المخرج الشرعي من الأيمان: هو الكفارة. وقد استُدل بالآية على الحيل الجائزة بضوابطها.
هل الحيلة التي أرشد الله لها نبيه أيوب عليه السلام لكفارة اليمين خاصة به؟
السؤال 632316
المخرج الذي جعله الله لأيوب في حلفه، هل هو خاص به أم باق في هذه الأمة، وهل يمكن أن تكون هذه الواقعة دليلًا مشروعية الحيل؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
لتوضيح سبب قول الله تعالى: (وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ) ص/44
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (7/76):
"وَذَلِكَ أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ غَضِبَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَوَجَدَ عَلَيْهَا فِي أَمْرٍ فَعَلَتْهُ. قِيلَ: إِنَّهَا بَاعَتْ ضَفِيرَتَهَا بِخُبْزٍ فَأَطْعَمَتْهُ إِيَّاهُ فَلَامَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَحَلِفَ إِنْ شَفَاهُ اللَّهُ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةَ جِلْدَةٍ. وَقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ.
فَلَمَّا شَفَاهُ اللَّهُ وَعَافَاهُ مَا كَانَ جَزَاؤُهَا مَعَ هَذِهِ الْخِدْمَةِ التَّامَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالْإِحْسَانِ أَنْ تُقَابَلَ بِالضَّرْبِ فَأَفْتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا -وَهُوَ: الشِّمراخ-فِيهِ مِائَةُ قَضِيبٍ فَيَضْرِبُهَا بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً وَقَدْ بَرّت يَمِينُهُ وَخَرَجَ مِنْ حِنْثِهِ وَوَفَى بِنَذْرِهِ وَهَذَا مِنَ الْفَرَجِ وَالْمَخْرَجِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ بِأَنَّهُ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ أَيْ: رَجَّاع مُنِيبٌ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطَّلَاقِ: 2، 3]" انتهى.
وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في هذه الآية هل هي عامة أو خاصة بأيوب عليه السلام.
قال عطاء رحمه الله: "الضغث للناس عامة" المحلى بالآثار (12/87).
وقال مجاهد رحمه الله: "هي لأيوب خاصة" المحلى بالآثار (12/88).
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (7/76):
"وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى مَسَائِلَ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا وَأَخَذُوهَا بِمُقْتَضَاهَا، وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ كَانَتْ مَشْرُوعَةً فِي شَرْعِ أَيُّوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالْكَفَّارَةِ" انتهى.
جاء في المغني لابن قدامة (9/613):
"(ولو حلف أن يضربه عشرة أسواط، فجمعها، فضربه بها ضربة واحدة، لم يبر في يمينه) وبهذا قال مالك، وأصحاب الرأي. وقال ابن حامد: يبر لأن أحمد قال، في المريض عليه الحد: يضرب بعثكال النخل، ويسقط عنه الحد.
وبهذا قال الشافعي إذا علم أنها مسته كلها، وإن علم أنها لم تمسه كلها، لم يبر. وإن شك، لا يحنث في الحكم؛ لأن الله - تعالى قال: (وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ) ص/44. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في المريض الذي زنى: خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ، فاضربوه بها ضربة واحدة. ولأنه ضربه بعشرة أسواط، فبر في يمينه، كما لو فرق الضرب.
ولنا، أن معنى يمينه أن يضربه عشر ضربات، ولم يضربه إلا ضربة واحدة، فلم يبر، كما لو حلف ليضربنه عشر مرات بسوط، والدليل على هذا أنه لو ضربه عشر ضربات بسوط واحد، يبر في يمينه، بغير خلاف، ولو عاد العدد إلى السوط، لم يبر بالضرب بسوط واحد، كما لو حلف ليضربنه بعشرة أسواط، ..." انتهى.
انظر: حاشية ابن عابدين (3/837)، القوانين الفقهية (ص: 109) الحاوي الكبير (15/286).
والراجح في الأيمان أن الآية كما قال مجاهد رحمه الله: "هي لأيوب خاصة"، وقد نُسخت شريعة أيوب عليه السلام؛ "فقد جعل الله -لمن حلف بهذا- مخرجاً بالكفارة، ويجب عليه أن يكفر عن يمينه، ولا يعص الله بالبر في يمينه هاهنا، ولا يحل له أن يبر فيها، بل بره فيها هو حنثه مع الكفارة، ولا يحل له أن يضربها، لا مفرقاً ولا مجموعاً" إغاثة اللهفان (2/99).
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ رواه البخاري (6248)، ومسلم (1650) واللفظ له.
وينظر: إجابة رقم (555584).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله:
"فإن قيل: فهذا الذي ذكرتموه من الأدلة على بطلان الحيل، معارض بما يدل على جوازها وهو قوله سبحانه: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد ، فقد أذن الله سبحانه لنبيه أيوب عليه السلام أن يتحلل من يمينه بالضرب بالضغث، وقد كان في ظاهر الأمر عليه أن يضرب ضرباتٍ متفرقة، وهذا نوع من الحيلة، فنحن نقيس سائر الباب على هذا؟
قلنا، أولا: ليس هذا مما نحن فيه، فإن الفقهاء في موجَب هذه اليمين في شرعنا، عند الإطلاق، على قولين:
أحدهما: قول من يقول: موجَبُها الضربُ؛ مجموعًا، أو مفرقا. ثم منهم من يشترط مع الجمع: الوصول إلى المضروب.
فعلى هذا: تكون هذه الفتيا موجَبَ هذا اللفظ عند الإطلاق، وليس هذا بحيلة، إنما الحيلة أن يصرف اللفظ عن موجَبه عند الإطلاق.
الثاني: أن موجَبه الضرب المفرق، فإذا كان هذا موجَب شرعِنا، لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف شرعنا؛ لأن شرع من قبلنا إنما يكون شرعا لنا، إذا لم يجئ شرعنا بخلافه.
وقلنا، ثانيا: من تأمل الآية علم أن هذه الفتيا خاصة الحكم؛ فإنها لو كانت عامة في حق كل أحد، لم يَخْفَ على نبي كريم موجَب يمينه، ولم يكن في اقتصاصها علينا كبير عبرة، فإنما يقص ما خرج عن نظائره ليُعتبر به. أما ما كان مقتضى العادة، والقياس: فلا يقص. ولأنه قد قال عقيب هذه الفتيا: إنا وجدناه صابرا [ص: 44]، وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل، كما في نظائره. فعُلم أن الله إنما أفتاه بهذا جزاء له على صبره، تخفيفا عنه ورحمة به؛ لا أن هذا هو موجَب هذه اليمين.
وقلنا، ثالثا: معلوم أن الله سبحانه إنما أفتاه بهذا لئلا يحنث، كما أخبر الله سبحانه، وكما قد نقل أهل التفسير أنه كان قد حلف لئن شفاه الله سبحانه ليضربنها مائة سوط، لما تمثل لها الشيطان وأمرها بنوع من الشرك لم تفطن له، لتأمر به أيوب. وهذا يدل على أن كفارة الأيمان لم تكن مشروعة في تلك الشريعة، بل ليس في اليمين إلا البر أو الحنث، كما هو في النذر نذر التبرر في شريعتنا... وإذا كان كذلك فصار كأنه قد نذر ضربها، وهو نذر لا يجب الوفاء به لما فيه من الضرر عليها. ولا يغبن عنه كفارة يمين؛ لأن تكفير النذر فرع تكفير اليمين، فإذا لم يكن هذا مشروعا فذاك أولى ...". ثم ذكر الشيخ كلاما مطولا في تقرير هذا الوجه. انظر: "بيان الدليل على بطلان التحليل" (308-312)، وأيضا: "إعلام الموقعين" (4/119-124).
ثانيًا:
بعض أهل العلم يرون أن الآية عامة، كما سبق، ويستدلون بها على جواز الحيل بضوابطها عندهم.
"والحيل: جمع حيلة، وهي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي" الفتح (12/326).
في المبسوط للسرخسي رحمه الله (30/209): "إن الحيل في الأحكام المخرجة عن الإمام جائزة عند جمهور العلماء، والدليل على جوازه من الكتاب - قوله تعالى - (وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ) ص/44، وقال تعالى : (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ) يوسف/ 70 إلى قوله (ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ) يوسف/76، وذلك منه حيلة، وكان هذا حيلة لإمساك أخيه عنده حينئذ ليوقف إخوته على مقصوده" انتهى.
وفي فتح الباري لابن حجر (12/326): قال صاحب المحيط: أصل الحيل قوله تعالى: (وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا) الآية، وضابطها: إن كانت للفرار من الحرام والتباعد من الإثم فحسن، وإن كانت لإبطال حق مسلم فلا بل هي إثم وعدوان انتهى.
وفي تفسير العثيمين رحمه الله -سورة ص/196: جواز استعمال الحِيل المباحة لقوله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ)، وهذا الحكم ثابت حتَّى في الشريعة الإسلامية، فلو حلف رجلٌ على أن يضربَ شخصاً مئة مرَّة، وكان هذا الشخص لا يتحمل الضرب مئة مرَّة، قال أهل العلم: فله أن يأخذ ضغثاً به مئة شمراخ؛ ويضرب به ضربة واحدة، وبنوا على هذا ما لو زنى رجلٌ مريض مرضاً لا يُرجى زواله، ولا يتحمل الضرب مئة على انفراد، قالوا: فإنَّه يُجمع له ضغث به مئة عود، ويُضرب به ضربةً واحدةً، أخذاً بما أفتى الله عزَّ وجل به أيوب عليه الصَّلاة والسلام. انتهى.
وفي فتح الباري لابن حجر رحمه الله (12/326): "والحيل عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها؛ فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة" انتهى.
ثالثا:
ضوابط الحيل الجائزة:
أولًا: "ألا تهدم أصلًا شرعيًا، ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها" فحينئذ تكون "غير داخلة في النهي" قاله الشاطبي رحمه الله في "الموافقات" (3/124).
ثانيًا: أن يكون الناظر في مصلحة الحيل عالمًا مجتهدًا.
قال القرافي رحمه الله في "نفائس الأصول في شرح المحصول" (9/4092):
"فإن مالكًا يشترط في المصلحة: أهلية الاجتهاد؛ ليكون الناظر متكيفًا بأخلاق الشريعة، فينبو عقله وطبعه عما يخالفها، بخلاف العالم بالسياسات إذا كان جاهلاً بالأصول، فيكون بعيد الطبع عن أخلاق الشريعة، فيهجم على مخالفة أخلاق الشريعة من غير شعور" انتهى.
ثالثًا: ألا تتضمن إسقاط حق، أو تحريم حلال، أو تحليل حرام.
قال ابن القيم رحمه الله : "وهكذا الحيلة في جميع هذا الباب، وهي حيلة جائزة؛ فإنها لا تتضمن إسقاط حق، ولا تحريم حلال، ولا تحليل حرام" انتهى من إعلام الموقعين (5/419).
وانظر: أقسام الحيل، واختلاف الفقهاء في: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/108)، إعلام الموقعين (5/302)، الموسوعة الكويتية (36/241)، الحيل والمخارج الشرعية لمرضي العنزي.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟