الأربعاء 15 ذو القعدة 1440 - 17 يوليو 2019
العربية

أهم الأحكام المترتبة على خلوة الزوج بزوجته قبل الدخول بها .

268304

تاريخ النشر : 23-03-2017

المشاهدات : 17103

السؤال

ما هي الأحكام التي تترتب على خلوة الزوج بزوجته ، قبل أن يدخل بها ؟ وما هي شروط الخلوة المعتبرة في هذه الأحكام ؟

نص الجواب

الحمد لله

أولاً:

اتفق العلماء على أن الزوج إذا دخل بزوجته: استحقت المهر كاملا ، وإن طلقها فعليها العدة ، وله الرجعة عليها ما دامت في العدة ، ولم يكن الطلاق على مال بذلته المرأة (الخلع) ، ولم تكن الطلقة الثالثة .

واتفقوا أيضا على أن الزوج إذا طلق زوجته، قبل الدخول، وقبل الخلوة: أنها لا تستحق إلا نصف المهر ، ولا عدة عليها ، ولا رجعة له عليها .

وقد دل على ذلك القرآن الكريم ، والأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) الأحزاب/49 .

وقال تعالى : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) البقرة/237 .

وقال تعالى : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً) البقرة/227 .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن نكح امرأة نكاحًا فاسدًا بلا ولي : (فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا) رواه الترمذي (1102) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (1840) .

فإذا ثبت المهر بالدخول في النكاح الفاسد ، فثبوته في النكاح الصحيح من باب أولى .

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (4/169) :

"لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ، ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا وَقَدْ سَمَّى لَهَا [يعني : مهرًا] : أَنَّ لَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى كَامِلًا، وَالْمِيرَاثَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ" انتهى .

وقال ابن رشد في "بداية المجتهد" (2/19، 20) :

"اتفق العلماء على أن الصداق يجب كله ، بالدخول ، أو الموت.

أما وجوبه كله بالدخول فلقوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) .

وأما وجوبه بالموت فلا أعلم الآن فيه دليلا مسموعا، إلا انعقاد الإجماع على ذلك....

واتفقوا اتفاقا مجملا أنه إذا طلق قبل الدخول، وقد فرض صداقا: أنه يرجع عليها بنصف الصداق لقوله تعالى: (فنصف ما فرضتم) " انتهى .

ثانيا :

بعد هذا الاتفاق من العلماء على تلك المسائل اختلفوا فيما لو خلا الزوج بزوجته ، ولم يحصل دخول (جماع) : هل تُلحق الخلوة بالدخول في الأحكام السابقة كلها، أو في بعضها، أو لا تلحق في شيء من هذه الأحكام ؟

فذهب الإمام أحمد إلى أن الخلوة تلحق بالدخول في الأحكام الثلاثة السابقة، وهي : تقرر المهر كاملا للزوجة ، ووجوب العدة عليها ، وثبوت الرجعة للزوج ما دامت في العدة .

وذهب الإمام أبو حنيفة، وهو القديم من قولي الشافعي: إلى أنها تلحق بالدخول في الحكمين الأوليين فقط ، وهما: تقرر المهر ، ووجوب العدة .

أما الرجعة: فلا رجعة لزوجها عليها .

وذهب الإمام الشافعي في الجديد من قوليه: إلى أن الخلوة لا تلحق بالدخول في شيء من الأحكام ، واستدل بظاهر قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) ، وقوله تعالى : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) .

فظاهر هذا: أن الحكم معلق بالمَسيس، وهو الجماع .

وأما الإمام مالك ، فقد نقلت عنه عدة أقوال في هذه المسألة :

فنقل عنه ما يوافق قول أبي حنيفة .

ونقل عنه ما يوافق قول الشافعي .

ونقل عنه أن الخلوة بمجردها لا تلحق بالدخول، إلا إذا تطاولت فبقيت الزوجة عند الزوج مدة طويلة، ثم ادعى أنه لم يدخل بها ، فلا يقبل قوله .

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (4/169) :

"وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَخْلُو بِالْمَرْأَةِ ، وَلَمْ يُجَامِعْهَا حَتَّى فَارَقَهَا :

فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَمَالِكٌ: عَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ" انتهى .

وذكر في موضع آخر اختلاف علماء المذهب المالكي في ذلك فقال (6/168، 169) :

"هَلْ يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ بِوُجُودِ الْخَلْوَةِ أَمْ لَا؟

اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

يَسْتَقِرُّ بِمُجَرَّدِ الْخَلْوَةِ.

لَا يستقر إلا بالوطء.

يَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ فِي بَيْتِ الْإِهْدَاءِ.

التَّفْرِقَةُ بَيْنَ بَيْتِهِ وَبَيْتِهَا.

وَالصَّحِيحُ: اسْتِقْرَارُهُ بِالْخَلْوَةِ مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، قَالُوا: إِذَا خَلَا بِهَا خَلْوَةً صَحِيحَةً يَجِبُ كَمَالُ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةُ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا" انتهى .

والراجح في هذه المسألة : هو تقرر المهر، ووجوب العدة ، بهذه الخلوة ؛ وهذا هو المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم ، وهو كالإجماع منهم على ذلك ، فيما ذكر.

فقد ثبت ذلك عن عدد من كبار علمائهم ، كعمر بن الخطاب وعلي وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر .

بل استشار عمر رضي الله عنه عددا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فلم يختلفوا في وجوب المهر .

وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين الأربعة ، غير أن الإسناد ضعيف .

روى البيهقي في سننه عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه (قضى في المرأة يتزوجها الرجل: أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق) .

وعن الأحنف بن قيس أن عمر وعليا رضى الله عنهما قالا : (إذا أغلق بابا ، وأرخى سترا: فلها الصداق كاملا ، وعليها العدة) . قال الألباني في "إرواء الغليل" (1937) : "رجاله ثقات" .

وروى ابن المنذر في الأوسط (7273) عن الوليد بن أبي مالك قال: جمع عمر رضي الله عنه نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم معاذ بن جبل، فأجمع رأيهم: أنه إذا أغلق بابا، أو أرخى سترا، فقد وجب المهر.

وعن زرارة بن أوفى قال : (قضاء الخلفاء الراشدين المهديين : أنه من أغلق بابا ، وأرخى سترا فقد وجب الصداق والعدة) .

ولكن إسناد هذا الأثر ضعيف ، فإن زرارة من صغار التابعين (توفي سنة 93ه) ولم يدرك أحدا من الخلفاء الأربعة ، ولذلك قال البيهقي بعد إخراجه له : " هذا مرسل، زرارة لم يدركهم ، وقد رويناه عن عمر وعلى رضى الله عنهما موصولا" انتهى .

وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود ما يخالف هذا ، ولكنه لا يصح عنهما ، فقد ذكر ابن المنذر في الأوسط (8/384) أن إسنادهما ضعيف .

فكثرة هذه الآثار وشهرتها يعتبرها بعض العلماء إجماعا.

قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (10/154) :

"وَهَذِهِ قَضَايَا تَشْتَهِرُ ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا" انتهى .

وقال البهوتي الحنبلي رحمه الله في "كشاف القناع" (5/168) :

"وَهَذِهِ قَضَايَا اُشْتُهِرَتْ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ" انتهى .

ولا شك أن الصحابة رضي الله عنهم ، أعلم بمعاني القرآن ، وبأحكام الله تعالى ، فاتباعهم هو المتعين ما دامت هذه الأقوال قد اشتهرت عنهم، ولم يثبت عن أحد منهم ما يخالف هذا .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

"فإذا قال قائل: كيف يكون لها مهرا كاملا ، والآية علقت الحكم بالجماع؟ ولا شك أن هناك فرقاً ظاهراً بين الجماع والخلوة، فالجماع تلذذ بها، واستمتع بها، واستحل فرجها، فاستحقت المهر، لكن مجرد الخلوة لم يحصل له بها العوض كاملاً، فكيف تكون موجبة؟!

نقول: إن أكثر أهل العلم على هذا الرأي .

وحكي إجماع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ على ذلك : أنه إذا خلا بها فلها المهر كاملاً .

فجعلوا الخلوة كالجماع .

وقد ذكر عن الإمام أحمد رواية ينبغي أن تكون قاعدة، قال: لأنه استحل منها ما لا يحل لغيره، ولهذا قالوا: لو مسَّها بشهوة، أو نظر إلى شيء لا ينظر إليه إلا الزوج كالفرج، فإنها تستحق المهر كاملاً؛ لأنه استحل منها ما لا يحل لغيره .

وهذه الرواية هي المذهب، وهي أنه إذا استحل الزوج من امرأته ما لا يحل لغيره من جماع، أو خلوة، أو لمس، أو تقبيل، أو نظر إلى ما لا ينظر إليه سواه، كالفرج، فإن المهر يتقرر كاملاً.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن المهر يتقرر كاملاً بالجماع ، فقط، وقال: إن هذا ظاهر القرآن فلنأخذ به .

ولكن في النفس من هذا شيء؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أعلم منا بمقاصد القرآن، لا سيما في الأحكام الشرعية؛ لأن القرآن نزل في وقتهم وبلغتهم، وفهموه على ما يذهبون إليه .

وهذا قول جمهور أهل العلم أن الخلوة تلحق بالجماع" انتهى من الشرح الممتع (12/293، 294) .

وقال الطحاوي في "مشكل الآثار" (1/370) الشاملة:

"إرْخَاءُ السُّتُورِ ، وَإِغْلَاقُ الْأَبْوَابِ ، وَإِمْكَانُهَا زَوْجَهَا مِنْ نَفْسِهَا بِحَيْثُ لَا مَانِعَ لَهُ مِنْهَا: يُوجِبُ لَهَا الصَّدَاقَ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ بِهِ فِي حُكْمِ الْمُمَاسِّ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهَا .

فَقَدْ تَوَاتَرَتْ أَقْوَالُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، وَاتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّ الْإِمْكَانَ الَّذِي ذَكَرْنَا : يَكُونُ بِهِ الَّذِي مُكِّنَ مِنْهُ ، كَالْمُمَاسِّ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ، وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ سِوَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ .

فَإِنْ قَالَ : فَإِنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى خلاف هذا ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ )؛ وَكَانَ مَعْقُولًا بِذَلِكَ : أَنَّ مَنْ طَلَّقَ وَلَمْ يُمَاسَّ ؛ أَنَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُوَ نِصْفُ الصَّدَاقِ لَا كُلُّهُ .

قِيلَ لَهُ : إنَّ الَّذِينَ قَالُوا فِي هَذَا بِوُجُوبِ الصَّدَاقِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ: هُمْ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ ، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، وَلَحِقَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ كَاتِبُ الْوَحْيِ وَالْمُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ،  وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وَهُمْ يَعْرِفُونَ تَأْوِيلَهُ .

وَكَانَ بِمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ، يَسْتَعْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيُعْلِمُهُمْ بِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ ، وَفِي خِلَافِهِمْ تَجْهِيلٌ لَهُمْ ، وَالْخُرُوجُ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ إلَى مَا سِوَاهَا، مِمَّا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ .

مَعَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا فِي اللُّغَةِ، مَا قَدْ أَبَاحَ لَنَا أَنْ نُسَمِّيَ : مَنْ أَمْكَنَهُ الْمَسِيسُ ، وَلَمْ يُمَاسَّ : بِاسْمِ الْمَسِيسِ ؛ كَمَا سُمِّيَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، إمَّا إسْمَاعِيلُ وَإِمَّا إِسْحَاقُ : ذَبِيحًا ؛ لَا لِأَنَّهُ ذُبِحَ ، وَلَكِنْ لِمَا أَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَمْكَنَ أَبُوهُ ذَلِكَ مِنْهُ ؛ بِأَنْ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ : سُمِّيَ بِذَلِكَ ذَبِيحًا، وَإِنْ لَمْ يُذْبَحْ .

فَمِثْلُ ذَلِكَ : مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ إمْكَانِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا زَوْجَهَا مِنْ جِمَاعِهِ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ حَائِلٌ ، وَلَا لَهُ مِنْهُ مَانِعٌ ؛ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مُمَاسٍّ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَاسًّا لَهَا فِي الْحَقِيقَةِ ، وَتَدْخُلُ بِذَلِكَ فِي مَعْنَى الْمُطَلِّقِ بَعْدَ الْمَسِيسِ .

وَقَدْ وَجَدْنَا مَا قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ ...

[ ثم ذكر أن البائع إذا باع سلعة ومكن المشتري من قبضها ، وخلى بينه وبينها ، غير أن المشتري هو الذي لم يقبضها فأصابها شيء، فتلفت : أن تلفها يكون على المشتري ، لأن البائع قد فعل ما وجب عليه ، وهو تمكين المشتري من قبضها ، فكذلك المرأة فعلت ما وجب عليها] " انتهى .

وقال ابن رشد في "بداية المجتهد" (2/19، 20) :

"واختلفوا: هل من شرط وجوبه [يعني المهر] مع الدخول: المسيس ، أم ليس ذلك من شرطه، بل يجب بالدخول، والخلوة، وهو الذي يعنون بإرخاء الستور؟

فقال مالك والشافعي وداود: لا يجب بإرخاء الستور إلا نصف المهر، ما لم يكن المسيس.

وقال أبو حنيفة: يجب المهر بالخلوة نفسها؛ إلا أن يكون مُحْرِما، أو مريضا، أو صائما في رمضان، أو كانت المرأة حائضا.

وقال ابن أبي ليلى: يجب المهر كله بالدخول، ولم يشترط في ذلك شيئا.

وسبب اختلافهم في ذلك: معارضة حكم الصحابة في ذلك، لظاهر الكتاب .

وذلك أنه نص تبارك وتعالى في المدخول بها، المنكوحة: أنه ليس يجوز أن يؤخذ من صداقها شيء، في قوله تعالى: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض).

ونص في المطلقة قبل المسيس: أن لها نصف الصداق، فقال تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) .

وهذا نص كما ترى في حكم كل واحدة من هاتين الحالتين؛ أعني قبل المسيس، وبعد المسيس ؛ ولا وسط بينهما، فوجب بهذا، إيجابا ظاهرا: أن الصداق لا يجب إلا بالمسيس .

والمسيس ههنا: الظاهر من أمره أنه الجماع .

وقد يحتمل أن يحمل على أصله في اللغة، وهو المس، ولعل هذا هو الذي تأولت الصحابة، ولذلك قال مالك في العِنِّين المؤجل: إنه قد وجب لها الصداق عليه إذا وقع الطلاق، لطول مقامه معها ؛ فجعل له، دون الجماع، تأثيرا في إيجاب الصداق.

وأما الأحكام الواردة في ذلك عن الصحابة: فهو أن من أغلق بابا، أو أرخى سترا: فقد وجب عليه الصداق، لم يختلف عليهم في ذلك، فيما حكوا" انتهى .

ثالثا :

أما ثبوت الرجعة للزوج في تلك العدة: فلم ينقل عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك شيء . ولهذا اختلف الآخذون بأقوال الصحابة في هذا، في حكمها :

فذهب الحنفية إلى عدم ثبوت الرجعة للزوج، قالوا : لأن الرجعة يملكها الزوج إذا ملك زوجته ملكا تاما ، ولا يكون ذلك إلا بالدخول حقيقة، أما مجرد الخلوة فهي ملك قاصر ، فتلحق بالدخول في تقرر المهر، والعدة، دون الرجعة . انظر : "فتح القدير" (4/172) .

وذهب الإمام أحمد إلى ثبوت الرجعة للزوج ، لأنها فرع عن ثبوت العدة ، فمتى ثبتت العدة ، ثبتت الرجعة للزوج ، إلا إذا كان الطلاق على عوض تبذله المرأة (الخلع) ، أو كانت الطلقة الثالثة ، فلا رجعة للزوج في هاتين الحالتين .

واستدلوا بقوله تعالى : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً)؛ فأثبتت الآية حق الزوج في الرجعة، ما دامت مطلقته في العدة ، فمتى ثبتت العدة، ثبت حق الزوج في الرجعة .

قال ابن قدامة في "المغني" (10/369) :

"وَالْخَلْوَةُ: كَالْإِصَابَةِ ، فِي إثْبَاتِ الرَّجْعَةِ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي خَلَا بِهَا ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ : حُكْمُهَا حُكْمُ الدُّخُولِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا .

وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، فِي الْقَدِيمِ .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يُصِيبَهَا .

وَبِهِ قَالَ النُّعْمَانُ ، وَصَاحِبَاهُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُصَابَةٍ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ رَجْعَتَهَا ، كَغَيْرِ الَّتِي خَلَا بِهَا .

وَلَنَا قَوْله تَعَالَى : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) إلَى قَوْلِهِ : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) .

وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ لَا عِوَضَ فِيهِ، وَلَمْ تَسْتَوْفِ عَدَدَهُ ، فَثَبَتَ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، كَالْمُصَابَةِ ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ ، فَمَلَكَ رَجْعَتَهَا ، كَالَّتِي أَصَابَهَا .

وَفَارَقَ الَّتِي لَمْ يَخْلُ بِهَا ؛ فَإِنَّهَا بَائِنٌ مِنْهُ، لَا عِدَّةَ لَهَا ، وَلَا يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الرَّجْعَةُ لِلْمُعْتَدَّةِ الَّتِي يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ" انتهى .

وقال البهوتي في "كشاف القناع" (5/169) :

"وَحُكْمُ الْخَلْوَةِ: حُكْمُ الْوَطْءِ، فِي تَكْمِيلِ الْمَهْرِ ، وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ، وَفِي تَحْرِيمِ أُخْتِهَا إذَا طَلَّقَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَفِي تَحْرِيمِ أَرْبَعٍ سِوَاهَا إذَا طَلَّقَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَفِي ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ عَلَيْهَا فِي عِدَّتِهَا ، وَفِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْعُ وُجُوبِ الْعِدَّةِ" انتهى .

رابعا :

لماذا كانت الخلوة ملحقةً بالدخول في الأحكام السابقة ؟

الجواب :

الدليل الواضح في هذا : هو أقوال الصحابة رضي الله عنهم ، المشهورة في هذا ، والتي سبق نقل بعضها .

ثم اختلف العلماء في استنباط العلة من هذا :

فقيل : العلة هي أن الخلوة مظِنة الوطء ، أي : أنه إذا حصلت الخلوة، فإنه يغلب على الظن حصول الدخول الحقيقي ، فأقيمت غلبة الظن في هذا، مقام تحقق الدخول .

وقيل : لأن ردها بعد الخلوة، وقبل الدخول: كسر لقلبها ، وفيه شيء من الإهانة لها ، فجبر ذلك بتقرر المهر كاملا ، وليس نصفه .

قال ابن عقيل الحنبلي : "إنما قُررت لأحد أمرين : إما إجماع الصحابة، وإما لأن ردها بعد الخلوة ابتذال لها، وكسر؛ فوجب جبره بالمهر" انتهى .

وقيل : العلة هي أن المرأة حصل منها التمكين ، فقد فعلت ما وجب عليها ، فاستحقت المهر كاملا .

ومع أن هذه العلل : عامتها معقولة ، متجهة ؛ فقد نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم ، ما يقوي أن التعليل الأخير، وهو حصول التمكين من الزوجة ، هو مناط الحكم .

قال البيهقي رحمه الله  في "السنن الكبرى" (7/256) : "ظاهر ما روينا عن عمر وعلى رضى الله عنهما: يدل على أنهما جعلا الخلوة كالقبض في البيوع .

قال الشافعي رحمه الله : وروي عن عمر رضى الله عنه أنه قال : (ما ذنبهن أن جاء العجز من قبلكم؟)" انتهى .

وقال البهوتي في "كشاف القناع" (5/168) :

"وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُسْتَحَقَّ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهَا، فَيَسْتَقِرُّ بِهِ الْبَدَلُ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا، أَوْ كَمَا لَوْ أَجَّرَتْ دَارَهَا وَسَلَّمَتْهَا أَوْ بَاعَتْهَا" انتهى .

ومثل هذا قاله ابن قدامة أيضا في "المغني" (10/154) .

خامسا :

شروط الخلوة .

اتفق العلماء على أنه ليست كل خلوة تحصل بين الزوجين تكون ملحقة بالدخول ، بل المقصود بالخلوة هنا : التي يتمكن الزوج فيها من الاستمتاع بزوجته، بلا ممانعة منها .

ولذلك اتفقوا على أنه لابد لهذه الخلوة من شروط ، وكانوا قد اختلفوا في هذه الشروط اختلافا كبيرا ، غير أننا نذكر أهم تلك الشروط :

  1. أن لا يكون عندهما مميز ، لأن وجود شخص ثالث معهما يمنع الزوج من الاستمتاع .
  2. أن لا تمنعه نفسها .

قال ابن قدامة في المغني (11/157) : "وإن خلا بها فمنعته نفسها لم يكمل صداقها.. أومأ أحمد إلى أنها إذا نشزت عليه، أو منعته نفسها لا يكمل صداقها .

وذلك لأنه لم يوجد التمكين من جهتها ، فأشبه ما لو لم يخل بها " انتهى .

  1. أن يأمنا من اطلاع أحد عليهما . وعلى هذا ؛ فالخلوة في السيارة داخل المدينة ، أو الخلوة في محل، أو مكتب مفتوح الباب ، أو الخلوة في جانب من طريق عام ، أو الخلوة في بيت أهلها مع وجود بعض أهلها في البيت، وتمكنهم من الدخول عليها في أي وقت، أو مع فتح باب الغرفة .. ونحو ذلك : كل هذا لا يترتب عليه شيء ، من أحكام الخلوة السابقة.

جاء في "الموسوعة الفقهية" (19/271) في بيان مذهب الحنفية في شروط الخلوة التي تقرر المهر وتوجب العدة : "وَلاَ تَصِحُّ الْخَلْوَةُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالطَّرِيقِ ، وَالصَّحْرَاءِ ، وَعَلَى سَطْحٍ لاَ حِجَابَ عَلَيْهِ ؛ لأِنَّ الْمَسْجِدَ يَجْمَعُ النَّاسَ لِلصَّلاَةِ ، وَلاَ يُؤْمَنُ مِنَ الدُّخُول عَلَيْهِ سَاعَةً فَسَاعَةً ، ... وَالطَّرِيقُ مَمَرُّ النَّاسِ لاَ تَخْلُو عَنْهُمْ عَادَةً ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الاِنْقِبَاضَ فَيَمْنَعُ الْوَطْءَ ، وَكَذَا الصَّحْرَاءُ وَالسَّطْحُ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ ، لأِنَّ الإْنْسَانَ يَنْقَبِضُ عَنِ الْوَطْءِ فِي مِثْلِهِ لاِحْتِمَال أَنْ يَحْصُل هُنَاكَ ثَالِثٌ ، أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ أَحَدٌ" انتهى .

  1. أن يعلم بها ، فقد يكون الزوج مريضا أو مغمى عليه، فتزوره زوجته في المستشفى وتبقى معه في الغرفة ساعة أو نحوها لا يشعر بها ، فلا حكم لهذه الخلوة .

قال المرداوي الحنبلي رحمه الله في "الإنصاف" (21/227) :

"فعلى المذهب ، يتقرر المهر كاملا إن لم تمنعه؛ بشرط أن يعلم بها" انتهى .

وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في "الشرح الممتع" (13/322) :

"يشترط في الخلوة – يعني على مذهب الإمام أحمد - أن تكون المرأة مطاوعة، وأن يكون عالماً بها، وأن يكون قادراً على الوطء" انتهى .

فإذا توفرت هذه الشروط: كانت الخلوة ملحقة بالدخول في الأحكام السابقة .

وأما مجرد وجود الزوج والزوجة، خاليين في مكان لا يطلع عليهما فيه أحد: فلم يقل أحد من العلماء إن هذه الخلوة بمجردها تكون ملحقة بالدخول .

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن تيمية - رَحِمَهُ اللَّهُ -:

" إذَا خَلَا الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ ، فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا مِنْ الْوَطْءِ، وَلَمْ يَطَأْهَا؛ لَمْ يَسْتَقِرَّ مَهْرُهَا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد - الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُهُ: كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْبَرَكَاتِ وَغَيْرِهِمَا - وَغَيْرِهِ مَنَّ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.

وَإِذَا اعْتَرَفَتْ بِأَنَّهَا لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ وَطْئِهَا: لَمْ يَسْتَقِرَّ مَهْرُهَا بِاتِّفَاقِهِمْ.

وَلَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةٌ، مَا دَامَتْ كَذَلِكَ، بِاتِّفَاقِهِمْ. " انتهى، من مجموع الفتاوى (32/201).

وللتوسع في المسألة ينظر :

فتح القدير (4/172) ، بدائع الصنائع (3/191) ، رد المحتار (3/ 54) ، الاستذكار (5/433-437) ، الأوسط لابن المنذر (8/380-386) ، الأم (5/197) ، المجموع (18/ 126) ، كتاب العدد من الحاوي (1/370) ، المغني (10/153-157) ، الإنصاف (21/227-232) .

والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

والله أعلم . 

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات