أولا :
يجب على الأولاد أن يبروا أمهم ويحسنوا إليها ، وألا يقصروا في ذلك ، فإن حق الأم عظيم ، وليعلم الأولاد أنهم مهما فعلوا مع الوالدين من الإحسان والبر ، فلن يستطيعوا أن يؤدوا حقهم ، وهذا ليس كلامنا نحن ، بل كلام الرسول صلى الله عليه وسلم .
فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (لاَ يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدًا إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ) رواه مسلم (1510) .
قال النووي رحمه الله : "أي : لا يكافئه ، بإحسانه ، وقضاء حقه ، إلا أن يعتقه" . "شرح مسلم" (10/153) .
وليعلم الأولاد (هؤلاء وغيرهم) أن عقوبة العقوق هي دخول النار ، والحرمان من دخول الجنة ، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن عاق والديه لن يدخل الجنة . صححه الألباني في "صحيح النسائي" .
ولا عقوبة أشد من هذه العقوبة ، التي تتضاءل أمامها الدنيا كلها ، بحلوها ومرها ، وزينتها ونكدها .
ثانيا :
الأبوان باب من أبواب الجنة مفتوح ، فمن أحسن إليهما دخل الجنة من ذلك الباب ، ومن أساء إليهما أغلق دونه هذا الباب ، لاسيما إذا كبر الوالدان في السن .
روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه . قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة) .
وعن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ البَابَ أَوْ احْفَظْهُ) الترمذي (1900) وصححه الألباني في السلسة الصحيحة (914).
وحق الوالدين ليس في مجرد النفقة والطعام والشراب ، بل أول ذلك أن يتحمل أذاهما ، ولا يؤذيها بأي شيء وإن قل ، ثم بعد ذلك الإحسان إليهم بالإنفاق والخدمة وحسن الكلام ، وحسن المعاملة والتلطف معهما ... إلخ .
فمن العقوق ألا يتحمل الولد بعض أخطاء والدته ، أو سوء معاملتها (على فرض أنها أساءت إليه) .
ومن العقوق : أن يخرجها من مسكنه ، ويضطرها للذهاب إلى دار المسنين ، أو تسكن منفردة ، بل البر أن يسكنها معه ، ويفرح بذلك ، ويحسن إليها ، ويتحمل أذاها ، ولا يغضبها بأي شيء وإن قل ، وليعلم أن هذا خير ساقه الله إليه ، ليدخل به الجنة ، وأن الله اختصه بخدمة أمه دون سائر إخوته لمصلحته ، إن كان يعقل ويفهم ، فيرى ذلك نعمة عظيمة من نعم الله عليه ، ويبذل قصارى جهده في إرضاء والدته حتى يفوز برضى الله تعالى الذي هو غاية كل مؤمن .
ثالثا :
وأما أنت ، ابنتنا الفاضلة ، فنعلم حجم المعاناة والأذى الذي قد يحصل في بعض البيوت بسبب المشاكل التي ذكرتها ، وأن الأسلم للزوجة بلا شك ، والأكثر راحة ، أن تسكن مع زوجها منفردة عن أهله وأهلها .
ولكن كما يقال : للضرورة أحكام ، فإذا ابتليت الزوجة بمثل ما ذكرت ، فنحن نرى أنه ليس أمامها إلا الصبر ، واحتساب الثواب عند الله تعالى ، وتحمل إساءة حماتها ، وألا تعاملها معاملة ندية .
اعتبري أن هذه المرأة هي أمك ، ماذا كنت تفعلين معها ؟
هل كنت تطردينها من البيت ؟ أم كنت سترحبين بها ، وتطلبين من زوجك أن يتحملها ويصبر عليها؟
بل اعتبري أنك أنت مكانها ، ماذا كنت تحبين من أولادك أن يفعلوا معك؟
هل تحبين أن يطردوك من السكن معهم إلى دار المسنين؟
إن البيوت والعلاقات الأسرية لا تبنى على الندية في التعامل ، ولا استقصاء الحقوق ، فكل طرف يريد أن يستقصي حقه كاملا غير منقوص ، بل تبنى على المودة والرحمة والكرم والتسامح والعفو عن الزلات والتغاضي عنها والتحمل والصبر والإحسان .
وبغير ذلك تتفكك الأسر ، وتتقطع الأرحام ، ويضيع كبار السن ، حيث لا يجدون من يقوم بخدمتهم ورعايتهم .
ولذلك نوصيك بأن تحسني إلى حماتك ، وتتغاضي عن أخطائها .
واعلمي أنه لا شيء يغير القلوب من البغض إلى المحبة والمودة مثل الإحسان .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (1/114) :
"أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته ، بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عمَّا هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن ، لأنه لا يقبل رشوة ، ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة، قوله في الأعراف: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين ، فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال: وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون: ادفع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ، وقال تعالى في سورة " حم السجدة " : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " انتهى.
فإذا أحسنت إليها وتغاضيت عن أخطائها ولم تلوميها على ما فعلت ، فإن الله تعالى سيغير ما في قلبها ، ويجعل بينكما مودة ورحمة .
إننا نأسف ونحزن كثيرا مما أصاب كبار السن من عقوق الأولاد وسوء معاملتهم ، وكانوا جديرين بغير ذلك .
فالأم الذي أمضت عشرات السنوات في رعاية أولادها ، إذا بها تفاجأ أنهم يطردونها من بيتهم ، ويلقون بها في غياهب دار المسنين ، وكأنهم ينتظرون موتها .
إن هذه الإساءة البالغة والواقع المرير لن يرفع إلا بعودة حقيقية إلى الإيمان الصادق ، وما يتضمنه من حسن الخلق والإحسان إلى الناس وتحمل أذاهم .
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين ، وأن يردنا إلى ديننا ردًّا جميلا .
والله أعلم .