الخميس 16 ذو القعدة 1440 - 18 يوليو 2019
العربية

حكم الإتمام بالمخالف في الفروع الفقهية

272366

تاريخ النشر : 23-04-2018

المشاهدات : 812

السؤال

هناك مسألة أشكلت علي ، أرجو التوضيح بارك الله فيكم : ولنضرب مثالا على مسألة نجاسة دم الآدمي ( الدم النازف من الجروح ) : ١ ) ‏الفريق الأول يرى نجاسة الدم ويعفى عن يسيره . ٢) الفريق الثاني يرى طهارة الدم . الفريق الثاني الذين يقولون بطهارة الدم سيصلُّون بالدم ولو كان كثيرا ، وعند الفريق الأول هذه الصلاة باطلة ، فلو كان القول الصحيح عند الله سبحانه وتعالى قول من قالوا بنجاسة الدم ، فما حكم صلاة من صلوا بهذه الدماء النجسة ؟ ومثل هذا الصلاة بالعطور الكحولية ... الخ ، وقس على هذا جُل المسائل الخلافية ، فآمل أن يكون سؤالي واضحا ، وأن ترشدونني إلى بعض الكتب التي تتكلم عن هذا الموضوع.

الحمد لله

المسائل الفقهية الاجتهادية لا تثريب على من قال ، أو عمل فيها ، بقول بعض العلماء المجتهدين ، ولا يلزم من اختلاف الحكم بين رأي الإمام والمأموم : بطلان صلاة أحدهما ، فكل واحد منها عمل بما يجب عليه شرعاً ، اجتهاداً أو تقليداً ، وهو معذور في ذلك ، سواء أكان قوله صواباً أم خطأ في نفس الأمر .

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام مهم في هذه المسألة، فقد سئل رحمه الله: أَهْل الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ: هَلْ تَصِحُّ صَلَاةُ بَعْضِهِمْ خَلْفَ بَعْضٍ؟ أَمْ لَا ؟

وَإِذَا فَعَلَ الْإِمَامُ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّ صَلَاتَهُ مَعَهُ صَحِيحَةٌ، وَالْمَأْمُومُ يَعْتَقِدُ خِلَافَ ذَلِكَ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ تَقَيَّأَ أَوْ رَعَفَ، أَوْ احْتَجَمَ، أَوْ مَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ مَسَّ النِّسَاءِ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، أَوْ قَهْقَهَ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ أَكَلَ لَحْمَ الْإِبِلِ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَالْمَأْمُومُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الْوُضُوءِ مِنْ ذَلِكَ.

أَوْ كَانَ الْإِمَامُ لَا يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ، أَوْ لَمْ يَتَشَهَّدْ التَّشَهُّدَ الْآخَرَ، أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالْمَأْمُومُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ ذَلِكَ فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَالْحَالُ هَذِهِ ؟

فقال:

" الْحَمْدُ لِلَّهِ ، نَعَمْ تَجُوزُ صَلَاةُ بَعْضِهِمْ خَلْفَ بَعْضٍ ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ : يُصَلِّي بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ، مَعَ تَنَازُعِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا.

وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ إنَّهُ لَا يُصَلِّي بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا.

وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: مِنْهُمْ مَنْ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْرَؤُهَا.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْهَرُ بِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَجْهَرُ بِهَا.

وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْنُتُ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَضَّأُ مِنْ الْحِجَامَةِ وَالرُّعَافِ وَالْقَيْءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ ذَلِكَ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الذَّكَر وَمَسِّ النِّسَاءِ بِشَهْوَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ ذَلِكَ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَضَّأُ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي صَلَاتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ ذَلِكَ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَضَّأُ مِنْ أَكْلِ لَحْمِ الْإِبِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ ذَلِكَ.

وَمَعَ هَذَا ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُصَلِّي خَلْفَ بَعْضٍ.

مِثْلَ مَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَقْرَءُونَ الْبَسْمَلَةَ لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا.

وَصَلَّى أَبُو يُوسُفَ خَلْفَ الرَّشِيدِ وَقَدْ احْتَجَمَ، وَأَفْتَاهُ مَالِكٌ بِأَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ، فَصَلَّى خَلْفَهُ أَبُو يُوسُفَ وَلَمْ يُعِدْ.

وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ الْحِجَامَةِ وَالرُّعَافِ، فَقِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ خَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، تُصَلِّي خَلْفَهُ ؟

فَقَالَ: كَيْفَ لَا أُصَلِّي خَلْفَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمَالِك!.

وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ لَهَا صُورَتَانِ:

إحْدَاهُمَا: أَنْ لَا يَعْرِفَ الْمَأْمُومُ أَنَّ إمَامَهُ فَعَلَ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ؛ فَهُنَا يُصَلِّي الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.

وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ مُتَقَدِّمٌ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ، فَزَعَمَ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْحَنَفِيِّ لَا تَصِحُّ ، وَإِنْ أَتَى بِالْوَاجِبَاتِ; لِأَنَّهُ أَدَّاهَا وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا.

وَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ ، إلَى أَنْ يُسْتَتَابَ ، كَمَا يُسْتَتَابُ أَهْلُ الْبِدَعِ : أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى أَنْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ، فَإِنَّهُ مَازَالَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ يُصَلِّي بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ....

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَيَقَّنَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ عِنْدَهُ.

مِثْلَ أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ النِّسَاءَ لِشَهْوَةٍ، أَوْ يَحْتَجِمَ، أَوْ يَفْتَصِدَ، أَوْ يَتَقَيَّأَ، ثُمَّ يُصَلِّيَ بِلَا وُضُوءٍ ؛ فَهَذِهِ الصُّورَةُ فِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ:

فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ ; لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ إمَامِهِ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ; بَلْ وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَأَكْثَرُ نُصُوصِ أَحْمَدَ عَلَى هَذَا.

وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ; لَمَّا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ).

فَقَدْ بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ خَطَأَ الْإِمَامِ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْمَأْمُومِ، وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ سَائِغٌ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَ، فَإِنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَوْ مُقَلِّدُ مُجْتَهِدٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ خَطَأَهُ، فَهُوَ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ إذَا لَمْ يُعِدْهَا....

وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ قَدْ فَعَلَ بِاجْتِهَادِهِ، فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. وَالْمَأْمُومُ قَدْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ= كَانَتْ صَلَاةُ كُلٍّ مِنْهُمَا صَحِيحَةً، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ أَدَّى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَقَدْ حَصَلَتْ مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ.

وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْإِمَامِ : خَطَأٌ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِمَامَ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا أَخْطَأَ فِيهِ، وَأَنْ لَا تَبْطُلَ صَلَاتُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ. ...وَاَللَّهُ أَعْلَمُ". انتهى بتصرف يسير من "مجموع الفتاوى" (23/375).

وقال ابن قدامة: " فإن علم أنه يترك ركناً أو شرطاً ، يعتقده المأموم دون الإمام :

فظاهر كلام أحمد : صحة الائتمام به.

قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن رجل صلى بقوم وعليه جلود الثعالب، فقال: إن كان يلبسه ، وهو يتأول: (أيما أهاب دبغ فقد طهر) : فيصلي خلفه.

قيل له: أفتراه أنت جائزا ؟

قال: لا، نحن لا نراه جائزا، ولكن إذا كان هو يتأول فلا بأس أن يصلي خلفه". انتهى من "المغني" (3/24) .

وفي "فتاوى اللجنة الدائمة" (8 / 34): " الاختلاف في الفروع : ليس له أثر في صحة صلاة بعض المختلفين خلف بعض" انتهى .

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (177830) .

والله أعلم

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات