يجوز للرجل المحرم تغطية وجهه، على القول الراجح، وهو المنقول عن الجمهور. وبناء على ذلك: فلا حرج في لبس المحرم للكمامة.
هل يجوز للرجل المحرم لبس الكمامة؟
السؤال 639363
أديتُ العمرة عن عمي المتوفى منذ عام تقريبًا، وأثناء الطواف، تذكرتُ أنني لا أزال أرتدي الكمامة فخلعتها، ثم أكملتُ بقية مناسك العمرة. فهل تلزمني كفارة؟ وإن كانت تلزمني، فما هي؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
اختلف العلماء المعاصرون في حكم لبس الرجل الكمامة حال الإحرام بناء على اختلافهم في حكم تغطية الوجه للرجل حال الإحرام.
وأما المرأة فقد سبق بيان حكمها في الموقع ، وأنه ممنوع لكونه يُعد كالنقاب، فيرجع إليه (315882).
ثانياً:
اختلف الفقهاء في حكم تغطية الوجه للمحرم: فالمنقول عن جمهور السلف: جواز تغطية الرجل وجهه حال الإحرام، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وعُزي إلى الجمهور.
وذهب آخرون إلى عدم إلى عدم جواز تغطية المحرم وجهه. رُوي ذلك عن ابن عمر، وهو مذهب الأحناف، والمالكية.
ينظر: بحث "حكم لبس الكمامة للمحرم"، د. ليلى الشهري، مجلة كلية الشريعة والقانون، طنطا، (ع34/435-436).
وأصل الخلاف في المسألة يعود إلى تصحيح وتضعيف الزيادة في رواية (لا تخمروا رأسه ولا وجهه) كما سيأتي.
قال ابن قدامة رحمه الله:
"وفى تغطية المحرم وجهه روايتان: إحداهما، يباح. روى ذلك عن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وسعد بن أبى وقاص، وجابر، والقاسم، وطاوس، والثورى، والشافعى.
والثانية، لا يباح. وهو مذهب أبى حنيفة، ومالك؛ لما روى عن ابن عباس، أن رجلا وقع عن راحلته، فوقصته، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه فى ثوبيه، ولا تخمروا وجهه ولا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة يلبى". ولأنه محرم على المرأة، فحرم على الرجل، كالطيب.
ولنا: ما ذكرنا من قول الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم، فيكون إجماعا.
ولقوله عليه السلام: (إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها).
وحديث ابن عباس المشهور فيه: "ولا تخمروا رأسه" هذا المتفق عليه.
وقوله: "ولا تخمروا وجهه": فقال شعبة: حدثنيه أبو بشر، ثم سألته عنه بعد عشر سنين، فجاء بالحديث كما كان يحدث، إلا أنه قال: "ولا تخمروا وجهه ورأسه".
وهذا يدل على أنه ضعَّف هذه الزيادة.
وقد روي في بعض ألفاظه: "خمروا وجهه، ولا تخمروا رأسه"، فتتعارض الروايتان" "المغني" لابن قدامة (5/ 153 ت التركي):
وقال النووي رحمه الله:
مذهبنا: أنه يجوز للرجل المحرم ستر وجهه، ولا فدية عليه. وبه قال جمهور العلماء.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز؛ كرأسه.
واحتُج لهما بحديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره: (ولا تخمروا وجهه ولا رأسه) رواه مسلم.
وعن ابن عمر أنه كان يقول: (ما فوق الذقن من الرأس، فلا يخمره المحرم) رواه مالك والبيهقي وهو صحيح عنه.
واحتج أصحابنا برواية الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه (أن عثمان بن عفان وزيد ابن ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم). وهذا إسناد صحيح، وكذلك رواه البيهقي. ولكن القاسم لم يدرك عثمان، وأدرك مروان، واختلفوا في إمكان إدراكه زيدا.
وروى مالك والبيهقي بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال:("رأيت عثمان بالعرج وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان".
والجواب عن حديث ابن عباس: أنه إنما نهى عن تغطية وجهه لصيانة رأسه، لا لقصد كشف وجهه، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه.
ولا بد من تأويله، لأن مالكا وأبا حنيفة يقولان: لا يمتنع من ستر رأس الميت ووجهه، والشافعي وموافقوه يقولون: يباح ستر الوجه دون الرأس؛ فتعين تأويل الحديث.
وأما قول ابن عمر فمعارض بفعل عثمان وموافقيه. والله أعلم." انتهى من "المجموع شرح المهذب" (7/ 268 ط المنيرية).
وعليه؛ فإن لبس الكمامة لا بأس عند الجمهور أهل العلم لضعف زيادة الوجه في رواية: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه)، ولعمل الصحابة كما سبق بيانه.
قال البيهقي رحمه الله في شرحه لحديث (اغسلوه وكفنوه، ولا تغطوا رأسه، ولا تقربوه طيبا؛ فإنه يبعث يهل):
رواه البخاري في الصحيح عن قتيبة، وهذا هو الصحيح: منصور عن الحكم عن سعيد، وفي متنه " ولا تغطوا رأسه ". ورواية الجماعة في الرأس وحده، وذكر الوجه فيه غريب، ورواه أبو الزبير عن سعيد بن جبير، فذكر الوجه على شك منه في متنه، ورواية الجماعة الذين لم يشكوا، وساقوا المتن أحسنَ سياقةٍ: أولى بأن تكون محفوظة" انتهى من "السنن الكبرى - البيهقي" (3/ 551 ط العلمية).
وقال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله:
"ذِكْرُ الْوَجْهِ تَصْحِيفٌ مِنَ الرُّوَاةِ، لِإِجْمَاعِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ" انتهى من "معرفة علوم الحديث للحاكم" (ص148).
وسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم لبس الكمامة؟
فأجاب: "الكمامة للمحرم للحاجة لا بأس بها، مثل أن يكون في الإنسان حساسية في أنفه فيحتاج للكمامة، أو يمر بدخان كثيف فيحتاج للكمامة، أو يمر برائحة كريهة فيحتاج للكمامة فلا بأس. أما مجرد رفاهية فإن التحرز هذا يضر البدن ويفقده المناعة بحيث يكون أدنى شيء يؤذيه، فإياك أن تتوهم فإن المرض إلى المتوهم أقرب من السيل إلى منتهاه" انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (22/ 130):
ولم يوجب الشيخ عليه فدية مما يدل على أن الأمر عنده يسير.
وعليه؛ فإن لبسك للكمامة لا شيء فيه، ولو كنت متعمدا، على قول جمهور أهل العلم.
ثالثاً:
القائلون بالمنع من لبس الكمامة: يرون أن من احتاج إلى لبسها، فإنه يلبسها، وعليه فدية الأذى.
وفدية الأذى على التخيير: ذبح شاة ، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع ، أو صيام ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى : ( وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) البقرة/196 .
ولحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، لما احتاج أن يحلق رأسه وهو محرم ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ نَسِيكَةً) البخاري (4190).
وإن كنت تعتقد أن المحرم لا يغطي وجهه، لكنك فعلت ذلك نسياناً -كما هو ظاهر من سؤالك- فلا شيء عليك.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "فاعل المحظورات ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يفعلها لحاجته إليها، فهذا ليس عليه إثم ولكن عليه الفدية، أو الكفارة.
القسم الثاني: أن يفعلها ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً، فهذا ليس عليه شيء، لا إثم ولا فدية، ولكن متى زال عذره وجب عليه التخلي. فإذا كان ناسياً فإنه متى ذكر يجب عليه أن يتخلى عن المحظور، وإذا كان جاهلاً فمتى علم وجب عليه أن يتخلى عن المحظور.
القسم الثالث: أن يفعلها لا لحاجة ولا لعذر، من جهل أو نسيان أو إكراه: فهذا آثم، وعليه الفدية فيما تجب فيه الفدية" انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (56/ 8 بترقيم الشاملة).
ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (315882) (106560) (11356).
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟