حجب الإعلانات المحرمة واجب، وما احتُسب بسببه بإذن الشركة فهو حلال، وإلا وجب رده أو التخلص منه في وجوه الخير عند تعذر الرد.
هل يجوز الانتفاع من أرباح الاعلانات التي حجبها عن موقعه؟
السؤال 652006
فضيلة الشيخ ما حكم حجب الإعلانات قبل ظهورها على الموقع بحيث لو أمكن أن يكون لصاحب الموقع أداة لحجب الإعلانات المحرمة ولكن لو احتسبت الشركة الإعلان المحجوب لصالح صاحب الموقع كمشاهدة والمال يحسب على صاحب الإعلان فهل يكون صاحب الموقع آثما وماذا يفعل بذلك المال الذي حجب إعلانه قبل أن يشاهده المتصفح للموقع ولكن احتسب مشاهدة بسبب الأداة التي تفحص الإعلان قبل ظهوره وماذا يفعل بالمال هل هو هدر على المعلن وهل لو أنفقه في وجوه الخير تبرأ ذمته مع صعوبة وكثرة المعلنين وصعوبة إرجاع الأموال لهم وهو لا يقبل ظهور المحرم على موقعه أو ماذا يفعل بالمال لو لم يكن حجب الإعلان ممكنا بدون أن يحتسب مشاهدة لصالحه؟ وبماذا تنصحون بارك الله فيكم؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
نشكر للأخ الكريم حرصَه على تطهير موقعه من الإعلانات المحرمة، وهذا هو الواجب شرعاً؛ فإن عرض الإعلانات المشتملة على محرم -كصور النساء المتبرجات، أو الترويج للخمور والمعازف والقمار والمواقع الإباحية والبنوك الربوية ونحو ذلك- محرمٌ لا يجوز، وهو من الإعانة على الإثم والدلالة على المعصية، والكسبُ الحاصل من الترويج للمحرم كسبٌ خبيث.
قال الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: مَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثلُ آثام مَن تبعه، لا يَنقُص ذلك من آثامهم شيئاً رواه مسلم (2674).
ومَن سعى في حجب هذه الإعلانات عن موقعه فهو مأجورٌ على قصده الحسن ومنعِه للمنكر بحسب استطاعته.
ثانيا:
صورة المسألة
وحتى يتبيّن الحكم لا بد من تصوّر المعاملة؛ فإن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره:
يتعاقد المعلنون مع شبكةٍ إعلانية وسيطة تتولى عرض إعلاناتهم في مواقع الناشرين، مقابل عوضٍ يُحتسب غالباً بعدد مرات ظهور الإعلان أو مشاهدته أو النقر عليه، وتتولى الشبكة قسمة العوض بينها وبين أصحاب المواقع بحسب ما يسجله نظامُها من ذلك.
وقد يستعمل صاحبُ الموقع أداةً تفحص الإعلان قبل ظهوره للزائر، فإذا تبيّن اشتماله على محرمٍ حجبته فلم يظهر أصلاً، غير أن نظام الاحتساب قد يسجّل هذا الفحص مشاهدةً يُحمَّل المعلنُ ثمنَها وتحتسب لصاحب الموقع بنصيبه منها، مع أن الزائر لم يرَ الإعلان.
فيقع السؤال: هل يحل لصاحب الموقع ما يُحتسب له من عوضٍ عن هذه الإعلانات المحجوبة؟
ثالثا:
الذي يظهر أن الحكم لا يتوقف على كون أداة الحجب مقدَّمةً من الشبكة الوسيطة نفسِها أو من برنامج خارجي، وإنما العبرة بحقيقة العقد وطريقة الاحتساب: هل تعتبر الشركةُ هذا الفحص أو الحجب من العمليات التي يستحق الناشر عليها العوض، وقد رضي بذلك أطرافُ المعاملة؟ أم أن الأداة تؤدي إلى تسجيل مشاهدة أو ظهور غير حقيقي لا تُقرّ الشركة احتسابه؟
وعلى ذلك فللمسألة أحوال:
الحال الأولى: أن يكون احتساب الإعلان المحجوب مأذوناً فيه من الشركة ومعتبراً في نظامها
فإذا كانت الشركة قد أتاحت لصاحب الموقع وسائل تصفية الإعلانات أو حجب بعضها، وكانت تعلم أن استعمال هذه الأدوات قد يترتب عليه احتساب الإعلان أو جزء من عوضه للناشر، وأقرّت ذلك صراحةً أو كان داخلاً في طريقة الاحتساب المتفق عليها بين الأطراف، فلا حرج على صاحب الموقع فيما يُحتسب له؛ لأن المال حينئذ قد أخذه بمقتضى العقد والنظام الذي رضي به المتعاقدون، ولا يكون في ذلك غشٌّ ولا أخذٌ لمال الغير بغير حق.
ولا يكفي في هذا الحكم مجردُ كون أداة الحجب صادرةً من الشركة نفسها، بل لا بد من كون العوض الناتج عنها معتبراً عند الشركة ومستحقاً بحسب العقد.
الحال الثانية: أن يؤدي الحجب إلى احتساب مشاهدة أو ظهور غير حقيقي لا تقرّه الشركة
وذلك كما لو كانت الأداة -سواء أكانت داخلية أم خارجية- تؤدي إلى تسجيل مشاهدة مدفوعة للإعلان مع أن الإعلان لم يظهر أصلاً للزائر، وكان صاحب الموقع يعلم أن الشركة والمعلن لا يعتبران هذا ظهوراً مستحقاً للعوض، أو أن النظام يمنع هذا النوع من الاحتساب.
فهنا لا يجوز لصاحب الموقع أن يتعمد الانتفاع بهذا الاحتساب؛ لأن المعلن إنما بذل المال في مقابل عرض الإعلان أو تحقُّق الأمر الذي تعاقد عليه، فإذا لم يحصل ذلك ولم يرض به، لم يستحق صاحبُ الموقع العوض، وكان أخذُه من أكل المال بالباطل ومن الغش في آلية العدّ التي بُني عليها العقد.
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ [النساء: 29]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: مَن غشَّ فليس مني رواه مسلم (101)، وقال صلى الله عليه وسلم: لا يَحِلُّ مالُ امرِئٍ مسلمٍ إلا بطِيبِ نَفْسٍ منه رواه أحمد والدارقطني، وصححه الألباني في إرواء الغليل (1459).
وسواءٌ كان المعلن مسلماً أو غير مسلم، فمالُه محترمٌ بالعقد ولا يجوز أخذه بغير حق.
فإذا حصل لصاحب الموقع مالٌ من هذه المشاهدات مع علمه بعدم استحقاقه، فالواجب عليه ردُّ المال إلى مستحقه بحسب الإمكان؛ فإن الأصل في المال المأخوذ بغير حقٍّ أن يُرَدّ إلى صاحبه، لا أن يُتصدَّق به ابتداءً؛ لأن التصدق فرعٌ عن تعذر الرد. وقد نصّ النووي رحمه الله في المجموع (9/351) على أن من بيده مالٌ حرام له مالكٌ معيّن وجب صرفُه إليه أو إلى وكيله، فإن يئس من معرفته صرفه في مصالح المسلمين، وقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نحو ذلك في مجموع الفتاوى (29/308).
والأولى في مثل هذه الأنظمة أن يتواصل أولاً مع الشركة الوسيطة التي تدير الإعلانات، ويبيّن لها حقيقة ما وقع؛ لأنها هي الطرف الذي يتولى محاسبة الناشرين والمعلنين، وهي الأقدر على معرفة مقدار المال وتصحيح الحسابات ورد الحقوق إلى أصحابها، ولدى كبرى الشبكات الإعلانية نظامٌ معتمد لمعالجة النشاط غير الصالح تخصم بموجبه المبالغَ من حساب الناشر وتردّها إلى المعلنين.
- فإن قررت الشركة بعد علمها بالحال أن هذا الاحتساب صحيح ومستحق للناشر بحسب نظامها وعقودها، فلا حرج عليه في أخذه.
- وإن قررت أن المال غير مستحق، فلها أن تخصمه من حسابه أو تسترده أو تتولى إعادته إلى المعلنين، وبذلك تبرأ ذمته.
- فإن ثبت أن المال غير مستحق، وتعذر ردُّه إلى أصحابه بعد بذل الوسع -لتعذر معرفتهم، أو كثرتهم، أو تفرقهم، أو لعدم إمكان تمييز نصيب كل واحد منهم، أو لعدم وجود طريق لإعادة الأموال إليهم- فإنه يُتصدَّق به عن أصحابه أو يُصرف في مصالح المسلمين، تخلصاً من المظلمة وأداءً للحق بقدر الاستطاعة، ولا ينتفع به صاحب الموقع لنفسه.
الحال الثالثة: أن يجهل صاحب الموقع حقيقة طريقة الاحتساب
فإذا لم يعلم هل الشركة تعتبر الإعلانَ الذي فحصته أداةُ الحجب ثم منعته ظهوراً مستحقاً للعوض أم لا، فلا ينبغي أن يبني الحكم على مجرد الظن.
بل الواجب عليه أن يراجع شروط الشركة، أو يتواصل معها، ويسألها سؤالاً واضحاً: هل الإعلانات التي تمنعها أداة التصفية قبل أن يشاهدها الزائر تُحتسب على المعلن ويستحق الناشر عوضها، وهل تُقرّ الشركة ذلك؟
فإن أقرّت ذلك فلا حرج، وإن منعته لم يجز له الاستمرار على وجهٍ يؤدي إلى أخذ المال بغير حق.
رابعا:
مسألة: إذا لم يمكن حجب الإعلانات المحرمة إلا باحتساب لا تقرّه الشركة
وأما إذا لم يمكن حجب الإعلانات المحرمة إلا بطريقةٍ يعلم صاحب الموقع أنها تؤدي إلى احتساب مشاهدات غير حقيقية لا تقرها الشركة، فلا يجوز له أن يستمر على هذه الطريقة ثم يقول: سأُخرج المال المتولد عنها في وجوه الخير؛ لأن التصدق بالمال إنما يكون علاجاً لما وقع وتعذر ردُّه إلى صاحبه، ولا يجعل أخذَ مال الغير بغير حق جائزاً ابتداءً.
بل الواجب حينئذ أن يبحث عن وسيلة أخرى تمنع الإعلانات المحرمة دون توليد احتساب غير مشروع، أو يتواصل مع الشركة لطلب آلية معتمدة، أو ينتقل إلى شبكة إعلانية تسمح له بتنقية الإعلانات على وجه مشروع، أو يقتصر على الإعلانات المباشرة من جهاتٍ يعلم إباحة نشاطها ومحتوى إعلاناتها.
فإن تعذر عليه الجمع بين منع الإعلانات المحرمة وبين سلامة طريقة الاحتساب، ولم يمكنه استعمال هذه الشبكة إلا بأحد محذورين: إظهار المحرم، أو أخذ أموال المعلنين بغير حق؛ لم يجز له الاستمرار في هذه الصورة، وعليه أن يتركها إلى وسيلة مباحة؛ فإن منع المنكر لا يكون بظلم الغير في ماله، وما جعل الله لعبدٍ من مخرجٍ بمعصية.
خلاصة الأمر
- حجب الإعلانات المحرمة مطلوب شرعاً، لكن لا يجوز أن يكون منعُ المنكر وسيلةً إلى أخذ مال الغير بغير حق.
- العبرة في حِلّ العوض بإقرار الشركة للاحتساب واعتباره في نظامها وعقدها، لا بمجرد كون أداة الحجب منها أو من غيرها.
- فإن كان العوض المحتسب عن الإعلان المحجوب مأذوناً فيه ومعتبراً في نظام الشركة وعقدها، فهو حلال.
- وإن كان احتساباً غير حقيقي لا تقره الشركة، فلا يجوز تعمد أخذه، وما حصل منه يُرَدّ إلى مستحقه عن طريق الشركة ما أمكن، فإن تعذر ردُّه بعد بذل الوسع تُصُدِّق به عن أصحابه أو صُرف في مصالح المسلمين.
- وإن كان الأمر مشتبهاً، وجب الاستفسار من الشركة قبل الحكم على المال.
- وإذا لم يمكن الحجب إلا باحتساب غير مشروع، لم يجز الاستمرار بنية التصدق، بل ينتقل إلى وسيلة مباحة.
نصيحة وختام
نصيحتنا للأخ الكريم أن يجعل هذا الباب من أبواب الاحتساب والقربة إلى الله، وأن يحرص على طِيب مكسبه كما يحرص على خلوّ موقعه من المحرم؛ فإن الله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لن تَدَعَ شيئاً للهِ عز وجل إلا بدَّلك اللهُ به ما هو خيرٌ لك منه رواه أحمد وصححه الألباني، وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً رواه مسلم (1015).
فمن ترك ما لا يحل ابتغاءَ مرضاة الله، عوّضه الله خيراً منه، وبارك له فيما أبقى.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟