تعلق قلبه بحب فتاة رفضته ويسأل عن الحل

السؤال 656099

أنا شاب في التاسعة عشرة من عمري، وأعلم أن العلاقات العاطفية خارج الزواج محرمة، وأن الوقوع في الزنا أو مقدماته أمر لا أريده، ولا أقبله لنفسي، لكنني ابتُليت بتعلق شديد جدًا بفتاة، حتى أشعر أحيانًا أن الأمر وصل إلى حد الهوس، والتفكير المستمر فيها، صارحتها بمشاعري مرتين، وفي المرتين رفضتني، ومع ذلك لم أستطع تجاوز الأمر، أو التخلص من التعلق بها، وأستغرب من نفسي؛ لأنني كنت أتوقع أن أتجاوز الأمر بعد الرفض، لكنني ما زلت أفكر فيها وأشعر بأنني عالق في هذا التعلق، وأريد بصدق أن أتخلص منه.
ويزداد الأمر صعوبة عندما أرى بعض أصدقائي يدخلون في علاقات عاطفية محرمة؛ فأشعر أحيانًا بالدونية والفشل، وكأنني محروم من المتعة التي يعيشونها، رغم أنني في الحقيقة أريد أن ألتزم بديني وأبتعد عن هذه العلاقات.
كما أن لدي خوفًا شديدًا من المستقبل، وأخشى ألا أجد زوجة تحبني، أو ألا أعيش في المستقبل علاقة زوجية مستقرة ومليئة بالمودة، وأحيانًا يصل هذا الخوف إلى تصور أنني قد أنتهي وحيدًا، وهذا يزيد تعلقي ويجعلني أشعر بضياع شديد.
فكيف أتعامل مع هذا التعلق الشديد من الناحية الشرعية والنفسية؟ وهل مجرد هذه المشاعر والتفكير المتكرر يؤاخذني عليهما شرعًا، ما دمت لا أريد الدخول في علاقة محرمة ولا أسعى إليها؟ وكيف أتخلص من الشعور بأنني محروم أو أقل من غيري بسبب ابتعادي عن العلاقات المحرمة؟ وكيف أتعامل مع خوفي من ألا أجد في المستقبل زوجة تحبني، وأتوقف عن التفكير في هذا الأمر بصورة تؤثر في حياتي وديني؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

من الجميل في رسالتك أنك لا تبحث عن طريق للاستمرار في علاقة محرمة، وإنما تريد أن تتخلص من هذا التعلق وتحافظ على دينك ومستقبلك، وهذا بحد ذاته موقف إيجابي.

وأول ما نريد أن نطمئنك إليه أن مجرد وجود المشاعر أو ورود الأفكار لا يجعلك آثمًا؛ فالإنسان لا يملك دائمًا أن يمنع قلبه من الميل أو ذهنه من استحضار شخص يحبه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ ) رواه البخاري (4968) ومسلم (127).

إنما مسؤوليتك فيما تختاره بعد ذلك؛ هل تغذي هذه المشاعر وتلاحقها، أم تضبطها وتسلك بها الطريق المشروع؟

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (400846)

- في التاسعة عشرة من عمرك، من الطبيعي أن تحتاج إلى الحب والزواج، وقد أرشد النبي ﷺ الشباب إلى الزواج عند القدرة، وإلى الصوم والاستعفاف عند عدم القدرة، فالمطلوب ليس أن تلغي حاجتك إلى المشاعر، وإنما أن تضعها في الطريق الصحيح.

- لقد صارحت الفتاة مرتين ورفضتك، ولذلك احترم قرارها، وأغلق باب السعي إليها، ولا تجعل رفضها يتحول في داخلك إلى حكم على قيمتك؛ فهي لم ترضَ بالتواصل معك، ولم تختر أن تدخل معك في علاقة عاطفية، سواء كان ذلك نابعًا من حرصها على دينها وحسن أخلاقها، أم لأنها ببساطة لا تريد أن تدخل في هذا النوع من العلاقات، أو لا تريد الارتباط بك أنت تحديدًا.

- وفي جميع الأحوال، فإن رفضها لا يعني أنك غير جدير بالحب، ولا يعني أنك ستُرفض من كل من تتقدم إليها من الباب الصحيح للخطبة مستقبلًا.

- لا تقارن نفسك بمن يدخلون العلاقات المحرمة، ولا تعتبر العفة حرمانًا؛ فعندما ترى أصدقاءك في علاقات عاطفية، قد تشعر أنهم يعيشون ما حُرمت منه، وتشعر أنك أقل منهم، مما يولد لديك شعورًا بالنقص والحرمان، ثم يزيد التفكير في العلاقات والفتاة؛ وهنا نحتاج إلى مناقشة هذه الفكرة: فهل كل علاقة عاطفية تمنح صاحبها السعادة؟

وهل ما تراه من حياة الآخرين هو كل الحقيقة؟ وهل مجرد وجود علاقة يعني نجاح الإنسان؟ وهل الابتعاد عن الحرام يعني أنك فاشل أو محروم؟ فالحقيقة أن الإنسان قد يرى لحظة المتعة عند غيره، ولا يرى ما وراءها من قلق أو تعلق أو ندم أو اضطراب أو آثار لا تظهر أمامه.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (551431) ورقم (100213)

- أنت في الحقيقة تفتقد شيئًا مشروعًا تتمنى الحصول عليه، لكنك اخترت ألا تطلبه بطريقة محرمة، وهذا ليس فشلًا، أنت لا تترك الحرام لأنك لا تريد الحب، وإنما لأنك تريد أن تحصل على الحب في الطريق الذي يرضي الله، فالعفة ليست دليلًا على أنك أقل من غيرك، وإنما هي اختيارك أن تحفظ شيئًا تتمناه حتى يأتيك في الطريق الذي يرضي الله.

- لا تجعل الزواج هو الحل الوحيد لحياتك، ولا تجعل حب فتاة لك معيارًا لقيمتك، فقيمتك لا تبدأ عندما تحبك فتاة، ولا تنتهي إذا رفضتك فتاة؛ فأنت تحتاج إلى أن تبني قيمة حياتك الآن، ثم يأتي الزواج ليكون جزءًا من حياة ذات معنى، لا ليصبح المصدر الوحيد لمعنى الحياة،  فالزواج نعمة عظيمة، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، لكن الزوجة ليست مسؤولة عن أن تمنحك قيمتك النهائية، ولا عن أن تعالج كل وحدتك، ولا عن أن تضمن لك السعادة في كل لحظة، إنها شريكة في الحياة، وليست بديلًا عن تعلق قلبك بالله، ولا بديلًا عن بناء الذات.

واستبدل سؤال: متى سأجد من تحبني؟ بالسؤال الأهم والأنفع: ماذا أحتاج أن أبني في نفسي حتى أكون مستعدًا يومًا للزواج وتحمل مسؤولية أسرة؟ فإذا لم تكن قادرًا على الزواج الآن، فاجعل هذه المرحلة مرحلة إعداد، لا مرحلة حرمان وانتظار.

- أنت لا تعرف من ستكون زوجتك ولا متى سيأتي الزواج، ولا تحتاج إلى أن تعرف. ما تحتاجه هو أن تحسن الظن بالله وتأخذ بالأسباب؛ قال تعالى: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، وقال سبحانه: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. فاعمل بما تستطيع، واترك ما لا تستطيع، ولا تجعل إنسانًا واحدًا مصدر أمانك كله؛ أحب الناس، وعاشرهم بالمعروف، لكن اجعل تعلق قلبك بالله أعمق من تعلقه بأي مخلوق.

- لا تجعل هدفك أن تنسى الفتاة بالقوة، وإنما أن تستعيد حياتك، فاقطع كل ما يغذي التعلق بها من متابعة أخبارها، وتفقد حساباتها، وإعادة المحادثات، واستحضار السيناريوهات العاطفية، وابنِ في المقابل حياة أوسع من هذه القصة، فأنت في النهاية لا تحتاج إلى فتاة معينة لكي تصبح حياتك ذات معنى، بل تحتاج إلى أن تعرف لماذا تعيش، ولمن تعيش، وما الذي تريد أن تصبح عليه؛ فإذا استقام هذا الأصل، جاء الحب والزواج ليكونا جزءًا جميلًا من حياتك، لا الشيء الذي تتوقف عليه حياتك كلها.

وأخيرًا يا بني، لا تجعل تجربة عاطفية في التاسعة عشرة تحكم على بقية عمرك، فأنت لا تحتاج الآن إلى أن تعرف من ستكون زوجتك، وإنما تحتاج إلى أن تصبح الرجل الذي سيكون مستعدًا عندما يأتي وقت الزواج، وإن كنت أحببتها، فاحترم مشاعرك، لكن احترم رفضها أيضًا، وإذا كنت قد تألمت، فاستفد من ألمك ولا تجعل الألم يهدمك، وإذا كنت تتمنى الزواج، فاسعَ إلى أسبابه، وإذا كنت تخاف المستقبل، فثق بالله، وإذا كنت تحتاج إلى الحب، فلا تبحث عنه في الحرام، وابنِ حياتك حتى تصبح أكبر من هذا التعلق؛ فعندما تتسع حياتك، ستصغر في داخلك المساحة التي احتلتها هذه الفتاة، ويصبح الحب الذي تتمناه جزءًا جميلًا من حياتك، لا الشيء الذي تتوقف عليه حياتك كلها.

وإذا أصبح التفكير بها شديدًا إلى درجة تعطيل الدراسة أو النوم أو العبادة أو الحياة اليومية، فهنا يستحسن تقييم الأمر نفسيًا بصورة مباشرة من خلال مراجعة أخصائي نفسي؛ للتأكد من عدم وجود قلق أو وسواس أو اكتئاب يحتاج إلى معالجة مستقلة.

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويطمئن قلبك، ويعينك على غض بصرك وحفظ نفسك، وأن يصرف عنك ما يؤذيك ويشغلك، ويرزقك تعلقًا به يغنيك عن التعلق بما سواه، وحسن ظن به، وثقة بتدبيره، وصبرًا حتى يأتيك رزقك في وقته وبالطريق الذي يرضيه.

والله أعلم
 

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android