الحمد لله.
أولا :
لا شك أن الوالدين ينفعهما عمل ابنهما الصالح – ذكرا كان أو أنثى - لأن ابنهما من
سعيهما وكسبهما ، وصلاحه من صلاحهما ، كما ينفعهما دعاؤه وشفاعته بإذن الله ، وهذا
من أسباب دخول الجنة ؛ فروى مسلم (1631) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ
عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ : إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ
يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ) .
وروى الإمام أحمد (10232) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ
وَجَلَّ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ :
يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ ؟ فَيَقُولُ : بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ ) . وصححه
الألباني في "صحيح الجامع" (1617) .
وروى أبو داود (3528) عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ
الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ ) .
وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" .
قال ابن باز رحمه الله :
" الدعاء للوالدين والاستغفار لهما والصدقة عنهما من جملة البر بعد الموت " .
انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (9 /368) .
وقال ابن عثيمين :
" ( أو ولد صالح يدعو له ) مبني على أن الولد الصالح الذي هو بضعة منه ، كأنه هو
نفسه ؛ ولهذا قال ( انقطع عمله إلا من ثلاث) فجعل دعاء الولد لأبيه من عمل الأب " .
انتهى من " فتاوى نور على الدرب " (111 /10-11) .
وقال أيضا :
" ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الأولاد الصغار الذين ماتوا وهم
صغار يكونون ستراً وحجاباً من النار لوالديهم ، وأما البالغون فيشفعون لآبائهم في
الحال التي يؤذن لهم فيها " انتهى من "فتاوى نور على الدرب" (12 /42) .
وقال الشيخ الألباني رحمه الله :
" ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة فإن لوالديه مثل أجره ، دون أن ينقص من
أجره شيء ؛ لأن الولد من سعيهما وكسبهما ، والله عز وجل يقول : ( وأن ليس للإنسان
إلا ما سعى ) النجم /39 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أطيب ما أكل
الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه ) " انتهى من "أحكام الجنائز" (ص 126، 217) .
وهذا كله من أسباب الفوز يوم القيامة بدخول الجنة ، إلا أن ذلك على وجه القطع لا
يعلمه إلا الله ، والمؤمن في الدنيا يأخذ بالأسباب الشرعية للفوز والنجاة ، ويحسن
الظن بالله تعالى .
ثانيا :
كونك تحفظين القرآن فهذا من أعظم ما منّ الله به عليك ، فعليك بشكر هذه النعمة
العظيمة بدوام المراجعة والمدارسة ، وإن صلحت نيتك في ذلك وعملت بالقرآن الذي
تحفظينه نفعك الله به أعظم النفع في الدنيا والآخرة إن شاء الله .
كما أن ذلك ينفع والدتك إن شاء الله تعالى – إذا كانت مسلمة - ؛ لما تقدم من أن
الولد من كسب والديه ، فإذا أحسنا تربيته أُجرا على ذلك بأوفر الأجر ؛ لأن من دعا
إلى هدى كان له مثل أجر من اتبعه دون أن ينقص من أجره شيئا .
ومن جملة هذا النفع للوالدين أن الله يلبسهما حُلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا .
فروى الإمام أحمد (22441) عن عَبْد اللَّهِ بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ :
كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ
يَقُولُ : ( ... وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ
يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ تَعْرِفُنِي
؟ فَيَقُولُ مَا أَعْرِفُكَ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ مَا
أَعْرِفُكَ فَيَقُولُ : أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي
الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ
تِجَارَتِهِ وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ . فَيُعْطَى
الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ
الْوَقَارِ ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ
الدُّنْيَا فَيَقُولَانِ : بِمَ كُسِينَا هَذِهِ ؟ فَيُقَالُ بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا
الْقُرْآنَ ) وذكره الألباني في "الصحيحة" (2829) .
وقوله : ( لا يقوم لهما أهل الدنيا ) وذلك لعظمة هذه الثياب وجلالتها .
وقيل : (لا يُقَوِّمُ لهما أهلُ الدنيا ) بكسر الواو المشددة ، والمعنى : " أي لا
يمكن لأهل الدنيا تحديد قيمتهما "
وضبطها بعض أهل العلم بتشديد الواو مع فتحها على صيغة المبني للمجهول ، والمعنى
حينئذ: لا يفي أهلُ الدنيا قيمتهما لو قُوِّمتا.
انظر " بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني" (3/3042) .
يراجع لمعرفة مزايا حافظ القرآن في الدنيا والآخرة جواب السؤال رقم (14035) .
ويراجع لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم (763) .
والله أعلم .