صاحب الحدث الدائم هل يلزمه الاستنجاء لكل صلاة؟

السؤال 637029

مريض سلس البول، هل يجب عليه الاستنجاء والوضوء بعد دخول الوقت، أم يكفى الاستنجاء مرة واحدة، وشد العصبة، و الوضوء عند كل صلاة؛ لأن الاستنجاء لكل صلاة فيه مشقة؟

ملخص الجواب

صاحب الحدث الدائم كسلس البول لا يلزمه الاستنجاء وتجديد الخرقة لكل وقت، إذا لم يفرط في الشد والتحفظ، ولا يلزمه الوضوء لوقت كل صلاة على الأرجح.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

يلزم صاحب سلس البول أن يستنجي، ويتحفظ بخرقة أو منديل يمنع انتشار البول.

فإذا دخل وقت الصلاة الأخرى: فهل يلزمه الاستنجاء وتجديد الخرقة ونحوها؟

في ذلك خلاف بين الفقهاء:

1-فمنهم من أوجب تجديد الغَسل والعصب، وإليه ذهب الشافعية.

قال في مغني المحتاج (1/ 283): " (وكذا) يجب لكل فرض (تجديد العصابة)، وما يتعلق بها من غَسل وحشو، (في الأصح)؛ قياسا على تجديد الوضوء.

والثاني: لا يجب تجديدها؛ لأنه لا معنى للأمر بإزالة النجاسة مع استمرارها.

ومحل الخلاف: إذا لم يظهر الدم على جوانب العصابة، ولم تزُل العصابة عن موضعها زوالا له وقْعٌ. وإلا؛ وجب التجديد بلا خلاف؛ لأن النجاسة قد كثرت مع إمكان تقليلها" انتهى.

2-ومنهم من قال: لا يلزمه تجديد الغسل والعصب، إذا لم يفرط في الشد والتحفظ، وإليه ذهب الحنابلة.

قال في "شرح منتهى الإرادات" (1/120) : "يلزم كلَّ من دام حدثُه- مِن مستحاضة، ومَن به سلس بول، أو مذي، أو ريح، أو جرح لا يرقأ دمه، أو رعاف-: (غسلُ المحل) الملوَّث بالحدث، لإزالته عنه، (وتعصيبُه)؛ أي فعل ما يمنع الخارج حسب الإمكان: من حشو بقطن، وشده بخرقة طاهرة، وتستثفر المستحاضة إن كثر دمها بخرقة مشقوقة الطرفين، تشدها على جنبيها ووسطها على الفرج، لأن في حديث [أم سلمة]: تستثفر بثوب، وقال لحمنة، حين شكت إليه كثرة الدم: أنعت لك الكرسف، يعني القطن "؛ تحشي به المكان. قالت: إنه أكثر من ذلك. قال: تلجمي". فإن لم يمكن شده، كباسور وناصور وجرح لا يمكن شده، صلي على حسب حاله.

و(لا) يلزمه (إعادتهما)، أي الغسل والعصب (لكل صلاة، إن لم يفرط)؛ لأن الحدث مع غلبته وقوته: لا يمكن التحرز منه انتهى.

3-ومنهم من لم يوجب الاستنجاء والعصب أصلا، وإليه ذهب المالكية.

قال الحطاب المالكي رحمه الله: "واستحب في المدونة أن يدرأ ذلك بخرقة .

قال سند: ولا يجب؛ لأنه يصلي بالخرقة وفيها النجاسة، كما يصلي بثوبه.

قال سند: هل يستحب تبديل الخرقة ؟ قال الإبياني: يستحب له ذلك عند الصلاة، ويغسلها. وعلى قول سحنون: لا يستحب ، وغسل الفرج أهون عليه من ذلك " انتهى من "مواهب الجليل" (1/143) .

وقول الحنابلة هو الأقرب، فإذا تحفظ بما يمنع انتشار البول، ولم يفرط في هذا التحفظ: فلا يلزمه إعادة الغسل ولا تجديد الخرقة.

ثانيا:

المصاب بسلس البول: هل يلزمه الوضوء لكل صلاة؟

في ذلك خلاف أيضا، على أقوال:

1-ذهب الجمهور إلى أنه يلزمه الوضوء لوقت كل صلاة، لكن قيده الحنابلة بما إذا تحقق أنه خرج منه شيء، فإن لم يخرج شيء لم يلزمه الوضوء.

قال في شرح منتهى الإرادات (1/ 120): " (ويتوضأ) مَنْ حدث دائم، (لوقت كل صلاة، إن خرج شيء) ... فإن لم يخرج شيء لم يبطل" انتهى.

وينظر: الموسوعة الفقهية (25/ 188).

2-وذهب المالكية وجماعة من السلف إلى أنه لا يجب عليه الوضوء لوقت كل صلاة، بل يستحب، وإنما يلزمه الوضوء إذا اتنتقض بشيء آخر، كخروج الريح.

قال ابن عبدِ البر رحمه الله: "وممَّن قال بأنَّ الوضوءَ على المستحاضةِ غيرُ واجب: ربيعةُ، وعِكرمة، وأيوب، وطائفةٌ" انتهى من التمهيد (16/ 99).

وقال الدرير في الشرح الكبير (1/ 117): " (وندب) الوضوء (إن لازم) السلس (أكثر) الزمن، وأولى نصفه، لا إن عمه [أي فلا يندب].

ومحل الندب في ملازمة الأكثر: إن لم يشق، (لا إن شق) الوضوء ببرد ونحوه، فلا يندب" انتهى.

وهذا القول وهو عدم وجوب الوضوء رجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

قال رحمه الله: "إن بعض العلماء قال: سلس البول لا ينقض الوضوء أيضاً، إذا تطهر الإنسان أول مرة فإنه لا ينتقض وضوؤه ما لم يحدث بحدث آخر، وعلل ذلك بأنه لا يستفيد من الوضوء، إذ أن الحدث دائم فلا فائدة من الوضوء.

نعم لو انتقض وضوؤه من ريح مثلاً، وفيه سلس بول: فهنا يجب أن يتوضأ.

وهذا القول ليس ببعيد من الصواب، وكنت بالأول أرى أنه ينقض الوضوء، وأنه لا يجوز أن يتوضأ الإنسان للصلاة إلا بعد دخول وقتها. لكن بعد أن راجعت كلام العلماء واختلافهم، وقوة تعليل من علل بأن هذا الوضوء لا فائدة منه، إذ إن الحدث دائم، تراجعت عن قولي الأول.

وهذا القول أرفق بالناس بلا شك، ولا سيما بالنسبة للنساء اللاتي يخرج منهن هذا السائل الدائم، ولا سيما في أيام الحج والعمرة، عندما تذهب المرأة مثلاً إلى المسجد من بعد المغرب لتصلي صلاة العشاء، إذا قلنا بانتقاض الوضوء، يعني لابد أن تبتدئ الوضوء بعد دخول الوقت، فصار في هذا مشقة عظيمة، لا سيما في أيام الزحام، شيء فيه مشقة على المسلمين، والدليل فيه ليس بواضح، وقد قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة:185]، وقال: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] .

والظاهر أيضاً أن الذي يصيب النساء، هو الذي يصيب النساء السابقات، ولم يبلغ أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر النساء أن تتوضأ لوقت كل صلاة، غاية ما هنالك المستحاضة، على خلاف في هذا؛ فإن مسلماً رحمه الله أشار إلى أن قوله: (توضئي لكل صلاة) لم يصح، ولذلك حذفها عمداً من حديثه انتهى من لقاء الباب المفتوح (214/ 10).

ولو توضأ صاحب السلس بعد دخول الوقت فهو أحوط، إلا أن يشق عليه ذلك، فلا حرج عليه أن يأخذ بقول المالكية ومن وافقهم.

والله أعلم

المراجع

الطهارة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android