ما حكم استعمال دواء مصنوع من النحل الميت؟

السؤال 642252

أقوم بصناعة دواء يستعمل فيه النحل الميت بعد نقعه في الماء، هل يجوز ذلك؟

ملخص الجواب

إن كان هذا الدواء يستعمل شربا أو أكلا، فلا يجوز تناوله إلا إذا كان النحل يوضع فيه بكمية يسيرة مستهلكة، أو تستحيل إلى مادة أخرى، وإن كان يستعمل دهنا على ظاهر الجسد، فلا حرج فيه.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

النحل مما لا دم له سائل، فميتته طاهرة.

قال البهوتي رحمه الله في شرح منتهى الإرادات (1/ 107): "وميتة ما لا نفس أي دم له يسيل، كالخنفساء والعنكبوت والذباب والنحل والزنبور والنمل، والدود من طاهر، والقمل، والصراصير من غير نجاسة ونحوها: طاهرة؛ لحديث: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء رواه البخاري، وفي لفظ " فليغمسه كله ثم ليطرحه"" انتهى.

وقال ابن نجيم رحمه الله في النهر الفائق (1/ 78) فيما لا دم له: "والزنبور بضم الزاي، وهو أنواع منها النحل" انتهى.

وفي الموسوعة الفقهية (1/ 83): "واتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن ما ليس له نفس سائلة، إذا ما وقع في ماء البئر لا يؤثر في طهارته، كالنحل" انتهى.

ثانيا:

يحرم تناول الحشرات في قول جمهور الفقهاء إما لنجاستها، وإما لاستقذارها.

فالنحل يحرم أكله لاستقذاره.

قال في المبدع (8/ 7) فيما يحرم أكله: "(والحشرات كلها) كالديدان، وبنات وردان، والخنافس، والزنابير، والنحل" انتهى.

وفي الموسوعة الفقهية (17/ 279): "أ - أكل الحشرات:

للفقهاء في أكل الحشرات اتجاهان:

الاتجاه الأول: هو حرمة أكل جميع الحشرات، لاستخباثها ونفور الطباع السليمة منها، وفي التنزيل في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: ويحرم عليهم الخبائث وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة...

الاتجاه الثاني: حل جميع أصناف الحشرات، وهو مذهب المالكية، وهو في الأصل إحدى الروايتين فيه، ثم انعقد المذهب عليها.

قال الطرطوشي: انعقد المذهب في إحدى الروايتين وهي رواية العراقيين، أنه يؤكل جميع الحيوان من الفيل إلى النمل والدود، وما بين ذلك إلا الخنزير فهو محرم بالإجماع.

وقد ذهب بعض المالكية إلى حرمة الحشرات والهوام، كابن عرفة والقرافي، ولعلهم أخذوا بالرواية الأخرى في المذهب" انتهى.

ثالثا:

الأصل تحريم التداوي بشيء محرم؛ لما روى أبو داود (3874) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ) صححه الألباني.

وروى أحمد (8048) وأبو داود (3870) والترمذي (2045) وابن ماجه (3459) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ وصححه الألباني.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فِي السَّكَرِ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ رواه البخاري تعليقا.

قال ابن قدامة رحمه الله في المغني (9/ 423): " ولا يجوز التداوي بمحرم، ولا بشيء فيه محرم، مثل ألبان الأُتُن [إناث الحمير] ، ولحم شيء من المحرمات، ولا شرب الخمر للتداوي به؛ لما ذكرنا من الخبر؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر له النبيذ يصنع للدواء، فقال: إنه ليس بدواء، ولكنه داء " انتهى.

فينظر في وضع النحل في الدواء، فإن كان بكمية يسيرة تستهلك، أو كانت تستحيل بالطبخ، أو بالتفاعلات الكيميائية إلى مادة أخرى، جاز تناول الدواء، لأن اليسير المستهلك معفو عنه، والاستحالة مطهرة ومبيحة.

جاء في " توصيات ندوة الرؤية الإسلامية لبعض المشاكل الطبية " ما يأتي:

" المواد الإضافية في الغذاء والدواء التي لها أصل نجس أو محرم تنقلب إلى مواد مباحة شرعا بإحدى طريقتين:

1 - الاستحالة:

ويقصد بالاستحالة في الاصطلاح الفقهي: " تغير حقيقة المادة النجسة أو المحرم تناولها، وانقلاب عينها إلى مادة مباينة لها في الاسم والخصائص والصفات".

ويُعبَّر عنها في المصطلح العلمي الشائع بأنها: كل تفاعل كيميائي يُحوِّل المادة إلى مركب آخر، كتحول الزيوت والشحوم، على اختلاف مصادرها إلى صابون، وتحلل المادة إلى مكوناتها المختلفة، كتفكك الزيوت والدهون إلى حموض دسمة و" غليسرين ".

وكما يحصل التفاعل الكيميائي بالقصد إليه بالوسائل العلمية الفنية، يحصل أيضا - بصورة غير منظورة - في الصور التي أوردها الفقهاء على سبيل المثال: كالتخلل والدباغة والإحراق.

وبناء على ذلك تعتبر:

المركبات الإضافية ذات المنشأ الحيواني المحرم أو النجس، التي تتحقق فيها الاستحالة - كما سبقت الإشارة إليها - تعتبر طاهرة حلالَ التناول في الغذاء والدواء.

2 - الاستهلاك:

ويكون ذلك بامتزاج مادة محرمة أو نجسة بمادة أخرى طاهرة حلال غالبا، مما يُذهب عنها صفة النجاسة والحرمة شرعا، إذا زالت صفات ذلك المخالِط المغلوب من الطعم واللون والرائحة، حيث يصير المغلوب مستهلَكًا بالغالب، ويكون الحكم للغالب، ومثال ذلك:

1 - ... المركبات الإضافية التي يستعمل من محلولها في الكحول كميةٌ قليلةٌ جدا في الغذاء والدواء، كالملونات والحافظات والمستحلبات مضادات الزنخ.

2 - ... (الليستين) و (الكوليسترول) المستخرجان من أصول نجسة بدون استحالة، يجوز استخدامهما في الغذاء والدواء بمقادير قليلة جدا، مستهلكة في المخالط الغالب الحلال الطاهر.

3 - ... الأنزيمات الخنزيرية المنشأ، كـ " الببسين " وسائر الخمائر الهاضمة ونحوها، المستخدمة بكميات زهيدة مستهلكة في الغذاء والدواء الغالب " انتهى باختصار

وجاء في فتاوى دار الإفتاء المصرية:

" ما حكم الشرع في لون يستخدم في الطعام اسمه "  Red 40"  وهو يستخرج من قشرة حشرة لونها أحمر، ويتم تذويب القشرة لاستخراج اللون الأحمر لاستخدامه في العديد من الحلوى مثل  M&MS  هل يجوز أكل اللون؟

الجواب: الحكم الشرعي في هذه المسألة على أثر الاستحالة في زوال وصف النجاسة، أو في إباحة التناول.

والاستحالة: هي تَحَوُّل الأعيان وانقلاب الحقائق عن طبيعتها وأوصافها؛ حيث ترتب وصف النجاسة أو الاستقذار على حقيقة بعينها، وقد زالت، فيزول الوصف بزوالها.

وهذه المواد المستخلصة من قشرة هذا النوع من الحشرات تجري عليها تفاعلات فيزيائية وكيميائية، تغير من بنيتها الكيميائية تغييرًا كاملًا حينما تتحول إلى مادة مكسبة للون، مما يجعلها في نهاية المطاف طاهرة يجوز أكلها، بشرط عدم الضرر.

هذا عند من يقول بتحريم تناول الحشرات؛ لاستقذارها أو نجاستها، وهم جمهور الفقهاء ..

وخالف في ذلك المالكية؛ فأباحوا تناول الحشرات، بشرط كونها مُذَكّاةً، وتذكيتها تحصل عندهم بكل ما تموت به ...

وبناءً على ذلك: فإنه يجوز وضع هذه المادة في الأطعمة، ما لم يثبت أن فيها ضررًا على صحة الإنسان. والله سبحانه وتعالى أعلم" انتهى.

رابعا:

إن كان النحل يوضع في الدواء بكمية كبيرة لا تستهلك في غيرها، وكان لا يستحيل إلى مادة أخرى، فإنه يحرم شرب هذا الدواء لاشتماله على محرم، إلا عند من أجاز أكل الحشرات-وهم المالكية-.

خامسا:

إذا كان هذا الدواء لا يُتناول شربا أو أكلا، وإنما يستعمل دهانا على ظاهر الجسد، فلا حرج فيه؛ لما تقدم من أن ميتة النحل طاهرة، على أن من الفقهاء من أجاز التداوي بالنجاسة على ظاهر البدن، وهو مذهب المالكية.

قال في البيان والتحصيل (18/ 429): " البول نجس بالإجماع، فحرم التداوي بشربه، وجاز الانتفاع به في غسل الجرح وشبهه " انتهى.

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عن رجل وصف له شحم الخنزير لمرض به: هل يجوز له ذلك؟ أم لا؟

فأجاب: "أما التداوي بأكل شحم الخنزير: فلا يجوز.

وأما التداوي بالتلطخ به، ثم يغسله بعد ذلك: فهذا ينبني على جواز مباشرة النجاسة في غير الصلاة، وفيه نزاع مشهور.

والصحيح: أنه يجوز للحاجة، كما يجوز استنجاء الرجل بيده، وإزالة النجاسة بيده.

وما أبيح للحاجة جاز التداوي به، كما يجوز التداوي بلبس الحرير على أصح القولين.

وما أبيح لضرورة، كالمطاعم الخبيثة فلا يجوز التداوي بها، كما لا يجوز التداوي بشرب الخمر" انتهى من "الفتاوى الكبرى" (3/ 199).

والله أعلم

المراجع

الطب والتداوي

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android