ما مدى صحة حديث في تكرار أذكار معينة مائة مرة في يوم عرفة

السؤال 659656

لقد سمعتُ أثراً يذكر أنه في يوم عرفة، يُستحب للمرء أن يجلس مستقبلاً القبلة ويردد الآتي:
- لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (100 مرة).
- سورة الإخلاص (100 مرة).
- الصلاة الإبراهيمية (100 مرة).
كما سمعتُ أيضاً أنه ينبغي للمرء أن يقول بعد كل صلاة إبراهيمية: وعلينا معهم.
ويُذكر في هذا الأثر أنه إذا فعل المرء ذلك في يوم عرفة، فإن الله تعالى يباهي به ملائكته قائلاً: إني قد غفرت له ذنوبه، وأعتقته، وإن سألني شيئاً لأعطينّه.
فما مدى صحة هذا الحديث؟ وإذا كان صحيحاً، فما هي المصادر التي تخرّجه وتدعمه؟

ملخص الجواب

الخبر باللفظ المذكور في السؤال لم نقف عليه بهذا التمام، وقد وردت روايات قريبة منه تتضمن بعض هذه الأذكار والأعداد والفضائل، لكنها لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأسانيدها تالفة شديدة الضعف، لا يثبت منها شيء، وحكم ابن الجوزي على أحد طرقها بالوضع. أما أصل الإكثار من الذكر والدعاء يوم عرفة فمشروع وثابت، من غير التزام لهذه الهيئة والأعداد والفضائل المخصوصة.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

لم نقف في كتب أهل العلم على خبر بهذا اللفظ الوارد في السؤال، لكن ورد بلفظ قريب منه:

عند الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتاب "الغنية لطالبي طريق الحق" (2/ 62 - 63)، في  فصل ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدعاء في عشية عرفة، حيث قال: أَخْبَرَنَا به هبةُ اللهِ بن المباركِ، قال: أَنْبَأَنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعُكْبَرِيِّ، بها[لعلها بهمدان]، قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنْبَأَنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قال: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ فضيل [الفضل] الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هَرِمٍ بن حيان، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس في الموقف بعرفة قول ولا عمل أفضل من هذا الدعاء، وأول من ينظر الله إليه صاحبه، وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وقف بعرفة استقبل البيت الحرام بوجهه، وبسط يديه كهيئة الداعي، ثم يلبي ثلاثًا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، يقولها مائة مرة، ثم يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، يقول ذلك مائة مرة، ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويقول: إن الله هو السميع العليم، يقولها ثلاث مرات، ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثلاث، ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثلاث مرات، ويبدأ في كل مرة ببسم الله الرحمن الرحيم، ويختمها بآمين، ويقرأ قل هو الله أحد … مائة مرة، ثم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، صل على النبي الأمي ورحمة الله وبركاته مائة مرة، ثم يدعو الله عز وجل -بما شاء، فيقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي توجه بيتي وكبرني ولباني وسبحني وحمدني وهللني، وقرأ بأحب السور إلي وصلى على رسولي أشهدكم أني قد قبلت عمله، وأوجبت له أجره، وغفرت له ذنوبه، وشفعته فيما سألني).

لكنّ إسناد هذا الخبر ضعيف جدا.

فهبة الله بن المبارك، قد ضُعِّف.

قال السمعاني رحمه الله تعالى:

"وأبو البركات هبة الله بن المبارك السقطي من أهل واسط، سكن بغداد ورحل إلى البصرة والكوفة وأصبهان، وأدرك الشيوخ الكثيرة، وجمع لنفسه وشيوخه معجما، أدرك أصحاب أبي طاهر المخلص، ولم يكن موثوقا به فيما ينقله" انتهى. "الأنساب" (7 / 92).

وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

"هبة الله بن المبارك السَّقطِي: روى عنه أشياخنا، وكانت له معرفة بالنّقل. لكنه، بادّعاء مشايخ لم يرهم، قال ابن ناصر: ليس بثقة" انتهى. "الضعفاء والمتروكون" (3 / 172).

وقال ابن كثير، رحمه الله: "رحل إلى أَصْبَهان وغيرها، وجمع وحَصَّل، لكن قال محمد بن ناصر: ليس بثقة، ظَهَرَ كَذِبُه.

وقال ابن السَّمْعَانيُّ وابن الجَوْزيُّ: ادَّعى السَّماعَ من شيوخٍ لم يَلْحَقْهُم بِسِنِّه". انتهى، من "التكميل في الجرح والتعديل"، لابن كثير (١ ‏/٤٥٢).

وكذا الراوي إبراهيم بن الفضل قد ضُعِّف.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

"ابراهيم ابن الفضل المخزومي عن المقبري: ضعيف، تركه غير واحد؛ منهم أحمد، وأبو زرعة. قال أحمد: ليس بقوي، ووهَّاه غيرُه" انتهى. "المغني في الضعفاء" (1 / 22).

وروى ابن الجوزي نحو هذا في "الموضوعات" (2 / 212)، قال: دعاء يوم عرفة: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ أَنْبَأَنَا عبد الله بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُصَاصُ حَدثنَا مُحَمَّد ابْن الْمُنْذر حَدثنَا عبد الله بن عمرَان العابدى حَدثنَا عبد الرحمن بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ ومُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ وَأَبِي وَائِلٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالا قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: ( لَيْسَ فِي الْمَوْقِفِ قَوْلٌ وَلا عَمَلٌ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْظُرُ الله عزوجل إِلَيْهِ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ مُسْتِقْبِلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِوَجْهِهِ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ كَهَيْئَةِ الدَّاعِي، ثُمَّ يُلَبِّي ثَلاثًا وَيُكَبِّرُ ثَلاثًا وَيَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، يَقُولُ ذَلِكَ مِائَة مَرَّةٍ ...) فذكر خبرا شبيها بالرواية السابقة.

ثم قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

"هذا حديث موضوع" انتهى. "الموضوعات" (2 / 213).

ثانيًا:

ينبغي التفريق بين عدم ثبوت الخبر المتقدم بما اشتمل عليه من أعداد وهيئات وفضائل مخصوصة، وبين أصل فضل الذكر والدعاء يوم عرفة؛ فإن لذلك أصلًا ثابتًا في السنة.

فقد روى الترمذي (3585)، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وقد حسن هذا الحديث بعض أهل العلم بمجموع طرقه.

فيشرع للمسلم أن يغتنم يوم عرفة بالإكثار من الدعاء والذكر، ومن ذلك التهليل، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة القرآن، وغير ذلك من أنواع الذكر والطاعات المشروعة.

لكن لا يشرع أن يعتقد أن جمع هذه الأعمال على الهيئة المذكورة في السؤال، أو التزام عدد مائة لكل واحد منها، أو ترتيبها على الصفة المذكورة، يترتب عليه فضل خاص من المغفرة والعتق وإجابة الدعاء؛ لأن تخصيص العبادة بعدد أو هيئة أو ثواب معين يحتاج إلى دليل، ولم يثبت في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وعليه؛ فمن أتى بهذه الأذكار والعبادات باعتبارها من جنس الذكر والطاعة المشروعة، من غير التزام للعدد والهيئة والفضل الوارد في الخبر غير الثابت، فلا حرج عليه.

والله أعلم.

 

المراجع

الحج والعمرة

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android