أهل الجنة يدخلونها في أكمل صورة وأجمل هيئة، ومن ذلك ما ورد في الأحاديث الصحيحة أنهم "بيض"، والمراد بذلك كمال الجمال والنور والضياء الذي يعلو وجوههم وأجسادهم، وهو بياض في غاية الحسن والبهاء.
لماذا يكون لون بشرة أهل الجنة البياض؟
السؤال 637189
هل ثبت ما يدل على أن أهل الجنة يدخلونها بيض الوجوه أو بيض البشرة؟ وهل المقصود بالبياض في الجنة لون البشرة حقيقة، أم هو النور والإشراق؟ وكيف نفهم قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: 106]؟
ألا يعد هذا من تفضيل ذي بشرة معينة على غيرهم؟
ملخص الجواب
موضوعات ذات صلة
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إنَّ الجنة هي دار النعيم المقيم، وقد أعد الله لأهلها من الجمال والحسن ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ومن تمام هذا النعيم أن يغير الله صور أهل الجنة إلى أحسن صورة وأكمل هيئة، ولبيان مسألة ألوان البشرة في الجنة وتحرير معنى البياض الوارد في النصوص، نوضح ما يلي:
أولاً: صفة أهل الجنة عند دخولها
ورد حديث صحيح يصف هيئة أهل الجنة عند دخولهم إليها، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا، مُرْدًا، بِيضًا، جِعَادًا، مُكَحَّلِينَ، أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ" رواه أحمد في "مسنده" (7933)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (34006)، والحديث وإن كان في بعض طرقه مقال، إلا أن له شواهد تقويه، وقد صححه أبو حاتم في "العلل" (5/503) وكذلك صححه الشيخ الألباني رحمه الله بمجموع طرقه في "السلسلة الصحيحة" (6/1224). وللوقوف على طرق الحديث ورواياته راجع إجابة السؤال رقم (328250).
فقوله صلى الله عليه وسلم: "بِيضًا" نص صريح في أن لون بشرة أهل الجنة هو البياض.
وهذا البياض ليس كبياض الدنيا الذي قد يشوبه شحوب أو مرض، بل هو بياض مشرب بحمرة، وهو غاية ما يوصف به الجمال عند العرب. وهذا اللون يتناسب مع جمال أهل الجنة ونعيمهم. وهو صفة جمالية محضة، يمنحها الله عز وجل لأهل الجنة إكراماً لهم، ليكونوا في أبهى حلة وأجمل صورة.
قال ابن القيم في "الكافية الشافية - ط عطاءات العلم" (3/ 937):
"أَلْوَانُهُمْ بِيضٌ وَلَيْسَ لَهُمْ لِحىً … جُعْدُ الشُّعورِ مُكَحَّلُو الأجْفَانِ
هَذا كَمالُ الحُسْنِ في أبْشَارِهِم … وَشُعُورِهِمْ وكَذَلِكَ العَيْنَانِ". انتهى.
قال الشيخ محمد خليل الهراس في شرح القصيدة النونية (2/350): "يعني: أن أهل الجنة يدخلونها بيضاً جرداً ليس لهم لحى، جعد الشعور، في شعورهم تكسر وليست سبطة، مكحلي الأجفان، وهذا من تمام الحسن في هذه الأشياء الثلاثة، فتمام الحسن في اللون أن يكون أبيض صافياً، وتمامه في الشعر أن يكون جعداً، وتمامه في العينين أن تكونا مكحلتين". انتهى.
ولكن، حتى هذا البياض في الجنة ليس بياضاً جامداً، بل هو بياض يشع نوراً وضياءً، ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً". رواه البخاري (3246)، ومسلم (2834).
وفي رواية لمسلم (2834) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ".
قال العراقي في "طرح التثريب في شرح التقريب" (8/ 268): "ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ [أَيْ] إنَّ دَرَجَاتِهِمْ فِي إشْرَاقِ اللَّوْنِ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ عُلُوِّ دَرَجَاتِهِمْ وَتَفَاوُتِ فَضْلِهِمْ". انتهى.
وفي "منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري" (4/162): "معنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم يصف لنا أهل الجنة جميعًا بالحسن، والجمال، وأنهم يتفاوتون في ذلك حسب درجاتهم، وأعمالهم، فأول طائفة تدخل الجنة كالقمر ليلة الرابعٍ عشر حين تكمل استدارته، ويتم نوره، فيكون أكثر إشراقًا، وأعظم حسنًا، وبهاءً، وفي رواية: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر ـ أما الطائفة الثانية: فإنها تشبه في صورتها أقوى الكواكب نورًا، وضياءً". انتهى.
فأهل الجنة يجمع الله لهم بين جمال اللون (البياض) وجمال النور (الإشراق)، فبشرتهم بيضاء حسنة، ووجوههم مشرقة بنور النعيم.
ثانياً:
تحرير معنى قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: 106-107].
هذه الآية الكريمة تتحدث عن حال الناس في عرصات القيامة، والتحقيق عند المفسرين أن البياض والسواد المذكورين هنا ليسا مجرد ألوان بشرة، بل هما "نور" و"ظلمة".
1. بياض الوجوه: هو إشراقها بنور الإيمان، وظهور أثر الفرح والسرور والرضا عليها. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (2/ 394): "يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ يعني: يوم القيامة، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسوّد وجوه أهل البدعة والفرقة قاله ابن عباس رضي الله عنهما". انتهى.
2. سواد الوجوه: هو كآبتها وظلمتها وما يعلوها من الغبرة والقترة بسبب الكفر والمعصية، كما قال تعالى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ [عبس: 40-41].
قال الإمام البغوي رحمه الله في "تفسيره" (2/87): "قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: ابْيِضَاضُ الْوُجُوهِ: إِشْرَاقُهَا واستبشَارُها وسُرورها بعلِمها وَبِثَوَابِ اللَّهِ، وَاسْوِدَادُهَا: حُزْنُهَا وَكَآبَتُهَا وَكُسُوفُهَا بِعَمَلِهَا وَبِعَذَابِ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ يونس/26، وَقَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وترهقُهم ذلة يونس/27، وَقَالَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ القيامة/ 22 -24، وَقَالَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ عبس/ 38 -40 ". انتهى.
وقال العلامة السعدي رحمه الله في "تفسيره" (ص 142):
" يوم تبيض وجوه وهي وجوه أهل السعادة والخير، أهل الائتلاف والاعتصام بحبل الله وتسود وجوه وهي وجوه أهل الشقاوة والشر، أهل الفرقة والاختلاف، هؤلاء اسودت وجوههم بما في قلوبهم من الخزي والهوان والذلة والفضيحة، وأولئك ابيضت وجوههم، لما في قلوبهم من البهجة والسرور والنعيم والحبور الذي ظهرت آثاره على وجوههم كما قال تعالى: ولقاهم نضرة وسرورا نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم، وقال تعالى: والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون". انتهى.
ثالثاً:
إن الله عز وجل يخلق أهل الجنة في أكمل صورة، والبياض المشرب بالحمرة هو أكمل ألوان البشرة وأجملها في عرف البشر، ولذلك اختاره الله لأهل كرامته.
وهذا لا يعني نقصاً فيمن كان أسود البشرة في الدنيا، بل هو من تمام النعيم أن يغير الله حال العبد إلى ما هو أجمل وأكمل.
قال ابن عطية في " المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" (1/ 487): "بدىء بذكر البياض لشرفه، وأنه الحالة المثلى". انتهى.
وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (4/ 44): "البياض، هو شعار أهل النعيم". انتهى.
وقال الزمخشري في "الكشاف" (1/ 399): "والبياض من النور، والسواد من الظلمة، فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه، وابيضت صحيفته وأشرقت، وسعى النور بين يديه وبيمينه. ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده، واسودّت صحيفته وأظلمت، وأحاطت به الظلمة من كل جانب". انتهى.
وعليه:
فإننا ننصح السائل الكريم بأن لا يشغل باله كثيراً بتفاصيل الألوان في الدنيا، فالعبرة بالإيمان والتقوى قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات/13. وأن الجمال الحقيقي هو جمال الآخرة الذي لا يزول. فاجتهد في العمل الصالح الذي يبيض وجهك بنور الإيمان في الدنيا والآخرة، واستبشر بفضل الله الذي وعد المؤمنين بنعيم لا ينفد.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟