الجمعة 7 جمادى الآخر 1439 - 23 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


127248: هاشمية من آل البيت تشعر بتميزها عن الناس وتعاملهم بما لا يليق !


السؤال: أنا عندي مشكلة وهي : أنا هاشمية ، ويرجع نسبي إلى " جعفر الطيار " ، وعندما أذهب إلى أناس ليسوا من آل البيت ، أو يقوم أحد بخطبتي ليس من آل البيت : أحس أنهم أقل منِّي ، وما أقدر أتحدث إليهم ، وإذا يوجد مجلس : أخرج منه ، ولكن والدي ، ومن حولي من أهلي ينصحوني ، هل هذا الشيء يعد تفاخراً ، وجاهلية ، ولكن الله قال في كتابه العزيز ( وجعلناكم شعوبا وقبائل ) ؟ .

تم النشر بتاريخ: 2009-02-01

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

اعلمي ـ يا أمة الله ـ أن أصل الناس جميعاً واحد ، وكل خلق الله من البشر فأبوهم آدم ، وأمهم حواء ، وقد ذكَّرنا الله تعالى بهذا في مواضع من كتابه ، وكذا جاء ذلك في السنَّة النبوية ، ومن الحكَم في ذلك : ترك التفاخر بالأنساب ، والتطاول على الناس ، وازدراؤهم .

وما جعل الله تعالى الناس شعوباً وقبائل إلا لأجل أن يعرف بعضهم بعضاً بتميز القبيلة والجنس ، كالتميز بالاسم ، لا لأجل التفاخر بعربيته ، أو بقبيلته ، أو بجنسه ، أو بلغته .

وكون الإنسان هاشميّاً لا يرفعه عند ربه تعالى ، وليس هو مجال المفاضلة بين الناس ؛ لأن نسب الإنسان وهبي من الله ليس كسبيّاً ، والكافر من بني هاشم سيكون حطب جهنم ، والعبد الأعجمي المسلم قد يكون مأواه الفردوس الأعلى .

وقد جمع الله تعالى تلك الأشياء الثلاثة في سياق واحد ، وآية واحدة ، هي نفس الآية التي وردت في سؤالك ، لكن يبدو أنك لم تتأمليها بما يكفي لفهمها .

قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات/ 13 .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله - :
" لمَّا كان قوله تعالى : ( إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى ) يدل على استواء الناس في الأصل ؛ لأن أباهم واحد ، وأمهم واحدة ، وكان في ذلك أكبر زاجر عن التفاخر بالأنساب ، وتطاول بعض الناس على بعض : بيَّن تعالى أنه جعلهم شعوباً ، وقبائل لأجل أن يتعارفوا ، أي : يعرف بعضُهم بعضاً ، ويتميز بعضهم عن بعض ، لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض ، ويتطاول عليه ، وذلك يدل على أن كون بعضهم أفضل من بعض ، وأكرم منه : إنما يكون بسبب آخر غير الأنساب ، وقد بيَّن الله ذلك هنا بقوله : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) فاتضح من هذا : أن الفضل ، والكرم ، إنما هو بتقوى الله ، لا بغيره من الانتساب إلى القبائل ، ولقد صدق من قال :

فقد رفع الإسلام سلمان فارس *** وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

وقد ذكروا أن سلمان رضي الله عنه كان يقول :

أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم

وهذه الآيات القرآنية ، تدل على أن دين الإسلام سماوي صحيح ، لا نظر فيه إلى الألوان ، ولا إلى العناصر ، ولا إلى الجهات ، وإنما المعتبر فيه : تقوى الله جل وعلا ، وطاعته ، فأكرم الناس ، وأفضلهم : أتقاهم لله ، ولا كرم ، ولا فضل لغير المتقي ، ولو كان رفيع النسب " انتهى .

" أضواء البيان " ( 7 / 417 ، 418 ) .

ثانياً :

ولا يشك مسلم أن الله تعالى قد فضَّل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بفضائل متعددة ، وأوجب علينا محبتهم ، ورعايتهم ، لكن ننبه على أن ذلك للمؤمن منهم ، لا لكل منتسب إليهم ، وأن هذه الفضائل لا تدعو للتفاخر ، بل تدعو لشكر المنعِم عز وجل ، واحترام الآخرين ، وتقدير تلك المحبة والرعاية منهم .

وفي جواب السؤال رقم (121948) بينَّا تلك الفضائل لآل البيت ، فلتنظر .

 

ولما كان الفخر بالأنساب من كبائر الذنوب : وجب عليك التنبه لنفسك في موقفك مع الآخرين ، وطريقة تعاملك معهم ، وقد ورد النهي عن التفاخر بالأنساب في أحاديث كثيرة  :

1. منها : حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآْبَاءِ ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلاَنِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ ) رواه الترمذي ( 3270 ) ، وأبو داود ( 5116 ) وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي " .

والعبية - بضم العين وكسرها - : الكبر والفخر ، الجِعلان : دويبة سوداء ، كالخنفساء تدير الخراء بأنفها .

قال المباركفوري – رحمه الله - :

" قال الخطَّابي : معناه : أن الناس رجلان : مؤمن تقي فهو الخيِّر الفاضل ، وإن لم يكن حسيباً في قومه ، وفاجر شقي فهو الدني وإن كان في أهله شريفاً رفيعاً . انتهى  .

وقيل : معناه أن المفتخر إما مؤمن تقي ، فإذن لا ينبغي له أن يتكبر على أحد ، أو فاجر شقي فهو ذليل عند الله ، والذليل لا يستحق التكبر ، فالتكبر منفي بكل حال " انتهى نقلاً من " تحفة الأحوذي " ( 10 / 317 ) .

2. ومنها : حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لاَ يَتْرُكُونَهُنَّ : الْفَخْرُ فِي الأَْحْسَابِ ، وَالطَّعْنُ فِي الأَْنْسَابِ ، وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ ، وَالنِّيَاحَةُ ) رواه مسلم ( 934 ) .
قال عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله - :

" ( أربع ) أي خصال أربع كائنة .

( في أمتي من أمر الجاهلية ) أي : من أفعال أهلها .

( الفخر في الأحساب ) أي : الشرف بالآباء ، والتعاظم بمناقبهم .

( والطعن في الأنساب ) أي : الوقوع فيها بنحو قدح ، أو ذم .

( والاستسقاء بالنجوم ) أي : اعتقاد أن نزول المطر بنجم كذا .

( والنياحة ) أي : رفع الصوت بندب الميت ، وتعديد شمائله .

فالأربع : محرَّمات ، ومع ذلك لا تتركها هذه الأمة ، أي : أكثرهم ، مع العلم بتحريمها " انتهى .

" التيسير بشرح الجامع الصغير " ( 1 / 273 ) .

 

فأعيدي النظر في طريقة تعاملك مع الناس ، ولا يحل لك ازدراء أحد من الناس ، وما أنتِ فيه من نعمة من انتسابك لأهل البيت ليس لك فيه كسب ، وإنما الفضل الحقيقي بما تعملينه ، وتكسبينه من الصالحات :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ) رواه مسلم (2699) .
قال النووي رحمه الله :

" مَعْنَاهُ : مَنْ كَانَ عَمَله نَاقِصًا , لَمْ يُلْحِقهُ بِمَرْتَبَةِ أَصْحَاب الْأَعْمَال , فَيَنْبَغِي أَلَّا يَتَّكِل عَلَى شَرَف النَّسَب , وَفَضِيلَة الْآبَاء , وَيُقَصِّر فِي الْعَمَل " انتهى من شرح صحيح مسلم .

 

وإن بقيتِ على حالك هذه : صارت تلك النعمة نقمة ، وخسرتِ أشياء كثيرة ، فتضيع عليك حسناتك ، وتأخذين سيئات غيرك ، وهذا هو عين الإفلاس :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

( لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ؛ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ ؛ التَّقْوَى هَاهُنَا ـ وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ . بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ) .

وليكن قدوتك سيد آل البيت جميعاً ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف كان يعامل الكبار ، وكيف كان رحيماً بالصغار ، وكيف كان يصبر على الأعراب ، ويقدِّم العجمي – كسلمان الفارسي لدينه – وليس في منهج حياته اعتبار لنسبه في تعامله مع الآخرين ، وهذه حياته بين يديك ، قلبي صفحاتها ، وتأملي معانيها ، واستغرقي في أحوالها : فلن تجدي حرفاً منها يماثل ، ولا يقارب ما أنت عليه من حال .

 

نسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى ، وأن ييسر أمرك ، ويهدي قلبك .

 

والله أعلم

 

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا