الثلاثاء 22 ربيع الأوّل 1441 - 19 نوفمبر 2019
العربية

هل ملك اليمين موجود إلى اليوم ؟

222559

تاريخ النشر : 17-01-2015

المشاهدات : 94894

السؤال


كنت اقرأ في كتاب "معارف الحديث" المجلد الرابع ، وجذب انتباهي أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كان لهم إماء ، وأن إحدى هذه الإماء ولدت للنبي صلى الله عليه وسلم صبياً لكنه مات في صغره ، شأنه في ذلك شان بقية أبناءه من الذكور ، وقرأت أيضاً أنه يجوز وطئ الجواري دون زواج ، سؤالي هو: هل ما زال هذا الأمر موجودا ؟ أي هل يمكن مثلاً شراء جارية في وقتنا هذا ووطئها ؟ أم أن هناك أحكام وقوانين محددة ؟ لأنني في الحقيقة انصدمت عندما قرأت هذه المعلومات ، لكنه الشرع ولا بد من قبوله .


الحمد لله
أولا :
يحمد لك قولك : " لكنه الشرع ، ولا بد من قبوله " فهكذا يكون حال المسلم ، إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يقول : سمعنا وأطعنا ، فيؤمن ويرضى ويسلم ويعلم أنه الحق ، قال تعالى : ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) النور/ 51، 52 .
وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) الأحزاب/ 36 .
ثانيا :
امتلاك الإماء ووطؤهن جائز بالكتاب والسنة وعمل الصحابة وإجماع المسلمين .
قال الله تعالى في صفات المؤمنين المفلحين : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) المؤمنون/5-7.
ينظر الفتوى رقم : (12562) .
ثالثا :
ينبغي أن يعلم أن الإسلام ليس هو من أتى بنظام الرق ، فالرق موجود في جميع الشرائع السماوية ، وقد جاء الإسلام والرق موجود عند النصارى واليهود والوثنيين والملحدين ... وجميع أصناف البشر .

ونظام الرق في الإسلام هو من محاسن هذا الدين ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بمعاملة الرقيق بالعدل والفضل والإحسان ، ورغَّب في العتق وجعله سببا للنجاة من النار ، وأوجب عتق العبيد في كثير من الكفارات ، وجعل ظلم السيد لعبده في بعض الأحوال سببا للعتق ... إلخ .
والأحاديث والآثار الحاثَّة على فضل العتق والترغيب فيه كثيرة .
وقد جعله الله تعالى أوَّل المكفِّرات ؛ لما فيه من محو الذنوب ، وتكفير الخطايا والآثام ، والأجر العظيم ، بقدر ما يترتَّب عليه من الإحسان .
قال الشيخ عبد الله البسام رحمه الله تعالى :
" فالإسلام لم يختص بالرقِّ ، بل كان منتشراً في جميع أقطار الأرض ، فهو عند الفرس ، والروم ، والبابليين ، واليونان وأقرَّه أساطينهم من أمثال أفلاطون ، وأرسطو.
وللرِّقِّ -عندهم- أسبابٌ متعدِّدة في الحرب ، والسبي ، والخطف ، واللصوصية ، بل يبيع أحدهم من تحت يده من الأولاد ، وبعضهم يعدُّون الفلاحين أرقاء ، وكانوا ينظرون إلى الأرقاء بعين الاحتقار والازدراء ؛ فكانوا يمتهنونهم في الأعمال القذرة ، والأعمال الشَّاقة ...
فلننظر في الرق في الإسلام:
أولاً : إن الإسلام ضيَّق مورد الرِّق؛ إذ جعل النَّاس كلهم أحراراً، لا يطرأ عليهم الرِّق إلاَّ بسببٍ واحدٍ ، وهو أنْ يؤسروا وهم كفَّار مقاتلون ، مع أنَّ الواجب على القائد أنْ يختار في المقاتلة من رجالهم الأصلح من الرق ، أو الفداء ، أو الإطلاق بلا فداء، حسب المصلحة العامَّة.
فهذا هو السبب وحده في الرق ، وهو سبب كما جاء في النقل الصحيح ؛ فإنَّه يوافق العقل الصحيح أيضاً:
فإنَّ من وقف في سبيل عقيدتي ودعوتي ، وأراد الحدَّ من حريتي ، وألَّب علىَّ ، وحاربني ، فجزاؤه أنْ أمسكه عندي ليفسح المجال أمامي وأمام دعوتي .
هذا هو سبب الرِّق في الإسلام ، لا النهب ، والسلب ، وبيع الأحرار، واستعبادهم ؛ كما هو عند الأمم الأخرى .
ثانياً: إنَّ الإسلام رفَقَ بالرقيق ، وَعَطَفَ عليهم ، وتوعَّد على تكليفهم وإرهاقهم ؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "الصَّلاة، وما ملكت أيمانكم" [رواه أحمد (11759)].
وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: " للمملوك طَعَامُهُ وقُوتُهُ، ولا يكلَّف من العمل مالا يطيق " [رواه مسلم].
بل إنَّ الإسلام رفع من قَدْرِ الرقيق حتَّى جعلهم إخوان أسيادهم ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "هم إخوانكم وخَوَلُكُمْ ، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم ، فإنْ كلفتموهم، فأعينوهم" [رواه البخاري (30) ومسلم (1661)].
ورفع من مقامهم عند مخاطبتهم حتَّى لا يشعروا بالضَّعَة؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتايَ وفتاتي" [رواه البخاري (3552) ومسلم (2249)].
كما أنَّ المقياس في الإسلام لكرامة الإنسان في الدنيا والآخرة لا يرجع إلى الأنساب والأعراق، وإنَّما يرجع إلى الكفاءات، والقيم المعنوية. ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[الحجرات: 13].
وقد بلغ شخصيات من الموالي -لفضلهم وقدرتهم- ما لم تبلغه ساداتهم ؛ إذ قادوا الجيوش، وساسوا الأُمم ، وتولَّوا الأعمال الجليلة بكفاءاتهم ، التي هي أصل مجدهم .
ومع ما رفع الشَّارع من مقام المملوك ، فإنَّ له تشوُّفاً، وتطلُّعاً إلى تحرير الرقاب وفكِّ أغلالهم:
فقد حثَّ على ذلك ، ووَعَدَ عليه النَّجاةَ من النَّار، والفوزَ بالجنَّة .
ثمَّ إنَّه جَعَلَ لتحريرهم عدَّة أسباب بعضها قهرية وبعضها اختيارية :
فمن القهرية :
- أنَّ مَن جَرَحَ مملوكه ، عَتَقَ عليه ، فقد جاء في الحديث أنَّ رجلاً جدع أنف غلامه، فقال صلى الله عليه وسلم: "اذهب فأنت حر، فقال: يارسول الله! فمولى من أنا؟ قال: مولى الله ورسوله" [رواه أحمد (6671)].
- ومن أعتق نصيبه من مملوك مشترك ، عَتَقَ نصيب شريكه قهراً ؛ كما في الحديث: "مَنْ أعتق شِرْكاً في مملوكٍ ، وجب عليه أنْ يُعْتِقَهُ كله" [رواه البخاري (2503)، ومسلم (1501)] على تفصيلٍ فيما يأتي.
- ومن ملك ذا رحمٍ محرم عليه ، عتق عليه قهراً ؛ لحديث: "من ملك ذا رحمٍ محرم ، فهو حرٌّ" [رواه أبو داود (3949) ، والترمذي (1365)].
فهذه أسبابٌ قهرية تزيل ملك السيد عن رقيقه خاصَّة في هذا الباب ؛ لما له من السراية الشرعية ، والنفوذ القوي الَّذي لم يُجْعَلْ في عتقه خيارٌ ولا رجعة .
ثمَّ إن المشرِّع -مع حثِّه على الإعتاق- جعله أوَّل الكفَّارات في التخلُّص من الآثام، والتحلُّل من الأيمان:
فالعتق هو الكفَّارة الأولى في الوطء في نهار رمضان، وفي الظهار، وفي الأيمان، وفي القتل الخطأ.
فكيف بعد هذا يأتي الغربيون والمستغربون، فيعيبون على الإسلام إقراره الرق، ويتشدَّقون بالحرية، والمناداة بحقوق الإنسان، وهم الَّذين استعبدوا الشعوب، وأذلُّوا الأمم، واسترقُّوهم في عُقْرِ دارهم، وأكلوا أموالهم ، واستحلُّوا ديارهم ؟!.
أفيرفعون رؤوسهم ، وهم الَّذين يعامِلون بعض الطبقات في بلادهم أدنى من معاملة العبيد؟!
فأيْنَ مساواة الإسلام ممَّا تفعله أمريكا بالزنوج ، الَّذين لا يُباحُ لهم دخول المدارس ، ولا تحل لهم الوظائف ، ويجعلونهم والحيوانات سواسية؟!
وأين رفق الإسلام وإحسانه ، ممَّا يفعله الغرب بأسارى الحرب الَّذين لا يزالون في المجاهل، والمتاهات ، والسجون المظلمة؟!
وأين دولةُ الإسلامِ الرحيمةُ التي جعلتِ النَّاسَ على اختلاف طبقاتهم، وأديانهم، وأجناسهم أمَّةً واحدةً، في مالها وما عليها، ممَّا فعلته "فرنسا" بأحرار الجزائر في بلادهم، وبين ذويهم؟!.
إنَّها دعاوَى بِاطلةٌ!!.
بعد هذا: أَلَمْ يأنِ للمصلحين ومحبِّي السلام أنْ يُبْعِدُوا عن أعينهم الغشاوة، فيراجعوا تعاليمَ الإسلام بتدبُّر وإنصافٍ ؛ ليجدوا ما فيه من سعادة الإنسانية في حاضرها ومستقبلها ؟.
اللهم، بَصِّرِ المصلحين بهذا الدِّين ؛ ليعلموا ما فيه من العزَّةِ وَالكرامة ، وما فيه من الرحمة والرأفة". انتهى من "توضيح الأحكام" (7/239).
فليس هناك أكمل ولا أحسن من تشريعات الإسلام في جميع المجالات ومنها : نظام الرق .
ولذلك ليس هناك ما يستدعي أن تصدم عند ما تقرأ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له بعض الإماء وكذلك الصحابة رضي الله عنهم ، بل ينبغي أن تفخر بأن نظام الإسلام هو الذي رد لهؤلاء العبيد إنسانيتهم وكرامتهم بعد أن كانوا يعاملون معاملة أقسى من معاملة الحيوانات .
رابعاً :
أما عن وجود الرق الآن ، فالله أعلم باستمرار وجوده ، وقد يكون موجوداً بصورة نادرة جداً في بعض البلاد .
وقد كان الرق موجوداً في عموم العالم ولم يتم إلغاؤه إلا منذ عشرات السنوات فقط ، حينما أصدرت الدول قوانين تمنعه .
وقد سئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله :
هل يجوز شراء الإماء من بعض الدول التي لا يزال بيع العبيد قائما بها وجلبها إلى هذه البلاد ومعاملتها معاملة الإماء؟
فأجاب :
" والله ما أدري عن بقاء الأرقاء ، أنا أخشى أنه حيل لكسب الدراهم ، أو أنه اغتصاب ، أنهم يغتصبون الصغار من الأحرار ، ويسترقونهم ، فإذا ثبت أنّ هذا رقيق فلا مانع ، إذا ثبت أنه من بيت رق ، وأن آباءه وأجداده أنهم أرقاء فلا مانع .
ولكن الأغلب إما حيلة ، وإما غصب ، فيخشى من هذا " انتهى .

والله أعلم .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات