إذا لم تكن صاحب سلس، وتيقنت خروج هذه القطرات من البول، فإنها تنقض وضوءك سواء كنت في الصلاة أو خارجها، ويعفى عنها في ثيابك على مذهب الحنفية لكونها أقل من الدرهم، وعلى مذهب المالكية لكونها حدثا مستنكِحاً يتكرر.
هل يعفى عن يسير البول لمن يشق عليه التحرز منه؟
السؤال 631479
أنا شاب أبلغ من العمر 21 عاماً، أعاني من احتقان في البروستاتا، يؤدي إلى نزول قطرات بول يقيناً بعد الانتهاء من التبول والاستنجاء، حيث تنزل هذه القطرات بمجرد المشي والحركة، أو أثناء الركوع والسجود في الصلاة، أؤكد أنني لستُ مصاباً بمرض سلس البول؛ لأن البول ينقطع تماماً بعد مدة وجيزة، ولستُ مصاباً بالوسواس القهري، لأن خروج القطرات يقيني وملموس، هذه الحالة تتكرر معي يومياً، وتسبب لي مشقة بالغة في إعادة الوضوء، وتطهير الثياب، وتفتيشها.
فما حكم صلاتي إذا خرجت هذه القطرات رغماً عني أثناء الصلاة أو بعدها؟ وهل يصح لي الأخذ بالرخص الفقهية في العفو عن هذه النجاسة والحدث طالما أنها تلازمني يومياً؟ وتحديداً ما هو حكم هذه القطرات اليسيرة عند الحنفية، من حيث العفو عن قدر الدرهم من النجاسة المغلظة، وعند المالكية في مسألة الاستنكاح دفعاً للمشقة؟ وهل يجب عليّ تفتيش الثياب والشم، أم أعرض عن ذلك شرعاً؟"
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
إذا لم تتيقن خروج هذه القطرات، فالأصل الطهارة، وينبغي أن تعرض عن التفكير فيها والتفتيش والشم ونحو ذلك، بل استحب الفقهاء أن تنضح فرجك أو سروالك بالماء بعد الاستنجاء؛ لدفع الشك.
ومما يستدل به على ترك العمل بالاحتمال، وإن كان ظاهرًا، والبناء على الطهارة الأصلية: ما رواه مسلم (403) عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ [ خوفًا من أن يصيبه شيء من رشاشه ]، وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ .
فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ .
قال النووي: "مَقْصُود حُذَيْفَة أَنَّ هَذَا التَّشْدِيد خِلَاف السُّنَّة؛ فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ قَائِمًا.
وَلَا شَكّ فِي كَوْن الْقَائِم مُعَرَّضًا لِلرَّشِيشِ، وَلَمْ يَلْتَفِت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذَا الِاحْتِمَال، وَلَمْ يَتَكَلَّف الْبَوْل فِي قَارُورَة كَمَا فَعَلَ أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّه عَنْهُ" انتهى من "شرح صحيح مسلم" (3/167).
وقد ذكر الفقهاء أنه يستحب للمرء بعد البول أن ينضح ثوبه وبدنه بقليل من الماء، ليندفع عنه الوسواس بذلك.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (4/ 125): " ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ أَوْ سَرَاوِيلَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ، قَطْعًا لِلْوَسْوَاسِ ، حَتَّى إذَا شَكَّ حَمَلَ الْبَلَلَ عَلَى ذَلِكَ النَّضْحِ ، مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ خِلافَهُ " انتهى.
ثانيا:
إذا تيقنت خروج هذه القطرات، فإن خرجت في الصلاة بطلت الصلاة والوضوء، وإن خرجت القطرات خارج الصلاة لزمك تطهير ما أصابت من البدن والثوب ونقضت الوضوء.
ومذهب جمهور الفقهاء أنه لا يعفى عن يسير البول.
قال ابن المنذر رحمه الله في الأوسط (2/ 138): "دلت الأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم على نجاسة البول، وبه يقول عوام أهل العلم، منهم مالك وأهل المدينة وسفيان، وأهل العراق من أصحاب الرأي وغيرهم، والشافعي وأصحابه، وبه قال كل من حفظنا عنه من أهل العلم.
وقد اختلفوا في البول اليسير مثل رءوس الإبر يصيب الثوب، فقالت طائفة: يجب غسل قليل ذلك وكثيره، وهذا قول مالك فيما حكاه ابن القاسم، قال: قول مالك: يغسل قليل البول وكثيره، وهو قول الشافعي وأبي ثور.
وكان النعمان [أي أبو حنيفة] يقول في الثوب ينتضح على البول مثل رءوس الإبر، قال: ليس هذا بشيء.
وفي كتاب محمد بن الحسن فيمن ينتضح عليه مثل رءوس الإبر، واستيقن أنه بول قال: ليس عليه غسله" انتهى.
وقال ابن قدامة رحمه الله في المغني (2/ 58): "(وإن صلى وفي ثوبه نجاسة، وإن قلت، أعاد) وقد ذكرنا أن الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة، ولا فرق بين كثيرها وقليلها، إلا فيما نذكره بعد، إن شاء الله تعالى.
وممن قال: لا يعفى عن يسير البول، مثل رءوس الإبر: مالك والشافعي وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: يعفى عن يسير جميع النجاسات؛ لأنه يتحرى فيها بالمسح في محل الاستنجاء، ولو لم يعف عنها، لم يكف فيها المسح؛ كالكثير. ولأنه يشق التحرز منه، فعفي عنه؛ كالدم.
ولنا: عموم قوله تعالى وثيابك فطهر [المدثر: 4]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه، ولأنها نجاسة لا تشق إزالتها، فوجبت إزالتها كالكثير، وأما الدم فإنه يشق التحرز منه، فإن الإنسان لا يكاد يخلو من بثرة أو حكة أو دمل، ويخرج من أنفه وفيه وغيرهما، فيشق التحرز من يسيره أكثر من كثيره، ولهذا فرق في الوضوء بين قليله وكثيره" انتهى.
ثالثا:
مذهب الحنفية العفو عن يسير البول، كما تقدم.
وقد قدروا اليسير بما كان في حجم الدرهم البغلي.
قال الكاساني رحمه الله في بدائع الصنائع (1/ 80): "ولأنا أجمعنا على جواز الصلاة بدون الاستنجاء بالماء، ومعلوم أن الاستنجاء بالأحجار لا يستأصل النجاسة، حتى لو جلس في الماء القليل أفسده، فهو دليل ظاهر على أن القليل من النجاسة عفو؛ ولهذا قدرنا بالدرهم على سبيل الكناية عن موضع خروج الحدث، كذا قاله إبراهيم النخعي: إنهم استقبحوا ذكر المقاعد في مجالسهم، فكنوا عنه بالدرهم، تحسينا للعبارة، وأخذا بصالح الأدب.
وأما النجاسة الكثيرة: فتمنع جواز الصلاة. واختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير من النجاسة، قال إبراهيم النخعي: إذا بلغ مقدار الدرهم فهو كثير. وقال الشعبي: لا يمنع، حتى يكون أكثر من قدر الدرهم الكبير.
وهو قول عامة العلماء، وهو الصحيح؛ لما روينا عن عمر - رضي الله عنه - أنه عد مقدار ظفر من النجاسة قليلا، حيث لم يجعله مانعا من جواز الصلاة ...
ولأن أثر النجاسة في موضع الاستنجاء عفو، وذلك يبلغ قدر الدرهم خصوصا في حق المبطون، ولأن في ديننا سعة، وما قلناه أوسع، فكان أليق بالحنيفية السمحة.
ثم لم يذكر في ظاهر الرواية صريحا أن المراد من الدرهم: الكبير، من حيث العرض والمساحة، أو من حيث الوزن، وذكر في النوادر: الدرهم الكبير: ما يكون عرض الكف" انتهى.
وينظر لمعرفة الدرهم البغلي وحجمه: جواب السؤال رقم (243145)
وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية العفو عن يسير سائر النجاسات، ورجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فقال: "وظاهر كلامه [أي صاحب الزاد]: أنه لا يعفى عن يسير شيء مما سواهما، فالقيء مثلا لا يعفى عن يسيره، وكذلك البول، والروث.
وللعلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: أنه لا يعفى عن اليسير مطلقا.
القول الثاني: المذهب على التفصيل السابق.
القول الثالث: أنه يعفى عن يسير سائر النجاسات.
وهذا مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا سيما ما يبتلى به الناس كثيرا كبعر الفأر، وروثه، وما أشبه ذلك، فإن المشقة في مراعاته، والتطهر منه حاصلة، والله تعالى يقول: وما جعل عليكم في الدين من حرج [الحج: 78].
وكذلك أصحاب الحيوانات التي يمارسونها كثيرا، كأهل الحمير مثلا، فهؤلاء يشق عليهم التحرز من كل شيء.
والصحيح: ما ذهب إليه أبو حنيفة، وشيخ الإسلام، لأننا إذا حكمنا بأن هذه نجسة، فإما أن نقول: إنه لا يعفى عن يسيرها كالبول والغائط؛ كما قال بعض العلماء، وإما أن نقول بالعفو عن يسير جميع النجاسات، ومن فرّق فعليه الدليل.
فإن قيل: إن الدليل فعل الصحابة حيث كانوا يصلون بثيابهم، وهي ملوثة بالدم من جراحاتهم.
فنقول: إنه دليل على ما هو أعظم من ذلك؛ وهو طهارة الدم.
ومن يسير النجاسات التي يعفى عنها لمشقة التحرز منه: يسير سلس البول لمن ابتلي به، وتحفظ تحفظا كثيرا قدر استطاعته" انتهى من الشرح الممتع (1/ 446).
رابعا:
أما المالكية، فيعفون عن المستنكِح، أي الملازم كثيرا، ولو حصل في اليوم مرة.
قال الدردير رحمه الله في الشرح الكبير (1/ 71): "(وعفي عما يعسر) الاحتراز عنه من النجاسات، وهذه قاعدة كلية، ولما كان استخراج الجزئيات من الكليات قد يخفى على بعض الأذهان، ذَكَر لها جزئياتٍ للإيضاح، فقال: (كحدثٍ)؛ بولًا أو مذيا أو غيرَهما، (مستنكِح)، بكسر الكاف، أي ملازمٍ كثيرًا، بأن يأتي كلّ يومٍ، ولو مرةً= فيُعفى عما أصاب منه، ويباح دخول المسجد به، ما لم يخش تلطخه، فيمنع" انتهى.
قال الدسوقي في حاشيته عليه: "(قوله: أي ملازم كثيرا) تفسير باللازم؛ لأن المستنكح معناه: القاهر للشخص، ومعلوم أنه لا يكون قاهرا للشخص إلا إذا لازمه كثيرا.
(قوله: فيعفى عما أصاب منه): أي ولا يجب غسله، ولا يسن.
وقوله "فيعفى عما أصاب منه" أي الثوب أو البدن...
وقوله "فيعفى عما أصاب منه"، أي: وأما كونه ينقض الوضوء، أوْ لا: فشيء آخر، له محل يخصه، يأتي في نواقض الوضوء.
وحاصله: أنه إن لازم كل الزمنَ، أو جُلَّه، أو نصفَه: فلا ينقض.
وإن لازم أقل الزمن: نقض، مع العفو عما أصاب منه.
وإنما عفي عما أصاب من الحدث اللازم مطلقا، وفصّل في نقضه الوضوء؛ لأن ما هنا من باب الأخباث، وذاك من باب الأحداث، والأخباث أسهل من الأحداث" انتهى.
فعلى مذهبهم يعفى عن قطرات البول التي تتكرر يوميا، فلا يلزم تطهيرها من الثوب، ولكنها تنقض الوضوء ما لم تصل إلى مرحلة السلس، وذلك: إن لازمت أكثر الزمن، أو نصفه.
وعلى هذا، فإن خرجت منك قطرات البول، انتقض وضوؤك، سواء كنت في الصلاة أو خارجها، ولا يعفى عن ذلك؛ لأنك لست صاحب سلس.
وأما وجود هذه النجاسة في ثيابك، فيعفى عنها في مذهب الحنفية والمالكية، ولا حرج عليك في الأخذ بهذا القول.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟