الأمراض التنفسية من الأمراض الشائعة بين فئات متفاوتة الأعمار، ويحتاج المصابون بها إلى استخدام علاجات بين الأدوية والأجهزة، ويشكل عليهم استخدامها أثناء الصوم وهل تؤثر على صحة الصوم أم لا؟
لذا مست الحاجة إلى هذا البيان لمجمل وأبرز علاجات الأمراض التنفسية، وأثر استخدامها أثناء الصوم.
أولاً: بخاخات الربو:
وهي عبوات ذات أشكال مختلفة، يتم من خلالها إيصال جميع أنواع الأدوية - (الكورتيزون ومشتقاته) و(الكرومليون ومشتقاته)- إلى الشعب الهوائية، سواء كانت من مشتقات الكورتيزون، أو من موسعات الشعب الهوائية قصيرة، أو طويلة الأمد، وميزتها: صغر الجرعة الدوائية المستخدمة والتي تحسب بالميكروجرام ( واحد على المليون من الجرام).
وهذه البخاخات على نوعين:
1- البخاخات المضغوطة (أنابيب مضغوطة).
يكون الدواء على شكل سائل مضغوط مع الهواء في أنابيب.
حجم المادة المضغوطة = 10 مليلترات تعطي 200 جرعة، كل جرعة تعادل 100 ميكروجرام (واحد على المليون من الجرام).
٢- البخاخات ذات البودرة الجافة (أنابيب اسطوانية).
توجد البودرة الدوائية جاهزة داخل الجهاز المخصص للاستنشاق، أو في كبسولات خارجية توضع داخل الجهاز يتم تخريمها عند الاستعمال لاستنشاقها.
حكم استخدام البخاخات المضغوطة أثناء الصوم:
عند النظر في مسألة بخاخ الربو المضغوط وحقيقته، فإن الصورة الأقرب لتكييفها فقهيا هي:
مسألة المتبقي من المضمضة حال الصيام. والمتبقي من الماء بعد المضمضة في دائرة العفو، وغير مُفَطِّر عند المذاهب الأربعة.
انظر: "المبسوط للسرخسي" (3/142)، "التاج والإكليل" (2/426)، "المجموع شرح المهذب" (6/338)، " شرح منتهى الإرادات" (1/483).
ولذا ذهب جمهور المعاصرين، وقرره مجمع الفقه الإسلامي: إلى أنّ بخاخ الربو المضغوط لا يؤثر على الصوم، لما يلي:
1-أنّ عبوة بخاخ الربو تحتوي على 10ملليتر من السائل بما فيه المادة الدوائية، وهذه الكمية مُعدَّة على أساس أن يبخ منه 200 بَخَّة (أي أن 10مللتر تنتج 200 بَخَّة)، وهذا يعني أنّه في كل بَخَّة يخرج جزء من عشرين جزءا من المللتر الواحد، فكل بَخَّة تشكل أقل من قطرة واحدة-وهي تمثل جزءاً واحداً من خمسة وسبعين جزءاً مما في معلقة الشاي الصغيرة. -، وهذه القطرة الواحدة ستقسم إلى أجزاء يدخل الجزء الأكبر منه إلى الجهاز التنفسي، وجزء آخر يترسب على جدار البلعوم الفمي، والباقي اليسير الذي لا يُرى بالعين المجردة قد ينزل إلى المعدة. وهذا المقدار النازل إلى المعدة يعفى عنه، قياساً على المتبقي من المضمضة، فإن المتبقي منها أكثر من القدر الذي يبقى من بَخَّة الربو بكثير، بحيث لو مضمض المرء بماء مختلط بمادة مشعة (أي تظهر في الأشعة) لاكتشفنا المادة المشعة في المعدة بعد قليل، مما يؤكد وجود قدر يسير معفو عنه، وهو أكثر مما يمكن أن يتسرب إلى المريء من بخاخ الربو يقيناً".
2-قياس البخاخ على السواك، في جواز استعماله للصائم مع وجود بعض المواد فيه، عفي عنها لقلتها، ولكونها غير مقصودة، فقد ذكر الأطباء أنّ السواك يحتوي على ثمان مواد كيميائية، تقي الأسنان واللثة من الأمراض، وهي تتحلل باللعاب، وتدخل البلعوم، فإذا عُفي عن هذه المواد التي تدخل إلى المعدة؛ لكونها قليلة جدا، وغير مقصودة، ويتعذر الاحتراز عنها أو لفظها، فكذلك ما يدخل من بخاخ الربو: يعفى عنه للسبب ذاته. انظر: "التداوي والمفطرات" لحسان شمسي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، (ع 10، ص 258-259) و "مفطرات الصيام المعاصرة" لأحمد الخليل، وقرار المجمع الفقهي حول المفطرات/ مجلة المجمع (ج2، ص 454.).
وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله:
"إنني أستعمل البخاخ في رمضان وأنا صائمة؛ وذلك بسبب الربو، وأجد له طعم المرارة، فهل يُفَطِّرُ؟
فأجاب: "إذا كان للضرورة: لا يفطر إن شاء الله؛ لأنه ليس شرابًا ولا طعامًا، إنما هو هواء ينفس للمكروب، فالصواب أنه لا يفطر لكن عند الضرورة». انتهى، من فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الشويعر (16/ 224).
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: " في بعض الصيدليات بخاخ يستعمله بعض مرضى الربو فهل يجوز للصائم استعماله في نهار رمضان؟
فأجاب: استعمال هذا البخاخ جائز للصائم، سواء كان صيامه في رمضان أم في غير رمضان، وذلك لأن هذا البخاخ لا يصل إلى المعدة، وإنما يصل إلى القصبات الهوائية، فتنفتح لما فيه من خاصية، ويتنفس الإنسان تنفساً عادياً بعد ذلك، فليس هو بمعنى الأكل ولا الشرب، ولا أكلاً ولا شرباً يصل إلى المعدة.
ومعلوم أن الأصل صحة الصوم حتى يوجد دليل يدل على الفساد من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس صحيح" "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (19/210-211).
حكم استخدام بخاخات البودرة أثناء الصوم:
بخاخ البودرة حكمه حكم البخاخ العادي (المضغوط) في التكييف والتخريج والخلاف بين المعاصرين؛ فإن الكمية التي تخرج منه لا يكاد يشعر بها المريض كما أفاد الأطباء، فهو غير مُفَطِّر لما سبق بيانه في حكم بخاخ الربو المضغوط.
انظر: "التداوي والمفطرات" لحسان شمسي ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، (ع 10، ص 258-259) و "مفطرات الصيام المعاصرة" لأحمد الخليل، و"المفطرات الطبية المعاصرة، عبد الرزاق الكندي" (150-174).
الخلاصة: استخدام بخاخ الربو -المضغوط والبودرة- في نهار رمضان لا يؤثر على صحة الصوم وإليه ذهب جمهور المعاصرين وقرره المجمع الفقهي وهو اختيار الشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله.
ثانيا:
جهاز الرذاذ البخاري (النبيوليزير):
وهو جهاز كهربائي يقوم بتحويل محلول المادة الدوائية إلى بخار مرئي، يستنشقه المريض بواسطة كمامة توضع على الأنف والفم، أو من خلال توصيلة توضع في الفم مباشرة، ويعطى عادة أثناء الأزمات الربوية في المنازل والمستشفيات، وله أشكال كثيرة وأنواع متعددة، والجرعة المستخدمة: من ۱- ٤ جرعات يومياً حسب الحاجة، وتستمر فترة الاستنشاق ما بين ۱٠- ۱٥ دقيقة للجرعة.
والجرعة المستخدمة في جهاز النبيوليزير: ٢سم محلول ملحي + ۱- ٢ ملل فنتولين + ٢ملل أتروفينت (٢٥٠- ٥٠٠) ميكروجرام، وهي جرعة عالية مقارنة ببخاخات الربو العادية، حيث تعادل ما يقارب ٢٠ بَخَّة ويترسب في داخل الرئة ۱٠% من الجرعة المعطاه، أما الباقي فيترسب في الأنابيب الموصلة وفي الأجزاء العلوية من مجاري التنفس ومعظمه يتطاير في الهواء. انظر: " المفطرات الطبية المعاصرة"
حكم استخدام جهاز الرذاذ البخاري (النبيوليزر) .
من خلال النظر الطبي يتبيّن أن استخدام جهاز الرذاذ البخاري مُفَطِّر، لاحتوائه على مادة دوائية (٢سم محلول ملحي + ۱- ٢ ملل فنتولين + ٢ملل أتروفينت "٢٥٠- ٥٠٠" ميكروجرام) ولمفارقته البخاخ العادي من حيث إنَّ الكمية الداخلة من الرذاذ الدوائي إلى الحلق كبيرة، حيث يستمر استنشاق المريض للدواء ما بين 10إلى 15دقيقة، كما أنّه يُعْطَى بدفع عالي يوصل جزءً كبيرا منه إلى البلعوم، مما يعزز دخول كمية منه إلى المعدة، ولذا يفارق البخاخ العادي من حيث كمية الدواء الداخلة.
وعليه؛ فإذا احتاج إليه الصائم المريض جاز استخدامه ويقضي يوما بدلا من ذلك اليوم.
الخلاصة: استخدام جهاز الرذاذ البخاري (النبيوليزر) مُفَطِّر لاحتوائه على مادة دوائية، والكمية الداخلة منها أكثر من المعفو عنه من بقايا المضمضة، ويستمر استنشاق المريض للدواء ما بين 10إلى 15دقيقة.
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (98283) (93821).
ثالثاً:
غاز الأكسجين:
غاز الأكسجين –المادة الطِّبية- عبارة عن أكسجين يضغط بطريقة طبية معينة في اسطوانات ذات أحجام متعددة، وتُعطى على حسب احتياج المريض.
وعادة تكون كمية الأكسجين التي تعطى باللتر، فيُعطَى المريض على حسب احتياجه ما بين لتر إلى عشرة لترات كل دقيقة.
حالة الغاز العلاجية:
غاز الأكسجين -المادة الطِّبية- عبارة عن أكسجين يضغط بطريقة طبية معينة في اسطوانات ذات أحجام متعددة، وتُعطى على حسب احتياج المريض.
وغاز الأكسجين هو الغاز الذي نستنشقه أثناء التنفس ولا تضاف إليه أي مواد أخرى، حتى ما كان محفوظاً في الاسطوانات على شكل سائل فإنّه يتحول إلى غاز بمجرد خروجه من الأسطوانة.
وعادة ما تكون كمية الأكسجين التي تعطى باللتر، فيُعطَى المريض على حسب احتياجه ما بين لتر إلى عشرة لترات كل دقيقة، فكلما كان مرضه أسوأ كلما كانت نسبة احتياجاته للأكسجين أكثر.
وفي بعض الحالات التي يحتاج فيها المريض لكميات كبيرة فإنه يؤدي إلى نوع من النشوفية في الأنف أو في الحلق، وبالتالي حدوث نوع من التجريح، ففي هذه الحالة يُمرر غاز الأكسجين على ماء لترطيب الأكسجين. فيختلط الرذاذ مع الأكسجين ويذهب إلى الممرات والشعب الهوائية، ولا يصل شيء منها للبلعوم أو المعدة.
انظر: "دليل الأسرة الطبي، د. هاني عرموش" (ص:403)
وغاز الأكسجين كما يُعطى للمرضى فإنّه يستخدمه رجال الإطفاء والغواصون ورجال الإنقاذ في بعض الحالات، وفي حالة انخفاض الضغط الجوي في الطائرات، ورجال الشرطة والجيش في بعض المهام.
حكم استخدام غاز الأكسجين أثناء الصوم:
استخدام غاز الاكسجين له حالتان:
الحالة الأولى: أن يعطى غاز الأكسجين للمريض أو من يحتاج إليه من أصحاب المهام المتطلبة استخدامه مجرداً عن الماء- وهي الحالة الغالبة والأكثر استخداماً- ففي هذه الحالة حكمه حكم استنشاق الهواء ولم يقل أحد من المعاصرين إنّه مُفَطِّر، ولا يشكل عليه تخزين الغاز بصورة سائلة، فهذا الإشكال ينفك ببيان أن مادة الأكسجين السائلة تعود لحالتها الغازية بمجرد مفارقتها للأسطوانة.
وهذا ما قرره مجمع الفقه الإسلامي. انظر: قرارا مجمع الفقه الإسلامي حول المفطرات في مجال التداوي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، مرجع سابق، العدد العاشر، ج2، ص 454.
وينظر جواب السؤال رقم (124206)
الحالة الثانية: وهي الحالة التي يُمرر بها غاز الأكسجين على الماء لتجنب حدوث تجريح لطول مدة تناول الأكسجين.
وفي هذه الحالة فإنّ استخدام غاز الأكسجين يؤثر على صحة الصوم ويفسده؛ لأنّ الماء المصاحب لدخول الأكسجين يدخل بقصد، وكميته كبيرة، ويدخل من خلال الأنف وقد جاء النهي عن المبالغة في الاستنشاق للصائم كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم للَقِيطِ بْنِ صَبِرَة رضي الله عنه: (أَسْبِغْ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) رواه أبو داود (142) وصححه الألباني.
والخلاصة: استنشاق غاز الأكسجين مجردا عن الماء لا يفسد الصوم، وأما إن كان مصحوبا برذاذ الماء فإنه يفسد الصوم.
رابعاً:
حكم استخدام جهاز (CPAP) أثناء الصوم
يعاني بعض الناس من مشكلة انقطاع النفس الانسدادي النومي الحاد، وهذا يخلق لهم مشكلات خطيرة إضافة إلى عدم القدرة على النوم، وتعالج هذه المشكلة من خلال جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر (CPAP).
وجهاز (CPAP) من أجهزة التنفس التي تُبقي المسالك الهوائية مفتوحة باستمرار في الأشخاص الذين لديهم مشكلات تنفسية أثناء النوم، ويحتاجون للمساعدة على إبقاء مجرى الهواء مفتوحاً دون عائق، حيث يضخ الجهاز تيارًا مستمرًا من الهواء في مجرى التنفس، من خلال أنبوب أو خرطوم مربوط بقناع في الوجه، كما يستخدم في بعض المشاكل التنفسية الأخرى. وهو مزود بآلات مصممة خصيصًا لتوفير تدفق ضغط مستمر. وتحتوي بعض الأجهزة على ميزات أخرى، مثل ملحق الترطيب المائي، حيث يوجد خزان ماء يتم ملؤه بالماء المقطر.
ويستخدم جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر (CPAP) في الحالات التالية:
انقطاع النفس النومي الانسدادي/ انقطاع النفس النومي المركزي/ انسداد الشعب الهوائية المزمن/ الفشل القلبي/الشخير.
متلازمة مقاومة المجرى التنفسي العلوي/ ضغط المجرى التنفسي الإيجابي المستمر عند الأطفال الخدج.
وقد يُسبب تدفق الهواء من جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر (CPAP) أحيانًا: جفافًا، أو احتقانًا أنفيًا، ويساعد استخدام ملحق الترطيب المائي مع جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر (CPAP) على تخفيف هذه المشاكل، عن طريق ترطيب الهواء.
حكم استخدام جهاز (جهاز ضغط مجرى الهواء (CPAP) أثناء الصوم.
تبين مما سبق أن استخدام (جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر (CPAP) لها حالتان:
- إذا استخدمه مع ملحق الترطيب: والأقرب أنه مفسد للصوم؛ لأنّ الماء المصاحب للهواء يدخل بقصد، وكميته كبيرة -وإن كانت تدخل كأجزاء متطايرة مصحوبة بالهواء- ويدخل من خلال الأنف، وقد جاء النهي عن المبالغة في الاستنشاق للصائم كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم للَقِيطِ بْنِ صَبِرَة رضي الله عنه : (أَسْبِغْ الْوُضُوءَ ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) رواه أبو داود (142) وصححه الألباني.
- إذا استخدمه غير مصحوب بملحق ترطيب، فإنه لا يؤثر على لصحة الصوم؛ لأنّ العمل الأساسي له هو ضخ الهواء الطبيعي الى الأنف، ليتمكن المريض من التنفس الطبيعي أثناء النوم.
فإذا كان المريض بحاجة ماسة لاستخدام هذا الجهاز أثناء النوم في نهار رمضان، فإن استطاع استخدامه من غير ملحق الترطيب المساعد، فلا يجوز له استخدام ملحق الترطيب.
وإن كانت حاجته ماسة لاستخدام الجهاز أثناء النوم في نهار رمضان، مع جهاز الترطيب، لما يحدث له من ضرر يشق عليه تحمله، فيجوز له ذلك، وعليه قضاء ذلك اليوم.
وأما إن كان هذا المرض مزمنا لا يرجى برؤه: فعليه إطعام مسكين عن كل يوم احتاج فيه إلى استخدام الجهاز أثناء النوم في نهار رمضان مصحوبا بالترطيب المائي.
وينظر جواب السؤال رقم (12488).
الخلاصة: إذا تم استخدام جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر (CPAP) في نهار رمضان دون مصحوب بالترطيب المائي فلا يؤثر على صحة الصوم، وإن كان مصحوبا بالترطيب المائي فإنه يؤثر على صحة الصوم.
وينظر للفائدة الفتاوى التالية: (275630) (78459) (2299).
والله أعلم