة.

وكذلك أفتى بعض التابعين من غل من الغنيمة وتاب بعد تفرقهم أن يتصدق بذلك عنهم، ورضي بهذه الفتيا الصحابة والتابعون الذين بلغتهم كمعاوية وغيره من أهل الشام" انتهى من "مجموع الفتاوى" (29/ 321).

ولعل الأقرب هو القول الأول، وأنه لا يلزمك شيء. لكن، إن تصدقت بالمال عنه، وأعطيته لفقير على نية أن ثوابه لذلك الرجل، فحسن.

والله أعلم.

المراجع

الأيمان والنذور

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android