الاثنين 10 ذو القعدة 1439 - 23 يوليو 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


107236: ما المقصود بـ " محارم الله " ؟


السؤال : ما المقصود بمحارم الله ، وما هو انتهاك محارم الله الواردة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء ، فيجعلها الله هباء منثورا . قال ثوبان : يا رسول الله ! صفهم لنا ، جَلِّهِم لنا لا نكون منهم ونحن لا نعلم . قال : أما إنهم إخوانكم ، ومن جلدتكم ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) هل المقصود بانتهاك محارم الله الزنا ، وهل انتهاك محارم الله يستلزم الحد عملا بقول الله تعالى : ( والحرمات قصاص ) ؟ هل من ينتهك محارم الله ومات ولم يتب جزاؤه النار ؟ هل الخلوة والوقوع بالفاحشة هي انتهاك لمحارم الله ؟ هل الشخص الذي لا يغض البصر هو منتهك لمحارم الله ؟ وهل المرأة غير المتحجبة والمبتذلة في لبسها والمتعطرة التي تفتن شباب المسلمين هي منتهكه لمحارم الله ؟ هل انتهاك محارم الله المقصود به الخيانة الزوجية أخذا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أيما امرأة خلعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد برئت منها ذمة الله ورسوله ) وقوله أيضا : ( أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله ) ؟ هل من ينتهك محارم الله هو خائن لله وللرسول وللأمانة ؟ هل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اتق المحارم تكن أعبد الناس ) المقصود به هم الأقارب فقط ، أم أنه مصطلح عام يشمل المسلم والكافر ؟ هل محارم الله هي اقتراف السيئات وعدم التناهي عنها ، وهذا نجده في قول الله تعالى : ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) ؟ هل محارم الله اتباع الشهوات وترك العبادات ، وهذا نجده في قول الله تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا )

تم النشر بتاريخ: 2008-08-16

الجواب :
الحمد لله
محارم الله : هي كل ما حرمه الله تعالى من الصغائر والكبائر ، كالنظر والاختلاط والتبرج المحرم ، ومثله الزنا والربا والرشوة والظلم والسرقة والغيبة والنميمة ، ونقض ما أمر الله بالوفاء به ، وقطع ما أمر الله به أن يوصل ؛ فهو لفظ عام تدخل فيه المعاصي بجميع أنواعها . قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) الرعد:25 .
وقد جاء استعمال لفظ " محارم الله " في أحاديث كثيرة ، منها :
ما رواه الإمام مسلم في صحيحه برقم (2328) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ :
( مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ ، وَلَا امْرَأَةً ، وَلَا خَادِمًا ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )
ومنها ما رواه الإمام أحمد في "المسند" (4/182) عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ : أَيُّهَا النَّاسُ ! ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا ، وَلَا تَتَفَرَّجُوا ، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ : وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ ! فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ ) .
صححه الحاكم في "المستدرك" (1/144) على شرط مسلم، وكذا الذهبي في التلخيص، وحسنه محققو مسند أحمد، والشيخ الألباني في "صحيح الجامع" (3887) .

وأما حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَقُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ !
فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ :
اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا ، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ ) .
رواه أحمد (2/310) والترمذي (2305) والطبراني في "الأوسط" (7/125) وغيرهم من طريق جعفر بن سليمان عن أبي طارق عن الحسن عن أبي هريرة .
قال الطبراني : " لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا أبو طارق ، تفرد به جعفر بن سليمان " انتهى .
وقال الترمذي : " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان ، والحسن لم يسمع عن أبي هريرة شيئا ، هكذا روي عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا : لم يسمع الحسن من أبي هريرة ، وروى أبو عبيدة الناجي عن الحسن هذا الحديث قوله ، ولم يذكر فيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " انتهى .
وفيه علة أخرى هي جهالة أبي طارق السعدي ، إذ لم يرد فيه توثيق ولا تجريح عن أحد من أهل العلم ، فقال فيه الذهبي في "الميزان" (4/540) : " لا يعرف " انتهى .
ولبعض جمل هذا الحديث شواهد اقتضت تصحيح الحديث عند بعض أهل العلم ، كالشيخ الألباني رحمه الله في "السلسلة الصحيحة" (برقم/930)، غير أن جملة الشاهد وهي ( اتق المحارم تكن أعبد الناس ) لم يرد ما يشهد لها ، والله أعلم بالصواب .

يقول المناوي في "فيض القدير" (1/161) :
" أي : احذر الوقوع في جميع ما حرم الله عليك تكن أعبد الناس ، أي : مِن أعبدهم ، لما أنه يلزم من ترك المحارم فعل الفرائض ، فباتقاء المحارم تبقى الصحيفة نقية من التبعات ، فالقليل من التطوع مع ذلك ينمو وتعظم بركته ، فيصير ذلك المتقي من أكابر العباد ، وقال الذهبي : هنا والله تسكب العبرات ، فيلزم أن يكون بصيرا بكل واجب فيقوم به ، وعارفا بكل محرم فيجتنبه " انتهى بتصرف يسير .
وقد جاء في الكتاب الكريم من التحذير والترهيب من الوقوع في محارم الله ما يغني ويكفي ،
يقول الله تعالى : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) البقرة/229
ويقول عز وجل : ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ) النساء/14

على أننا ننبه أخانا الكريم على أن حديث ( اتق المحارم تكن أعبد الناس ) ليس له علاقة بالأقارب أو الأهل ، أو المسلم والكافر ؛ وإنما اختلط عليك المحارم المشار إليها في هذه الأحاديث وأمثالها ، والتي يقصد بها : ما حرمه الله على عباده ، والمحارم في باب النكاح ، كالأم والأخت ونحو ذلك ؛ وهذا لا علاقة له بما نحن فيه .

والله تعالى أعلم .
 

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا