الأربعاء 6 ربيع الأوّل 1440 - 14 نوفمبر 2018
العربية

مسلم ارتد إلى المسيحية لأجل الحصول على اللجوء في إحدى الدول الأجنبية لكنه يعتقد أنه مازال مسلما

تاريخ النشر : 18-01-2015

المشاهدات : 11633

السؤال


السؤال : قدّم أخي للجوء في إحدى الدول الأجنبية ، ولكي يحصل على حق اللجوء كان لا بد من أن يتحول إلى المسيحية ، فتسبب له ذلك بمشاكل من زوجته وأهلها الذين رفضوا التحدث إليه ، واعتبروا أن نكاحه لم يعد صحيحاً ؛ لأنه غيّر دينه ، أمّا هو فيصرُّ على أنه ما زال مسلماً وأنه ما أقدم على ما أقدم عليه إلا من أجل أن يساعد عائلته مالياً ، إن لديه عائلة مكونة من زوجته وطفلة في الخامسة من العمر ، ويريد أن يحضرهما للعيش معه بعد أن يستقر وضعه ، لكنه لم يستطع إقناع الزوجة وأبويها بما أقدم عليه وبأن الزواج ما زال قائماً .

فما نصيحتكم على ضوء الكتاب والسنة ؟

ملخص الجواب:

فالحاصل ؛ أن كل من صرّح بكلمة الكفر عامدا مختارا يكفر بذلك ، ويشتثنى من ذلك المكره فقط ، فلا يكفر ، والذي يتكلم بكلمة الكفر من أجل زيادة المال ليس مكرها . والمرتد إذا تاب من ردته وزوجته التي دخل بها مازالت في عدتها فله أن يرجعها ، أما إذا تاب بعد انتهاء عدتها ، فالأحوط أن يرجعها بعقد زواج جديد . والله أعلم .

نص الجواب


الحمد لله
قال الله تعالى :( مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النحل/106.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
" وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم ومن اتبعه ، فإنه جعل كل من تكلم بالكفر ، من أهل وعيد الكفار ، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .
فإن قيل: فقد قال تعالى: ( وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ) قيل : وهذا موافق لأولها فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا ، وإلا ناقض أول الآية آخرها ، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره ، وذلك يكون بلا إكراه ، لم يستثن المكره فقط ، بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره ، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعا فقد شرح بها صدرا وهي كفر .
وقد دل على ذلك قوله تعالى : ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ، وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ، لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) . فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم : إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له ، بل كنا نخوض ونلعب ، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر ، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام ، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام ".
انتهى من" مجموع الفتاوى " ( 7 / 220 ) ، وينظر أيضا : "الصارم المسلول" (524) .

فكل من صرّح بالكفر متعمدا مختارا : فإنه يكفر ، ولو كان ذلك لأجل تحصيل عرض من أعراض الدنيا ، فأكثر كفر الناس كذلك ، وإنما يستثنى من ذلك المكره ، فقط ، بشروط الإكراه .
قال القرطبي رحمه الله تعالى :
" أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل ، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ... " انتهى من " الجامع لأحكام القرآن " ( 12 / 435 ) .

لكن ما هو حدّ الإكراه ؟
تنوعت أقوال أهل العلم في تحديد الإكراه لكن تعود في مجملها إلى التهديد الحقيقي بالقتل أو إتلاف عضو من أعضائه أو تهديد المرأة بالزنا والرجل باللواط ونحو هذا .
جاء في " الموسوعة الفقهية الكويتية " ( 6 / 101 – 102 ) في شرائط الإكراه :
" أن يكون ما هدد به قتلا أو إتلاف عضو ، ولو بإذهاب قوته مع بقائه كإذهاب البصر، أو القدرة على البطش أو المشي مع بقاء أعضائها ، أو غيرهما مما يوجب غما يعدم الرضا ، ومنه تهديد المرأة بالزنا ، والرجل باللواط .
أما التهديد بالإجاعة ، فيتراوح بين هذا وذاك ، فلا يصير ملجئا إلا إذا بلغ الجوع بالمكرَه ( بالفتح ) حد خوف الهلاك ... " انتهى .

أما التصريح بالكفر لأجل تحسين الحالة المالية فلا يدخل قطعا في الإكراه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" تأملت المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراها " انتهى من " المستدرك على مجموع الفتاوى" (5/8) ، وينظر: " مجموع الفتاوى " ( 1 / 372 – 373 ) .

ثم إن من شروط الإكراه المعتبر : ألا يكون المكرَه قادرا على الهرب من المكرِه الذي يخوفه بعذابه أو عقابه ؛ فإما من كان قادرا ، ولم يفعل ، وبقي في مكانه حتى فتن عن دينه : فليس بمكره ؛ فكيف بمن ذهب بنفسه إلى مكان يفتن فيه عن دينه ؟!
قال الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ) النساء/97-99 .
قال الشيخ السعدي رحمه الله في " تفسيره " (195) :
" هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات ، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم ، ويقولون لهم: فِيمَ كُنْتُمْ أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم ، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين ، وفاتكم الخير الكثير ، والجهاد مع رسوله ، والكون مع المسلمين ، ومعاونتهم على أعدائهم .
قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْض أي: ضعفاء مقهورين مظلومين ، ليس لنا قدرة على الهجرة ، وهم غير صادقين في ذلك ، لأن الله وبخهم وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واستثنى المستضعفين حقيقة.
ولهذا قالت لهم الملائكة: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا وهذا استفهام تقرير، أي: قد تقرر عند كل أحد أن أرض الله واسعة ، فحيثما كان العبد في محل لا يتمكن فيه من إظهار دينه، فإن له متسعًا وفسحة من الأرض يتمكن فيها من عبادة الله " انتهى .

فعلى هذا الشخص أن يتوب إلى الله تعالى من هذا الجرم العظيم ، ويقلع عن هذه التصرفات .
وعليك أن تنصحه أن نعم الله تعالى لا تنال بمعصيته والكفر به ، وإنما تنال بالتقوى .
قال الله تعالى : ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) الطلاق/2-3.
قال الشيخ السعدي – رحمه الله تعالى - :
" فكل من اتقى الله تعالى ، ولازم مرضاة الله في جميع أحواله ، فإن الله يثيبه في الدنيا والآخرة ، ومن جملة ثوابه أن يجعل له فرجًا ومخرجًا من كل شدة ومشقة، وكما أن من اتقى الله ، جعل له فرجًا ومخرجًا ، فمن لم يتق الله ، وقع في الشدائد والآصار والأغلال ، التي لا يقدر على التخلص منها والخروج من تبعتها " .
انتهى من " تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " ( ص 1026 ) .
فالعيش السعيد ليس طريقه كثرة الأموال وإنما التقوى وحسن التوكل على الله تعالى وأن يعلم الإنسان أنه لن يموت حتى يستكمل رزقه الذي كتب له .
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيُّهَا النَّاسُ ! اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا ، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ . خُذُوا مَا حَلَّ ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ ) رواه ابن ماجه ( 2144 ) ، وصححه الألباني في " صحيح سنن ابن ماجه " ( 2 / 207 ) .

ثانيا : زوجة المرتد التي دخل بها زوجها قبل ردته لها حالتان :
الحالة الأولى : أن يتوب الزوج وهي في عدتها ، فلهما أن يعودا إلى بعضهما البعض بعد توبته إلى تعالى من غير عقد جديد ، كما رجّح ذلك جمع من أهل العلم .
قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى :
" سب الدين ردة عن الإسلام ، وكذلك سب القرآن وسب الرسول ردة عن الإسلام ، وكفر بعد الإيمان ، نعوذ بالله ، لكن لا يكون طلاقا للمرأة بل يفرق بينهما من دون طلاق ، فلا يكون طلاقا بل تحرم عليه لأنها مسلمة وهو كافر ، وتحرم عليه حتى يتوب فإن تاب وهي في العدة رجعت إليه من دون حاجة إلى شيء ، أي إذا تاب وأناب إلى الله رجعت إليه " .
انتهى من " فتاوى نور على الدرب للشيخ ابن باز " ( ص 140 طبعة الطيار ) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى :
" فإن الرجل إذا ارتد والعياذ بالله ينفسخ نكاحه ، إلا أن يتوب ويرجع إلى الإسلام قبل انقضاء العدة ، فإن نكاحه باقٍ ... " .
انتهى من " فتاوى نور على الدرب للشيخ ابن عثيمين " ( 19 / 2 ترقيم الشاملة ) .

الحالة الثانية : إذا تاب بعد انقضاء العدة ، فالجمهور على أنه لا رجعة له عليها ، وإنما يملك ذلك بعقد جديد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
" إذا ارتد ولم يعد إلى الإسلام حتى انقضت عدة امرأته ؛ فإنها تبين منه عند الأئمة الأربعة " انتهى من " مجموع الفتاوى " ( 32 / 190 ) .
قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى :
" فإن تاب بعد العدة وأراد أن يتزوجها فلا بأس ، ويكون بعقد جديد أحوط خروجا من خلاف العلماء ، وإلا فإن بعض أهل العلم يرى أنها تحل له بدون عقد جديد ، إذا كانت تختاره ، ولم تتزوج بعد العدة ، بل بقيت على حالها ، ولكن إذا عقد عقدا جديدا فهو أولى خروجا من خلاف جمهور أهل العلم ، فإن الأكثرين يقولون: متى خرجت من العدة بانت منه وصارت أجنبية لا تحل إلا بعقد جديد ، فالأولى والأحوط أن يعقد عقدا جديدا ، هذا إذا كانت قد خرجت من العدة قبل أن يتوب ، فأما إذا تاب وهي في العدة فهي زوجته ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الذين أسلموا بعد إسلام زوجاتهم على أنكحتهم قبل خروج زوجاتهم من العدة " .
انتهى من " فتاوى نور على الدرب طبعة الطيار " ( ص 140 ) .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات