الأحد 29 جمادى الآخرة 1441 - 23 فبراير 2020
العربية

بطلان عقيدة التثليث وبيان النص على التوحيد في العهدين القديم والجديد

302617

تاريخ النشر : 01-09-2019

المشاهدات : 1261

السؤال

أحد النصارى المبشرين بديانته الوثنية كنا في معرض الحديث عن وحدانية الله ، فأردف إلي بسؤاله مستشكلا توحيدنا برب الأرباب قائلا ، ما معنى كلمة الله واحد ؟ هل الواحد عددا ؟ وإذا كان عددا ، فكيف تقدر أن تعرف الواحد بدون الأعداد الباقية (٢،٣،٤.....الخ ) ؟ وألا يدل بأن الواحد عدد محدود بما قبله وبعده؟ أم تقصد الواحد نوعا ؟ وهنا أسئلك لماذا نفترض بأن التعددية ضمن نوعها (كالحق والخير والمحبة والعدل )؟ وماهو تفسيرك لصفات الله الواحد ، وهو خارج الخليقة ، بمعنى عندما نقول الله الواحد يمتلك صفات كودود ومريد وكريم وقادر وووو الخ ، كيف كان يمارسها ؟ مع من كان يمارسها ؟ وكيف تصبح صفة الودود والإرادة فاعلة بدون وجود فاعل ومفعول به ؟ ثم قال ولا تجعل إجابتك (ليس كمثله شي) ؛ لأن هذا بحد ذاته وصف ، وأيضآ لا تقل لي لا نعرف عنه شيئا ، فسوف يقودنا هذا المفهوم إلى الجهل بالخالق وطبيعته ، نوع لا يوجد به التعددية لنوع الواحد!! ، وأعطيك تشبيها ، وليس شبه ، أليس الإنسانية نوع واحد . انتهى كلامه ، ولأني موقن بأن هذا لا يعدو كونه سفسطة فجة ، يجارون بها قياس الإحراج من معتقدهم بالثليث الذي يناهض العقل ، آثرت إلا أن أسأل أهل العلم والفضل حتى تكون الإجابة محكمة.، فهل قياس وحدانية الذات على وحدانية الذات على المخلوق تستلزم التشبيه ؟

الحمد لله

أولا:

وحدانية الله تعالى أمر مركوز في الفطر السليمة، ودل عليها العقل والنقل؛ إذ لو كان للكون إلهان، فإما أن يختلفا، كأن يريد أحدهما إيجاد شيء ، ويريد الآخر إعدامه، فإن من تنفذ إرادته فهو الإله ، والآخر عاجز لا يكون إلها، ولا يمكن أن تنفذ إرادة الاثنين ، فيكون الشيء موجودا معدوما، ولا أن لا ينفذ مراد أحد منهما؛ لأن ذلك يدل على عجزهما معا.

وإما أن يتفقا: كأن يريدا إيجاد شيء معين.

فليس جائزا أن يوجِدا الشيءَ معا؛ لئلا يلزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد.

ولا يجوز أن يوجداه مرتباً، بأن يوجده أحدهما، ثم يوجده الآخر؛ لئلا يلزم تحصيل الحاصل.

ولا يجوز أن يوجد أحدهما البعض والآخر البعض؛ للزوم عجزهما حينئذ.

فصح عقلا أنه لا يمكن أن يكون للعالم إلهان.

وأما النقل، فإن الأنبياء الذين ثبتت نبوتهم بالمعجزات والآيات؛ قد أخبروا أن الرب إله واحد، وأنزل الله عليهم كتبه تقرر هذه الوحدانية، كما في القرآن الكريم، وفي العهد القديم، بل تقرير الوحدانية موجود في العهد الجديد أيضا.

قال الله تعالى:  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) 

وينظر للفائدة : جواب السؤال رقم : (13532)  .

ثانيا:

ونحن نجد تقرير وحدانية الله جل جلاله، في مواضع عديدة من كتبهم المقدسة، رغم ما وقع فيها من التحريف والتبديل لكلام رب العالمين:

ففي العهد القديم: ففي سفر التثنية 6/ 4: " اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِد".

وفيه 4/ 35: " إِنَّكَ قَدْ أُرِيتَ لِتَعْلَمَ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الإِلهُ. لَيْسَ آخَرَ سِوَاهُ" انتهى.

وأما العهد الجديد، فمع التحريف المتتابع، إلا أن فيه ما يثبت الوحدانية، ويدل على أن عيسى ليس إلها ولا ابن إله.

ففي يوحنا (17/ 3): " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوعَ المسيحَ الذي أرسلته".

وفي مرقص (13/ 32): " وأما ذلك اليوم ، وتلك الساعة : فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب".

فكيف يكون المسيح إلها وهو لا يعلم تلك الساعة ؟! وكيف يقول النصارى : إن الابن والآب متساويان في القدرة ؟!

 وفي متى (27/ 46): "ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: ايلي ايلي لما شبقتني؟ أي إلهي إلهي لماذا تركتني".

فلو كان إلها ، فكيف يستغيث بإله آخر، وكيف يصرخ ويتألم؟ وكيف يصدر عنه هذا القول: "لم تركتني؟" وهو النازل بزعمهم لأجل أن يصلب ؟!

وفي يوحنا (20/ 17): " قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني وإلهي وإلهكم".

وهذا نص صريح واضح في التسوية بين عيسى عليه السلام وبين سائر الناس، فهم جميعا أبناء الله - على المعنى المجازي- ، ويعبدون إلها واحدا هو الله. وهذا القول قاله المسيح قبل العروج بقليل ، مما يثبت أنه عليه السلام كان يصرح بأنه عبد الله وأن الله إلهه إلى آخر لحظة من بقائه في الأرض.

وينظر للفائدة ما سبق في جواب السؤال رقم : (12628) ، ورقم : (82361)  .

ثانيا:

العجب من محاورك أنه يشكك في الوحدانية، مع أن النصارى يدعون أنهم موحدون، وأن إثبات الأقانيم الثلاثة "الأب والابن وروح القدس" لا ينافي الوحدانية! كما ينصون على ذلك في قانون الإيمان.

جاء في "قاموس الكتاب المقدس" ص 232، 233 : "عرّف قانون الإيمان هذه العقيدة بالقول: "نؤمن بإله واحد الأب والابن والروح القدس، إله واحد، جوهر واحد، متساوون في القدرة والمجد" .

في طبيعة هذا الإله الواحد تظهر ثلاثة خواص أزلية، يعلنها الكتاب في صورة شخصيات (أقانيم) متساوية ... ويمكن أن نلخص العقيدة في هذه النقاط الست التالية:

الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص الله.

هؤلاء الثلاثة يصفهم الكتاب بطريقة تجعلهم شخصيات متميزة الواحدة عن الأخرى.

هذا التثليث في طبيعة الله ليس مؤقتا أو ظاهريا، بل أبدي وحقيقي.

هذا التثليث لا يعني ثلاثة آلهة ، بل إن هذه الشخصيات الثلاث جوهر واحد.

الشخصيات الثلاث - الأب والابن والروح القدس - : متساوون.

ولا يوجد تناقض في هذه العقيدة ، بل بالأحرى إنها تقدم لنا المفتاح لفهم باقي العقائد المسيحية ... والكلمة نفسها " التثليث أو الثالوث" لم ترد في الكتاب المقدس، ويُظن أن أول من صاغها واخترعها واستعملها هو ترتليان في القرن الثاني الميلادي".

ثم يقول المؤلفون: " وأخيرا نود أن نشير إلى أن عقيدة التثليث عقيدة سامية ترتفع فوق الإدراك البشري، ولا يدركها العقل مجردا !! لأنها ليست وليدة التفكير البشري بل هي إعلان سماوي يقدمه الوحي المقدس ويدعمه الاختيار المسيحي" انتهى من "قاموس الكتاب المقدس" ، تأليف نخبة من ذوي الاختصاص ومن اللاهوتيين.

ومن تأمل هذا الكلام أدنى تأمل : تبين له بطلان هذه العقيدة المخترعة، ومناقضتها للعقل والفطرة؛ إذ كيف يؤمن عاقل بأن ثلاثة متمايزين من الأزل إلى الأبد، متساوين في القدرة ، هم شخص واحد !

وأين هذا الوحي الذي تؤخذ منه هذه العقيدة، والنصارى يعلمون أنه لا وجود للإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام، وأن الأناجيل الأربعة فيها من التناقض والاختلاف ما ينتفي معه القول بأنها كتبت بالإلهام ، مع فقدان السند إلى أصحاب هذه الأناجيل.. ومع ذلك فليس في الأناجيل نص أو نصوص تثبت هذا الاعتقاد المفصل ، بما فيه من التناقض والاضطراب !

ثم يقال لهذا الذي يقول : لا نفهم طبيعة الإله ، ولا تقل لي : ليس كمثله شيء .. : عقيدة التثليث عقيدة سامية ترتفع فوق الإدراك البشري، ولا يدركها العقل مجردا !!

وهذا أمر يذكر عامة علمائهم، ومحاوريهم، إذا ضاق عليهم مجال النظر، ولم يمكنهم أن يشرحوا هرطقاتهم، وضلالاتهم.  

ونحن نشير إلى شيء من ضلالهم في نقاط:

1- يعتقد النصارى أن الابن هو كلمة الله المتجسدة ، وهو المسيح عليه السلام.

فيقال لهم: المتحد بالمسيح : إما أن يكون الكلام مع الذات ، أو الكلام بدون الذات.

فإن كان المتحد به: الكلام مع الذات، كان المسيح هو الأب ، وهذا باطل باتفاق النصارى.

وإن كان المتحد به هو الكلمة فقط ، فالكلمة صفة ، والصفة لا تقوم بغير المتكلم بها.

وأيضا: الصفة ليست إلها خالقا، والمسيح عندهم إله خالق، فبطل قولهم على التقديرين.

ويقال أيضا: هذا المتحد بناسوت المسيح ، إما أن يكونا بعد الاتحاد ذاتين، كما كانا قبل الاتحاد، فليس ذلك باتحاد.

وإما أن يقال: صارا جوهرا واحدا، وهذا يستلزم استحالة كل منهما، وانقلاب صفة كل منهما، فيلزم أن يكون اللاهوت استحال، وتبدلت صفته وحقيقته، والاستحالة لا تكون إلا بعدم شيء ووجود شيء آخر؛ فيلزم عدم شيء من القديم الواجب الوجود بنفسه، وهذا محال، فإن ما وجب قدمه، استحال عدمه.

 2- يعتقد النصاري: أن المسيح عليه السلام قام من بين الأموات وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهذا يقتضي أنهما ذاتان ، فكيف يقال بعد ذلك: إنهما شيء واحد !

3-يعتقد النصارى أن المسيح عليه السلام مات، ثم عاش ، فنقول لهم:

من أحياه؟ فإن قالوا : أحيى نفسه ؟ قلنا: محال أن يخلق الحياة من هو ميت.

وإن قالوا: أحياه غيره، وهو الذي أماته، لزمهم أن يكون المسيح عبدا مربوبا ، وهو المطلوب.

ولزمهم على كل تقدير أن يقولوا : هما اثنان في تلك اللحظة: حي وميت !

فهل في الوجود رجل صحيح العقل يقول عن اثنين، أحدهما حي ، والآخر ميت : إنهما شخص واحد !!

ثم ما مصير كلمة الله المتجسدة في المسيح حين صلب وتألم ، بل حين وضع في قبره، فما أعظم القبر الذي وسع كلمة الله !

 4-يقولون: إن المسيح الإله الحق : نزل من السماء.

فنقول: النازل إن كان هو الأب، فيلزم لحوق النقائص له، من الأكل والشرب والجوع والخوف.

وإن كان الكلمة التي هي العلم عندهم ، يلزم أن يبقى الباري تعالى بلا علم، لأن علمه نزل وتركه، أو يبقى عالما بعلم ليس قائما بذاته، وهو مستحيل ، فإن الصفة لا تقوم بغير الموصوف، وكل عاقل يعلم أن الإنسان أو غيره لا يعلم بعلم لم يقم به.

 5- يقولون عن المسيح : إنه أتقن العوالم وخلق كل شيء .

فيلزم أن يكون خلق أمه، فتكون أمه ولدت خالقها، وهو خلق أمه ، وهذا لا يقوله إلا مجنون.

6-يصفون الأب كذلك بأنه خالق كل شيء، فإن صح أن الأب خالق كل شيء ، فأي شيء بقي للابن ؟!

وإن كان الابن خالق كل شيء ، فأي شيء بقي للأب ؟!

وإن كان الخالق واحدا ، فكيف يقال: إنهما متساويان في القدرة ، متمايزان أزلا وأبدا ؟!!

ومعلوم لكل عاقل أنه لو قلنا: فلان يساوي فلانا، للزم ضرورة أن المساوي غير المساوَى.

فلا أضل ممن هذا اعتقاده، ولا أعجب منه إذا أراد أن يحاور غيره في التوحيد!

ثالثا:

هذا المحاور يخلط بين ما في الذهن، وبين ما في الخارج والوجود.

فكأنه يقول: إنه لا يمكنك تصور الواحد ، إلا بتصور الاثنين والثلاثة.

فيقال: هذا صحيح في الأعداد. وأما تصور الذوات، أي أن تتصور ذاتا واحدة، فلا يلزم حينئذ تصور ذات ثانية ، أو ثالثة. كما لو أردت أن تتصور "مريم واحدة" ؛ فلا تحتاج إلى تصور غيرها معها.

بل الذهن يمكنه افتراض وتصور أشياء مستحيلة، فيكف يعجز عن تصور ذات واحدة ، دون تصور غيرها؟!

والذي يهمنا هو ما في الخارج والوجود، فنحن نقول: ليس إلا إله واحد هو الرب الخالق، وما سواه فمخلوق.

وهو واحد بالذات ، أو بالشخص، وليس واحدا بالنوع؛ لأنه لا شبيه له ولا مثيل، فلا إله غيره، حتى يقال: إن الله واحد بالنوع، كما يقال في الإنسان مثلا، لوجود أفراد كثيرين يطلق عليهم "إنسان".

وأما الصفات، فالله تعالى موصوف بالصفات العظيمة، من الحياة والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والخلق والرّزق وغير ذلك.

ونحن نعتقد أن الله لم يكن معطلا عن الفعل، وأن هناك عوالم ومخلوقات لا نعلمها، وأنه سبحانه لم يزل خلاقا عليما.

وهذا المحاور لا يستفيد شيئا من هذه النقطة، فلو قال: إن الله ثلاثة، فيقال له: إلهك هذا أليس له صفات؟ فسيقول: بلى.

فيلزمه ما جاء في سؤاله، وهو أن يقال: كيف تصبح صفة [الودود] والإرادة فاعلة ، بدون وجود مفعول به؟!

فإما أن يقول كما قلنا: أن إلهه لم يزل خلاقا عليما. وإما أن يقول: كان معطلا، ثم خلق وتكلم وأراد، الخ.

وقد بان بهذا أن ما يظنه شبهات، هو أوهى من بيت العنكبوت.

ولا يمكن لنصراني أن يثبت في نقاشٍ "عقلي" في مسألة التثليث. ولهذا يلجأ إلى التشغيب والإلهاء ببعض الكلمات المموهة.

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (12634)

رابعا:

الذي ننصح به السائل وغيره ألا يدخل مجال الحوار مع أهل الأديان أو المذاهب المنحرفة، إلا بعد تحصيل العلم المؤهل لذلك، وإلا كان حواره فتنة لغيره، وربما أدى إلى فتنته هو.

ولهذا منع الفقهاء من النظر في كتب القوم إلا لمن يمكنه الرد عليها.

قال في "مطالب أولي النهى" (1/607) : "( ولا يجوز نظر في كتب أهل الكتاب نصا ) ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم غضب حين رأى مع عمر صحيفة من التوراة . وقال : أفي شك أنت يا ابن الخطاب " الحديث . ( ولا ) النظر في ( كتب أهل بدع ، و ) لا النظر في ( كتب مشتملة على حق وباطل , ولا روايتها ) . لما في ذلك من ضرر إفساد العقائد .

( ويتجه جواز نظر ) في كتب أهل البدع : لمن كان متضلعا من الكتاب والسنة، مع شدة تثبت ، وصلابة دين ، وجودة فطنة ، وقوة ذكاء واقتدار على استخراج الأدلة ، ( لرد عليهم ) وكشف أسرارهم ، وهتك أستارهم ، لئلا يغتر أهل الجهالة بتمويهاتهم الفاسدة ؛ فتختل عقائدهم الجامدة . وقد فعله أئمة من خيار المسلمين , وألزموا أهلها بما لم يفصحوا عنه جوابا . وكذلك نظروا في التوراة ، واستخرجوا منها ذكر نبينا من محلات ، وهو متجه " انتهى.

وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (3/ 311) : " الكتب السماوية السابقة : وقع فيها كثير من التحريف، والزيادة والنقص كما ذكر الله ذلك ، فلا يجوز للمسلم أن يقدم على قراءتها والاطلاع عليها إلا إذا كان من الراسخين في العلم ويريد بيان ما ورد فيها من التحريفات والتضارب بينها" انتهى.

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (197435) ، ورقم : (97726)  .

رزقنا الله وإياك العلم النافع والعمل الصالح.

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات