هل له أن يأخذ مالاً مقابل ضربه وإهانته أمام الناس ؟
أتاني مال نتيجة ضربي بالحذاء أمام جمع كبير من الناس ، وأقر هذا المال مجلس عرفي ، فما حكم هذا المال ؟ وهل لي أن أتصدق منه على الفقراء والمحتاجين ؟ وهل يحق لي تصريف أمور معيشتي من هذا المبلغ ؟
الجواب
الحمد لله.
أولاً :
لا حرج من التحاكم إلى تلك المجالس العرفية التي يعملها الناس لفض المنازعات
والخصومات ، بشرط أن يكون الحاكم فيها من أهل العلم بالشرع حتى يحكم بين الناس بما
أنزل الله ، لا بالأهواء والعادات والتقاليد التي كثيرا ما تكون مخالفة لحكم الله
تعالى ، فإن حكموا بما يوافق حكم الله فهو المطلوب ، وإن حكموا بما يخالف حكم الله
فلا عبرة بحكمهم ، وهو حكم باطل ، يجب رده ، قال تعالى : (أَفَحُكْمَ
الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ) المائدة/50
.
ثانياً :
اختلف العلماء في حكم " اللطمة " و "اللكمة" ونحوها ، هل توجب القصاص أم التعزير ؟
فذهب جمهورهم إلى أنها توجب التعزير وليس فيها القصاص ، والذي عليه الصحابة رضي
الله عنهم ، والمحققون من أهل العلم أنها توجب القصاص .
قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الديات ، تحت بَاب " إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ
مِنْ رَجُلٍ هَلْ يُعَاقِبُ أَوْ يَقْتَصُّ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ ؟ " :
"وَأَقَادَ (أي : اقتص) أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلِيٌّ وَسُوَيْدُ
بْنُ مُقَرِّنٍ مِنْ لَطْمَةٍ ، وَأَقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ ،
وَأَقَادَ عَلِيٌّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ ، وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ مِنْ سَوْطٍ
وَخُمُوشٍ (أي : جروح)". انتهى
وهذا القول هو الصحيح ، ومن نقل الإجماع على خلافه فما أصاب ، بل لو ادعى أحد إجماع
الصحابة على هذا الحكم لم يكن ذلك بعيداً .
قال ابن القيم رحمه الله :
"وقد اختلف الناس في هذه المسألة - وهي القصاص في اللطمة والضربة ونحوها مما لا
يمكن للمقتص أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كل وجه - هل يسوغ القصاص في ذلك ، أو
يعدل إلى عقوبته بجنس آخر وهو التعزير ؟ على قولين :
أصحهما : أنه شرع فيه القصاص ، وهو مذهب الخلفاء الراشدين ، ثبت ذلك عنهم ، حكاه
عنهم أحمد وأبو إسحاق الجوزجاني في " المترجم " ، ونص عليه الإمام أحمد ، قال شيخنا
رحمه الله (أي : ابن تيمية) : وهو قول جمهور السلف .
والقول الثاني : أنه لا يشرع فيه القصاص ، وهو المنقول عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة
وقول المتأخرين من أصحاب أحمد حتى حكى بعضهم الإجماع على أنه لا قصاص فيه ! وليس
كما زعم ، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه ؛
فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين ، ولا يعلم لهم مخالف فيه .
ومأخذ القولين : أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك ، فبقي النظر في أي الأمرين أقرب
إلى العدل ؟
فقال المانعون : المماثلة لا تمكن هنا ، فكأن العدل يقتضي العدول إلى جنس آخر ، وهو
التعزيز ؛ فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة ، ولهذا لا يجب في الجرح ، ولا في
القطع إلا إذا أمكنت المماثلة ، فإذا تعذرت في القطع والجرح : صرنا إلى الدية ،
فكذا في اللطمة ونحوها لما تعذرت صرنا إلى التعزير .
وقال المجوزون للقصاص : القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب والسنة والقياس والعدل من
التعزير، أما الكتاب فإن الله سبحانه قال : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وقال : ( فمن
اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) ، ومعلوم أن المماثلة مطلوبة بحسب
الإمكان ، واللطمة أشد مماثلة للطمة ، والضربة للضربة من التعزيز لها ؛ فإنه (أي :
التعزير) ضرب في غير الموضع ، غير مماثل لا في الصورة ولا في المحل ولا في القدر ،
فأنتم فررتم من تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين ، فصرتم إلى أعظم تفاوتا
منه بلا نص ولا قياس .
قالوا : وأما السنة [فذكر ابن القيم رحمه الله عدة أحاديث فيها إثبات القصاص في مثل
ذلك] ثم قال : ولو لم يكن في الباب إلا سنة الخلفاء الراشدين لكفى بها دليلا وحجة .
" حاشية ابن القيم على تهذيب سنن أبي داود "
( 7 / 336 ، 337 ) ، وانظر " الفتاوى الكبرى " ( 3 / 402 )
.
ثالثاً :
وإذا ثبت لك القصاص في الضربة التي وجهها لك الطرف الآخر : فإن لك أن تعفو عنه
بالمجان إن رأيته ندم واستغفر واعتذر وصلح حاله ، ولك أن تقتص منه بمثل ما فعل بك
دون تعدٍّ ولا ظلم ، ولك أن تعفو عن حقك في القصاص مقابل عوضٍ مادي ، يحكم لك به
القاضي الشرعي .
وإذا اقتصصتَ منه بمثل ما فعل بك فلا يجوز لك أن تأخذ مالاً مقابل الإهانة ؛ لأنك
أخذت حقك مماثلة ، كما أن العوض الذي يُحكم لك به إنما هو مقابل الضربة لا مقابل
الإهانة ؛ لأن الإهانة ضرر معنوي ، وهذا النوع من الضرر لا يجوز أخذ تعويض مالي
مقابله ، وعلى هذا عامة العلماء .
وقد جاء في قرار " مجمع الفقه الإسلامي " رقم 109 ( 3 / 12 ) بشأن موضوع " الشرط
الجزائي " ما نصه :
"الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي ... ولا يشمل الضرر الأدبي
أو المعنوي" انتهى .
وقد جاء في " الموسوعة الفقهية " ( 13 / 40 ) تحت عنوان " التعويض عن الأضرار
المعنوية " :
"لم نجد أحداً من الفقهاء عبَّر بـهذا ، وإنما هو تعبير حادث ، ولم نجد في الكتب
الفقهية أن أحداً من الفقهاء تكلم عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية"
انتهى .
والخلاصة :
أن حقك : القصاص ، أو العفو بالمجان - وهو أفضل إن كان ظهر من ذاك صلاح أو ندم ، أو
أخذ عوض عن حقك مقابل الضربة ، وإذا استوفيتَ حقك بالقصاص فلا حق لك بعد ذلك في
المال ، أما إذا كنت ستأخذ حقك مالاً فقط ـ وهو الظاهر من سؤالك ، فلا حرج عليك من
الانتفاع به لنفسك أو التصدق به .
والله أعلم