يلزمكم سداد الديون ومنها دين الزوجة، وإذا كانت الديون أكثر من التركة دخل النقص على جميع الدائنين، ويستحب للورثة سداد بقية الديون من أموالهم؛ لتبرأ ذمة الميت.
إذا كانت الديون أكثر من التركة فما العمل؟
السؤال 645244
زوجي مات، وكان عليه ديْن لي، وأنا أعرف أنه يمكنني أخذ ديني من الإرث أو التركة بعد موته، ولكن بعد موته تبين أن هناك أكثر من شخص له دين على زوجي، والمبلغ الذي تركه لا يكفي للجميع لسداد ديونهم، فمن أحق أن يسدد دينه أولا؟ وكيف يتم تقسيم الدين؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
إذا مات الإنسان وعليه دين، وجب سداده من تركته؛ لقوله تعالى في قسمة المواريث: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) النساء/11
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (2/ 201) " الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية، ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء " انتهى.
وقال القرطبي في تفسيره (5/ 61) " ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية، فإذا مات المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعينات، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره، ثم الديون على مراتبها، ثم يخرج من الثلث الوصايا، وما كان في معناها على مراتبها أيضاً، ويكون الباقي ميراثاً بين الورثة " انتهى.
ثانيا:
إذا كان الدين أكثر من التركة، فإنه تسدد الديون، ولا شيء للورثة، ويتحاصّ الدائنون على نسبة ديونهم، فيدخل النقص على جميعهم، فلو كانت التركة تساوي نصف الديون مثلا، أخذ كل دائن نصف ماله، ولا فرق بين دين الزوجة وغيرها، فيتساوى أصحاب الديون في المطالبة والاستحقاق، إلا الدين الذي كان موثقا برهن من المدين، فهذا يقدم.
والجمهور يقدمون هذا النوع من الديون على تجهيز وتكفين الميت، وذهب الحنابلة والحنفية في قول إلى أن التجهيز مقدم، ثم يبدأ بالدين الموثق برهن.
حاء في الموسوعة الفقهية (3/ 19): "وعند المالكية والشافعية والرواية المشهورة عند الحنفية أنه يبدأ من التركة بالديون المتعلقة بأعيانها قبل الوفاة، كالأعيان المرهونة، لأن المورث في حال حياته لا يملك التصرف في الأعيان التي تعلق بها حق الغير، فأولى ألا يكون له فيها حق بعد وفاته.
فإذا كانت التركة كلها مرهونة في دين، فإن المورث (الميت) لا يجهز إلا بعد سداد الدين، أو فيما يفضل بعد سداده، فإن لم يفضل شيء من التركة بعد سداد الدين، يكون تجهيزه على من كانت تجب عليه نفقته في حياته.
وعند الحنابلة، وغير المشهور عند الحنفية: أنه إذا مات الإنسان بدئ بتكفينه وتجهيزه مقدما على غيره، كما تقدم نفقة المفلس على ديون غرمائه، ثم بعد التجهيز والتكفين تقضى ديونه من جميع ما بقي من ماله...
وقال الحنابلة: إنه بعد التجهيز والتكفين يوفى حق مرتهن لديه، ثم إن فضل للمرتهن شيء من دينه شارك الغرماء، لأنه ساواهم في ذلك، فإن فضل شيء من ثمن الرهن رد على المال ليقسم بين الغرماء، ثم بعدما سبق تسدد الديون غير المتعلقة بالأعيان، وهي التي ثبتت في الذمة...
فإن زادت الديون عن التركة، ولم تف بدين الله - تعالى - ودين الآدمي: يتحاصّون على نسبة ديونهم، كمال المفلس، سواء أكانت الديون لله - تعالى - أم للآدميين أم مختلفة" انتهى.
ثالثا:
إذا دخل النقص على جميع الدائنين، فما بقي لهم من ديونهم يكون في ذمة الميت، ولا يلزم الورثة سداده من مالهم، لكن ينبغي لمن استطاع منهم أن يفعل ذلك لتبرأ ذمة الميت؛ لما روى أحمد (9679) والترمذي (1078) وابن ماجه (2413) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ).
قال في تحفة الأحوذي (4/ 164): "قال السيوطي: أي محبوسة عن مقامها الكريم. وقال العراقي: أي أمرها موقوف، لا حكم لها بنجاة ولا هلاك، حتى ينظر هل يقضى ما عليها من الدين أم لا؟" انتهى.
رابعا:
الميت إن أخذ أموال الناس وهو يريد أداءها، ولم يماطل في السداد في حياته، فمات، أدى الله عنه، كما روى البخاري (2387) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قوله: "أدى الله عنه" في رواية الكشميهني: "أداها الله عنه"، ولابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث ميمونة: "ما من مسلم يدّان دينا، يعلم الله أنه يريد أداءه: إلا أداه الله عنه في الدنيا".
وظاهره يحيل المسألة المشهورة فيمن مات قبل الوفاء بغير تقصير منه، كأن يُعسِر مثلا أو يفجأه الموت وله مال مخبوء، وكانت نيته وفاء دينه ولم يوف عنه في الدنيا. ويمكن حمل حديث ميمونة على الغالب.
والظاهر أنه لا تبعة عليه، والحالة هذه، في الآخرة، بحيث يؤخذ من حسناته لصاحب الدين، بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين كما دل عليه حديث الباب، وإن خالف في ذلك ابن عبد السلام" انتهى من فتح الباري (5/ 54).
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟