الأحد 19 ذو القعدة 1440 - 21 يوليو 2019
العربية

مدى صحة القول؛ بأن الصحابة كان الواحد منهم يخطب الفتاة من نفسها ثم هي تخبر وليها

299448

تاريخ النشر : 15-06-2019

المشاهدات : 1127

السؤال

ذكر أحد الدعاة بإحدى فيديوهاته أن الصحابة كانوا عند الزواج يطلبون يد الفتاة مباشرة ، ما صحة هذا القول؟

الحمد لله

هذا الكلام له محملان:

المحمل الأول: أن يكون قصده أنّ هذه الصورة من الخطبة كانت عادة شائعة في ذلك الزمن ومعمولا بها.

فإن كان هذا هو المقصود : فلا شك أنه خطأ ، ويدل على خطئه أنه بعد فرض الحجاب ، كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على المباعدة بين الرجال والنساء حتى في المسجد ، وفي الطرقات ... حتى لا يقع الاختلاط الذي يجر إلى ما وراءه من المحرمات .

قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" وقد كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه التمييز بين الرجال والنساء، والمتأهلين والعزاب، فكان المندوب في الصلاة أن يكون الرجال في مقدم المسجد ، والنساء في مؤخره...

وكان إذا سلم لبث هنيهة هو والرجال، لينصرف النساء أولا؛ لئلا يختلط الرجال والنساء.

وكذلك يوم العيد كان النساء يصلين في ناحية، فكان إذا قضى الصلاة ، خطب الرجال، ثم ذهب فخطب النساء، فوعظهن وحثهن على الصدقة كما ثبت ذلك في الصحيح.

وقد كان عمر بن الخطاب ، وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قد قال عن أحد ابواب المسجد ، أظنه الباب الشرقي: لو تركنا هذا الباب للنساء، فما دخله عبد الله بن عمر حتى مات.

وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنساء: ( لا تحقُقْن الطريق، وامشين في حافته ) أي لا تمشين في حُقِّ الطريق، وهو وسطه...

وكذلك لما قدم المهاجرون المدينة: كان العزاب ينزلون دارا معروفة لهم ، متميزة عن دور المتأهلين، فلا ينزل العزب بين المتأهلين، وهذا كله لأن اختلاط أحد الصِّنفين بالآخر: سبب الفتنة " انتهى من "الاستقامة" (1 / 359 - 361).

وقد جاءت السنة وبينت أن المعمول به في ذلك العصر: أن المرأة كانت تُخطب من وليها .

ويدل لذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ولي المرأة أن لا يزوجها ، إلا أن يأخذ أمرها إذا كانت ثيبا ، ويستأذنها إذا كانت بكرا ، ولو كانت تخطب من نفسها لم يكن لهذا الحكم معنى .

عن أَبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ.

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟

قَالَ: (أَنْ تَسْكُتَ ) رواه البخاري (5136) ومسلم (1419).

وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها؛ أنها قالت: " سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا، أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نَعَمْ، تُسْتَأْمَرُ).

فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحِي.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَذَلِكَ إِذْنُهَا، إِذَا هِيَ سَكَتَتْ) " رواه البخاري (5137)  ، ومسلم (1420)، واللفظ له.

والمحمل الثاني:

أن يكون قصده أن هذا لم يكن عادة للصحابة رضي الله عنهم؛ وإنما قصده أن هناك بعض الحوادث والوقائع ، ورد فيها أن الخاطب واجه المرأة برغبته بالنكاح بدون حضور ولي لها .

فمثل هذه الصورة لا تستنكر، إذا وجدت الحاجة الداعية لذلك ، مع التمسك بالضوابط الشرعية في معاملة الرجل للمرأة الأجنبية أو حديثه معها ، فيكون الكلام بلا خلوة ، ولا يخشى منه الفتنة ، ومعلوم قطعا أنه لا يكون نتيجة لقاءات ومواعدات !!!

فإن الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم أطهر من أن يكون بينهم مثل هذه السقطات ، التي يترفع عنها الرجل ذو المروءة ، فضلا عن أفضل الخلق بعد الأنبياء رضي الله عنهم .

ومن الحاجة الداعية لذلك : أن تكون المرأة من المهاجرات ولا أهل لها في المدينة، كحديث سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ الأَسْلَمِيَّةِ: " أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ تَجَمَّلْتِ لِلْخُطَّابِ، تُرَجِّينَ النِّكَاحَ؟ فَإِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ... " رواه البخاري (3991) ، ومسلم (1485).

وكان أبو السنابل من الراغبين في الزواج بها، وسبب خطبتها بدون حضور وليها؛ هو أن أهلها كانوا غيبا.

ففي رواية عند الإمام مالك في "الموطأ" (2/ 589):

" فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا شَابٌّ، وَالْآخَرُ كَهْلٌ، فَحَطَّتْ إِلَى الشَّابِّ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لَمْ تَحِلِّي بَعْدُ، وَكَانَ أَهْلُهَا غَيَبًا، وَرَجَا إِذَا جَاءَ أَهْلُهَا أَنْ يُؤْثِرُوهُ بِهَا، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (قَدْ حَلَلْتِ ، فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ) ".

ويستحسن مطالعة الجواب رقم : (266483) حول هذا الحديث.

فوجود الحاجة المشروعة : يبيح مخاطبة الأجنبية بالمعروف ؛ لأن كلام الرجل مع النساء لم يحرم لذاته ، وإنما حرم لكونه وسيلة للفاحشة ويقود إليها .

فإذا وجدت حاجة مشروعة : جاز الكلام بقدر الحاجة ؛ كما دلّ على هذا قوله تعالى:

( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) الأحزاب/53 .

قال القرطبي رحمه الله تعالى:

" في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب، في حاجة تعرض، أو مسألة يستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى... " انتهى من " تفسير القرطبي" (17 / 208).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" ما نهى عنه لسد الذريعة : يباح للمصلحة الراجحة،  كما يباح النظر إلى المخطوبة، والسفر بها إذا خيف ضياعها، كسفرها من دار الحرب، مثل سفر أم كلثوم، وكسفر عائشة لما تخلفت مع صفوان بن المعطل، فإنه لم ينه عنه، إلا لأنه يفضي إلى المفسدة، فإذا كان مقتضيا للمصلحة الراجحة لم يكن مفضيا إلى المفسدة " انتهى من "مجموع الفتاوى" (23 / 186 - 187).

فإذا أبصر الشاب فتاة أعجبته ورغب في الزواج بها، وهو لا يعرف لها أهلا ولا عنوانا؛ فيشرع له مخاطبتها برغبته، ويطلب منها طريقة الوصول إلى وليّها، وهذا كله يجب أن يكون ضمن الحدود الشرعية؛ وهي:

أن يكون الكلام بقدر الحاجة ، كما تنص على هذا القاعدة الشرعية.

جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (16 / 258):

" أما ما شرع من الأحكام تخفيفا وترخيصا ، بسبب الأعذار الطارئة : فهو الذي يباح بالقدر الذي تندفع به الحاجة، وتزول الإباحة بزوال الحاجة " انتهى.

وأن لا يكون هذا اللقاء في خلوة بعيدا عن أعين الناس الذين يستحى منهم.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ: سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ) رواه البخاري (5233) ، ومسلم (1341).

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَ"طَبَنَا عُمَرُ بِالجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَقَالَ: ( ... أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ... ) رواه الترمذي (2165) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ "، وصححه الألباني في "ارواء الغليل" (6 / 215).

وأن يكون الكلام بالمعروف الذي لا يجر إلى باب المواعدة واللقاء.

قال الله تعالى:( فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ) الأحزاب /32.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" فقال: ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ) أي: في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون، فَتَلِنَّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع ( الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) أي: مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه، لأن قلبه غير صحيح ....

فهذا دليل على أن الوسائل، لها أحكام المقاصد.

فإن الخضوع بالقول، واللين فيه، في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم، منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال، أن لا تلِينَ لهم القول.

ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: ( وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ) أي: غير غليظ، ولا جاف، كما أنه ليس بِلَيِّنٍ خاضع " انتهى من "تفسير السعدي" (ص 663 - 664).

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات