لا كفارة عليك لأن إخبارك صديقتك بالرحيل ليس نذرا ولا يمينا ، وإنما هو تهديد لها .
وأما قصة الرجل، فإنما وجبت عليه الكفارة؛ لأنه أكد وعده، بالامتناع عن القسمة، بالنذر، وهذه الصورة من النذر تعدّ عند كثير من العلماء يمينا تكفر بكفارة اليمين.
قلتُ لفتاةٍ: إنها إن لم تفعل أمرًا ما فسوف أرحل، وقد رحلتُ بالفعل لاحقًا، ولكن ليس على النحو الذي قصدتُه في البداية.
ولم تكن لديّ نية عقد اليمين، فهل تلزمني كفارة؟
وإن لم تكن واجبةً، فلماذا قال عمر ـ رضي الله عنه ـ للصحابي في هذه الواقعة: "كفّر عن يمينك"؟ حيث ورد في الحديث:
عن سعيد بن المسيب: "أَنَّ أَخَوَيْنِ، مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْقِسْمَةِ فَكُلُّ مَالٍ لِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَكَلِّمْ أَخَاكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (لاَ يَمِينَ عَلَيْكَ، وَلاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ وَفِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَفِيمَا لاَ تَمْلِكُ") (رواه أبو داود)
علماً بأن الصحابي لم يقل: "والله".
لا كفارة عليك لأن إخبارك صديقتك بالرحيل ليس نذرا ولا يمينا ، وإنما هو تهديد لها .
وأما قصة الرجل، فإنما وجبت عليه الكفارة؛ لأنه أكد وعده، بالامتناع عن القسمة، بالنذر، وهذه الصورة من النذر تعدّ عند كثير من العلماء يمينا تكفر بكفارة اليمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
روى أبو داود (3272)، وابن حبان "الإحسان" (10 / 197)، وغيرهما: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ، فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْقِسْمَةِ فَكُلُّ مَالٍ لِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَكَلِّمْ أَخَاكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (لَا يَمِينَ عَلَيْكَ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، وَفِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَفِيمَا لَا تَمْلِكُ).
وفي إسناد هذا الخبر كلام؛ حيث قيل : سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر، فيكون الإسناد منقطعا.
وذهب جمع من أهل الحديث إلى أنه متصل، وأن ابن المسيب سمع من عمر، أو شبيه بالمتصل، لاختصاص سعيد بأقضية عمر رضي الله عنه ومزيد عنايته بها وإن لم يسمع منه مباشرة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
"وقال الإمام أحمد وغيره من الأئمة: سعيد بن المسيب، عن عمر: عندنا حجة. قال أحمد: إذا لم نقبل سعيدا عن عمر فمن نقبل؟ قد رأى عمر وسمع منه، ذكره ابن أبي حاتم.
فليس روايته عنه منقطعة على ما ذكره أحمد.
ولو كانت منقطعة، فهذا الانقطاع غير مؤثر عند الأئمة، فإن سعيدا أعلم الخلق بأقضية عمر، وكان ابنه عبد الله يسأل سعيدا عنها.
وسعيد بن المسيب إذا أرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبِل مرسَلُه، فكيف إذا روى عن عمر" انتهى. "تهذيب سنن أبي داود" (2 / 401 - 402).
وقد رُوي عن غير عمر من الصحابة من أفتى بمثل قوله.
فروى الإمام مالك في "الموطأ" (2 / 481)، وغيره: عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: (يُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"رواه مالك والبيهقي بسند صحيح، وصحّحه ابن السّكن" انتهى. "التلخيص الحبير" (6 / 3126).
ثانيا:
قول الرجل: "كُلُّ مَالٍ لِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ"، يعني أنه ألزم نفسه بالتصدق بماله للكعبة.
قال الخطابي رحمه الله تعالى:
"قوله (رتاج الكعبة)، أصل الرتاج الباب، وليس يراد به الباب نفسه، وإنما المعنى أن يكون ماله هديا إلى الكعبة، أو في كسوة الكعبة والنفقة عليها أو نحو ذلك من أمرها" انتهى. "معالم السنن" (4 / 48).
وسياق هذا الكلام يبيّن أن صاحبه قصد به منع نفسه من صلة أخيه وقسمة الإرث، فهذا نذر أراد به الحلف والقسم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" وقال الأثرم: حدثنا عبد الله بن رجاء أخبرنا عمران؛ عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى: (أن امرأة سألت ابن عباس: أن امرأة جعلت بردها عليها هديا إن لبسته؟ فقال ابن عباس: أفي غضب أم في رضا؟ قالوا: في غضب. قال. إن الله تبارك وتعالى لا يُتقرب إليه بالغضب؛ لتكفر عن يمينها).
قلت: ابن عباس استفسر النذر: هل مقصودها التقرب بالمنذور، كما قد يقول القائل إن سلم مالي تصدقت به، أو مقصودها الحلف أنها لا تلبسه، فيكون عليها كفارة يمين؟ فقال: أفي غضب أم رضا؟ فلما قالوا: في غضب. علم أنها حالفة لا ناذرة، ولهذا سمى الفقهاء هذا "نذر اللجاج والغضب"؛ فهو يمين، وإن كان صيغته صيغة الجزاء" انتهى. "مجموع الفتاوى" (35 / 340).
والحاصل:
أن عمر رضي الله عنه ذكر له أنه يلزمه كفارة اليمين، ويرجع إلى صلة أخيه، وقال بهذا كثير من أهل العلم.
قال البغوي رحمه الله تعالى:
"اختلف أهل العلم في النذر إذا خرج مخرج اليمين، مثل أن قال: إن كلمت فلانا، فلله علي عتق رقبة، أو إن دخلت الدار، فلله علي أن أصوم أو أصلي؛ فهذا نذر أخرجه مخرج اليمين، لأنه قصد به منع نفسه عن الفعل، كالحالف يقصد بيمينه منع نفسه عن الفعل، فذهب أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم إلى أنه إذا فعل ذلك الفعل يجب عليه كفارة اليمين، كما لو حنث في يمينه، وهو قول عمر، وعائشة، وبه قال الحسن، وطاوس، وإليه ذهب الشافعي في أصح أقواله، وأحمد، وإسحاق" انتهى. "شرح السنة" (10 / 36).
وقال ابن المنذر رحمه الله تعالى:
"والذي به أقول: أن على من حلف بصدقة ماله، أو قال: مالي في سبيل الله إن فعلت كذا، فحنث: كفارة يمين، لقول الله عز وجل: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ الآية، وللأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، و لْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ).
فليس لأحد أن يخرج من جملة الأيمان شيئا إلا بحجة من كتاب أو سنة أو إجماع" انتهى. "الأوسط" (12 / 115).
ثالثا:
أما في حالتك؛ فقولك لصديقتك: سوف أرحل: هو مجرد إخبار، فلم يأت في سياق كلامك ما يدل على إلزام نفسك بقسم ولا نذر، وإنما هو تهديد لها [=وعد] بأنك سوف ترحلين.
وعليه، فلا شيء عليك؛ لأن الكفارة في مثل هذا لا تتعلق إلّا بالأيمان المعقودة، وليس هنا صيغة تدل على يمين، أو نذر.
والله أعلم.
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟