من عجز عن خصال الكفارة كلها حتى الصوم: بقيت الكفارة في ذمته ولم تسقط، وهو مذهب الحنفية والحنابلة والأظهر عند الشافعية.
هل تسقط كفارة اليمين بالعجز عن خصالها؟
السؤال 639827
لي صديق حلف على المصحف عن معصية أنه لن يكررها، ولم يستطع، وكررها، وليس بإستطاعته لا إطعام 10 مساكين، أو كسوتهم، ولا تحرير رقبة، ولا صيام ثلاثة أيام، أي أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا من الكفارة، ماذا يفعل؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
من حلف على ترك معصية، ففعلها، فعليه كفارة يمين.
وكفارة اليمين بينها الله تعالى بقوله: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة/89.
ويجزئ في الإطعام مُدٌّ من أرز ونحوه، عند الجمهور، ومقداره 750 جراما تقريبا، وفرق الحنابلة بين البر (القمح) وغيره، فيجزئ في البر مدّ، وأما غير البر-كالأرز- فلابد من نصف صاع، وهو كيلو نصف تقريبا.
وينظر: المغني (9/ 45)، الموسوعة الفقهية (35/ 101).
ويجزئ إعطاء كل مسكين وجبة غداء أو عشاء.
قال البخاري في صحيحه: " وَأَمَّا الشَّيْخُ الكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيَامَ، فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ، عَامًا أَوْ عَامَيْنِ، كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، خُبْزًا وَلَحْمًا، وَأَفْطَرَ".
ثانيا:
من لم يجد قدر الإطعام زائدا عن قوته وقوت عياله، يومه وليلته: انتقل إلى الصوم.
قال ابن قدامة رحمه الله في المغني (9/ 558): " (ويكفر بالصوم من لم يفضل عن قوته وقوت عياله، يومَه وليلَته، مقدارُ ما يكفر به).
وجملة ذلك: أن كفارة اليمين تجمع تخييرا، وترتيبا، فيتخير بين الخصال الثلاث، فإن لم يجدها انتقل إلى صيام ثلاثة أيام، ويعتبر أن لا يجد =فاضلا عن قوته وقوت عياله، يومَه وليلَته= قدرًا يكفر به. وهذا قول إسحاق. ونحوه قال أبو عبيد، وابن المنذر ...
ووجه ذلك، أن الله تعالى اشترط للصيام أن لا يجد، بقوله تعالى: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام [المائدة: 89]، ومن وجد ما يكفر به فاضلا عن قوته وقوت عياله، فهو واجد، فيلزمه التكفير بالمال لظاهر الآية، ولأنه حق لا يزيد بزيادة المال، فاعتبر فيه الفاضل عن قوته وقوت عياله، يومه وليلته، كصدقة الفطر" انتهى.
ثالثا:
لا يكون الإنسان عاجزا عن الصيام إلا إذا كان كبيرا يشق عليه الصوم مشقة شديدة، أو كان مريضا مرضا لا يرجى برؤه ويشق عليه الصوم أو يزيد في مرضه.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في الصيام في كفارة القتل:
"وإن كان من وجب عليه كبيراً: فإن الصيام يسقط عنه، ولا يجب عليه الإطعام لأن الله لم يوجبه في حالة عدم استطاعته الصيام، ولما كان الإطعام واجباً في كفارة الظهار ذكره الله تعالى: فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا؛ فالسكوت عنه في كفارة القتل الخطأ دليل على عدم وجوبه.
وإذا كان مريضاً فله ثلاث حالات:
الأولى: لا يرجى برؤه؛ ففي هذه الحالة كالكبير فيما سبق.
الثانية: أن يكون الصيام سبباً في زيادة المرض وبطء برئه، ففي هذه الحالة لا يسقط عنه الصيام، بل يكون حكمه حكم الضعيف فيما سبق.
الثالثة: أن يكون الصيام لا يؤثر على المريض، ففي هذه الحالة يجب عليه الصيام لقول تعالى: فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
الثالث: إذا كان قادراً على الصيام في غير الوقت الذي وجب عليه فيه، فهل يجوز له تأخيره إلى وقت الشتاء؟
والجواب: إذا كان لا يستطيعه في وقت، ويستطيعه في وقت آخر: فلا مانع من تأخيره إلى وقت الاستطاعة؛ لعموم قوله تعالى: لا يكلف نفساً إلا وسعها. وقوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج" انتهى من فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (11/ 352).
رابعا:
إذا عجز عن خصال الكفارة من الإطعام والكسوة والصوم، فهل تسقط عنه؟
ذهب الحنفية والحنابلة والشافعية في الأظهر إلى أنها لا تسقط عنه، بل تبقى في ذمته.
قال الكاساني في بدائع الصنائع (5/ 112): "ولو وجب عليه كفارة يمين فلم يجد ما يعتق، ولا ما يكسو، ولا ما يطعم عشرة مساكين، وهو شيخ كبير لا يقدر على الصوم، فأراد أن يطعم ستة مساكين عن صيام ثلاثة أيام، لم يجز إلا أن يطعم عشرة مساكين؛ لأن الصوم بدل والبدل لا يكون له بدل، فإذا عجز عن البدل تأخر وجوب الأصل، وهو أحد الأشياء الثلاثة، إلى وقت القدرة، وإن كان عليه كفارة القتل أو الظهار أو الإفطار، ولم يجد ما يعتق، وهو شيخ كبير لا يقدر على الصوم، ولا يجد ما يطعم في كفارة الظهار والإفطار، يتأخر الوجوب إلى أن يقدر على الإعتاق في كفارة القتل، وعلى الإعتاق أو الإطعام في كفارة الظهار والإفطار؛ لأن إيجاب الفعل على العاجز محال. والله أعلم" انتهى.
وقال البهوتي رحمه الله في كشاف القناع في كفارة الوطء في رمضان (2/ 327): " (فإن لم يجد) ما يطعمه للمساكين حال الوطء؛ لأنه وقت الوجوب= (سقطت عنه، كصدقة فطر)، وكفارة الوطء في الحيض؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأعرابي بها أخيرا ولم يذكر له بقاءها في ذمته.
(بخلاف كفارة حج، وظهار، ويمين ونحوها)، ككفارة قتل؛ لعموم الأدلة؛ ولأن القياس خولف في رمضان للنص... " انتهى.
وقال الزركشي في المنثور في القواعد (2/ 60): "(الثالث): ما يجب، لكن لا على جهة البدل، ككفارة الجماع واليمين والقتل والظهار، ففيها قولان أظهرهما: تثبت في الذمة عند العجز" انتهى.
وعلى هذا:
1-فمتى قدر أخرج الكفارة.
2-وإن أخرجها أحد عنه بإذنه أجزأه ذلك.
قال في شرح منتهى الإرادات (1/ 487): "(ويسقط الجميع) أي: كفارة وطء نهار رمضان وحج وظهار ويمين وقتل (بتكفير غيره) بعتق أو إطعام (عنه بإذنه) لقيامه مقامه، كإخراج زكاته عنه بإذنه. فإن لم يأذن، فلا، لعدم النية" انتهى.
3-وإن مات، لزم إخراج الكفارة من تركته قبل تقسيمها؛ لأن الكفارة من جملة الديون.
قال البهوتي رحمه الله في كشاف القناع (2/ 84): " (ويجب أن يسارع في قضاء دينه، وما فيه إبراء ذمته؛ من إخراج كفارة، وحج، ونذر، وغير ذلك)، كزكاة، ورد أمانة، وغصب، وعارية؛ لما روى الشافعي وأحمد والترمذي وحسنه، عن أبي هريرة مرفوعاً: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) " انتهى.
4-وإن كفّر عنه أحد بعد موته، أجزأه، ولا يحتاج إلى إذنه.
قال عثمان بن قائد في حاشيته على المنتهى (2/ 28): "قوله: "بإذنه" أي: حيا، وبدونه ميتا، ولا يفتقر إلى إذن ولي أو فعله. تاج الدين البهوتي" انتهى.
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟