اختار الله تعالى لأنبيائه رعي الغنم؛ لما فيه من تدريبهم على الصبر، والحلم، والشفقة، ومعرفة اختلاف الطباع، وحفظ الضعيف، وجمع المتفرق، وحماية الرعية من الأخطار، والتدرج في تحمل مسؤولية قيادة الأمم ودعوتها إلى الله تعالى.
لماذا كان النبي ﷺ يرعى الغنم قبل البعثة؟ وما الحكمة من ذلك؟
السؤال 660969
لماذا اشتغل الرسول صلى الله عليه وسلم برعي الأغنام قبل البعثة؟
ملخص الجواب
الجواب
جدول المحتويات
أولا:
الأدلة من السنة النبوية
1- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ، فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ". رواه البخاري (2262).
2- عن جَابِر بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَجْنِي الْكَبَاثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ. قَالُوا: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا". رواه البخاري (3406)، ومسلم (2050).
3- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَبُعِثْتُ أَنَا، وَأَنَا أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِي بِجِيَادٍ". رواه أحمد (3/42، 96).
ثانياً:
أبرز الحِكَم في رعي النبي صلى الله عليه وسلم للأغنام قبل البعثة:
ذكر العلماء طائفة من الحكم الإلهية فيما قدر الله لأنبيائه الكرام: من الاشتغال برعي الغنم. فمن ذلك:
01 بيان ما جبل الله عليه أنبياءه من التواضع والمسكنة، خلافَ الحال الملوك والجبارين من أهل الأرض.
قال الإمام ابن عبد البر، رحمه الله، في فوائد حديث رعيه صلى الله عليه وسلم للغنم:
وفيه أن الأنبياء والمرسلين أحوالهم في تواضعهم غير أحوال الملوك والجبارين، وكذلك أحوال الصالحين، والحمد لله رب العالمين. انتهى، من التمهيد (16/ 290 ت بشار).
وقال ابن الجوزي، رحمه الله، في كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 9):
«وَأما رعي الْغنم فَكَأَنَّهُ تمهيد لمداراة النَّاس، فَلذَلِك قدر للأنبياء.
أَو كَأَنَّهُ يُشِير بِهَذَا إِلَى أَن الْأَنْبِيَاء لم يَكُونُوا ملوكا، وَإِنَّمَا كَانَت النُّبُوَّة عِنْد المتواضعين من أَصْحَاب الْحَرْف».
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري لابن حجر (4/ 441 ط السلفية):
" وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء».
02 تعويد الرعاة على الحلم والشفقة، والصبر، والرفق بالضعيف، والأناة، والسكينة، والوقار؛ فصبرهم على تفرق الغنم واختلاف طباعها يروض نفوسهم لتحمل مشاق دعوة البشر واختلاف رغباتهم وعقولهم وتدريب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام برعي الغنم على ما سيكلفونه لاحقاً من رعاية أممهم.
قال القرطبي رحمه الله في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (5/ 325): "أن الله تعالى درَّب الأنبياء على رعاية الغنم، وسياستها؛ ليكون ذلك تدريجًا إلى سياسة الأمم؛ إذ الراعي يقصد مصلحة الغنم، ويحملها على مراشدها، ويقوم بكلفها وسياستها. ومن تدرَّب على هذا وأحكمه؛ كان متمكنًا من سياسة الخلق ورحمتهم، والرفق بهم. وكانت الغنم بهذا أولى لما خص به أهلها من السكينة، وطلب العافية، والتواضع. وهي صفات الأنبياء". انتهى.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (4/ 441 ط السلفية): "قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة= ألفوا من ذلك الصبرَ على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها؛ فجبروا كسيرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها= فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة، لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر، لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط، دونها، في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادا من غيرها". انتهى.
وقال ابن الملقن رحمه الله في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (15/ 35): "ومعناه: أن ذلك تقدمة وتوطئة في تعريف سياسة العباد، واعتبار بأحوال رعاة الغنم وما يجب على راعيها من اختيار الكلأ لها وإيرادها أفضل مواردها، واختيار المسرح والمراح لها، وجبر كسرها، والرفق بضعيفها، ومعرفة أعيانها، وحسن تعاهدها، فإذا وقف على هذِه الأمور كانت مثالًا لرعاية العباد حكمة بالغة، وخصت بالغنم لأنها أسرع انقيادًا". انتهى.
وقال المقريزي رحمه الله في "إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع" (4/103): "اعلم أن في رعي البهائم العجم التي لا تعقل ولا تعرب عن نفسها، رياضة لحمل أعباء النبوة، فإن راعيها يسوسها ويحوطها من المتالف المخوفة، كالجوع والعطش والسباع، ويكف عادية قويها عن ضعيفها، في منعها الرعي في مراتعها، وشرب الماء من مواردها، وإن القيام بذلك لسياسة يصعب معاناتها، ويشق على النفوس ملازمتها.
فإذا مرِن الإنسانُ عليها، وتهذبت بها أخلاقه، وصارت سيرة العدل والإحسان ملكة له، تأهل لسياسة العقلاء من البشر بحسن التدبير لهم، وإرشادهم إلى مصالحهم والأخذ بحجزاتهم عما يؤذيهم، والصبر على أذاهم، واحتمال الأفعال عنهم.
ولهذا- واللَّه أعلم- كانت الأنبياء صلوات اللَّه عليهم رعاة البهائم أولا، حكمة من اللَّه سبحانه لتتهذب أخلاقهم برعايتها، وتتهذب نفوسهم بسياستها، رياضة لقيامهم بأعباء النبوة، وصبرهم على ما يلقون فيها من مصاعب تكذيب المكذبين، ومشقات أذى المخالفين، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم". انتهى.
والحاصل:
أن الله تعالى اختار لأنبيائه رعي الغنم؛ لما فيه من تدريبهم على الصبر، والحلم، والشفقة، ومعرفة اختلاف الطباع، وحفظ الضعيف، وجمع المتفرق، وحماية الرعية من الأخطار، والتدرج في تحمل مسؤولية قيادة الأمم ودعوتها إلى الله تعالى.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟