الأحد 9 جمادى الآخر 1439 - 25 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


200862: سؤال النبي صلى الله عليه وسلم والشكاية إليه بعد وفاته من الشرك الأكبر .


السؤال :
أنا من كيرلا ، وكتاب " مولد المنقوص " مشهور عندنا جدا ، ويقرؤه كل شخص فى منزله ، كي يلبي حاجاته ، ولكن هناك بعض الناس في "كيرلا" يسمون "السلفيين" ، يقولون : إن هذا الكتاب به الكثير من الشركيات .

وعلى سبيل المثال : " ارتكبت الخطايا ، لك أشكو يا سيدي يا خير النبيين" . هل هناك شرك في المقولة السابقة ؟ وهل ترديدها حرام ؟

تم النشر بتاريخ: 2013-08-18

الجواب :
الحمد لله
هذا الكتاب المشار إليه كتاب خرافات وخزعبلات وشركيات وبدع ، ألفه صاحبه ليدلل بالباطل على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي والغلو في النبي صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به وسؤاله من دون الله ، وكذلك غيره من الأنبياء والصالحين ، فحشد لذلك كثيرا من الأباطيل والأحاديث المكذوبة والنقول العجيبة ، ولو أردنا تتبعه ونقده ، لطال الأمر جدا ، ولكان كل سطر سطره فيه تقريبا يحتاج إلى تعقيب ورد .

ومن جملة هذه الأكاذيب المفتراة ما ذكره عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه كان يستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسأله من دون الله قائلا :
يا سيد السادات جئتك قاصدا ** أرجو رضاك وأحتمي بحماكا
والله يا خير الخلائق إن لي ** قلبا مشـــــــــــــــــوقا لا يروم سواكا
وبحق جاهك إنني بك مغرم ** والله يعلم أنني أهـــــــــــــواكا
يا أكرم الثقلين يا كنز الغنى ** جد لي بجودك وارضني برضاكا
أنا طامع بالجود منك ولم يكن** لأبي حنيفة في الأنام سواكا

كما ذكر عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال :
آل النبي ذريعتي ** وهمو إليه وسيلتي
أرجو بهم أعطى غدا ** بيدي اليمين صحيفتي

وهذا بلا شك من الكذب على هذين الإمامين الجليلين الموحدين ؛ وإلا فليثبت ذلك عن الإمامين بالإسناد الصحيح المتصل بهما ، أو حتى إسناد ضعيف مقارب ، يمكن أن ينقل به مثل ذلك ؛ وهيهات !!

ومن جملة ما ورد في هذا الكتاب من الشركيات قوله :
" اعلم أن الاستغاثة بأحباب الله تعالى ، كالأنبياء والأولياء والصالحين جائز في حياتهم وبعد مماتهم ... " .
إلى أن قال :
" فعلم بذلك أنه يجوز الاستغاثة بقوله : يا رسول الله أغثني " و " يا غوث يا محيي الدين عبد القادر الجيلاني " ونحوه " .
ومن جملة هذه الشركيات التي وردت في هذا الكتاب ما ذكره السائل : " ارتكبت الخطايا ، لك أشكو يا سيدى يا خير النبيين "
وهذا من الشرك الأكبر ، فإن التوبة من الخطايا إنما تكون لله وحده ، والشكاية من معرة الذنوب وآثارها إنما تكون لله وحده .
وقد تقدم في جواب السؤال رقم : (179363) أن قوله : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ ) مختص بحياته صلى الله عليه وسلم لا بعد وفاته .
قال الشيخ ابن باز رحمه الله :
" هذه الآية الكريمة فيها حث الأمة على المجيء إليه إذا ظلموا أنفسهم بشيء من المعاصي ، أو وقعوا فيما هو أكبر من ذلك من الشرك أن يجيئوا إليه تائبين نادمين حتى يستغفر لهم عليه الصلاة والسلام ، والمراد بهذا المجيء : المجيء إليه في حياته صلى الله عليه وسلم .
والمجيء إليه بعد موته لهذا الغرض غير مشروع ، والدليل على هذا أن الصحابة لم يفعلوا ذلك ، وهم أعلم الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأفقه الناس في دينه ، ولأنه عليه السلام لا يملك ذلك بعد وفاته " .
انتهى ملخصا من مجموع فتاوى ابن باز" (6/ 189-190) .
ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم وسؤاله من دون الله ، والاستغاثة به : شرك أكبر مخرج عن الملة ، فكيف بالاستغاثة بغيره .
قال علماء اللجنة الدائمة :
" دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ونداؤه والاستعانة به بعد موته ، في قضاء الحاجات وكشف الكربات : شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام " .
انتهى من" فتاوى اللجنة الدائمة " (1/ 473) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن دونه من الخلق شرك وضلال ؛ لأن هؤلاء لا يستطيعون أن يستجيبوا له ، والواجب على المرء أن يتوب إلى الله من هذا الشرك ، وألا يدعو إلا الله ، وكلنا نعلم أن رسول الله نفسه كان لا يملك نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ، وقد أمره الله تعالى أن يعلن ذلك لأمته ، فقال الله له : (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) الأعراف/188 ، وقال الله تعالى له آمرا أياه : ( قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ) الأنعام/50 ، وكان الرسول نفسه يدعو الله سبحانه لنفسه بالمغفرة والرحمة ، ويدعو لأصحابه كذلك ، ولو كان قادرا على أن يغفر لأحد أو يرحمه ما احتاج إلى دعاء الله سبحانه في هذا ، فكل الخلق مفتقرون إلى الله ، والله هو الغني الحميد ، كما قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) فاطر/15 ، ولولا أن الشيطان تلاعب بعقول هؤلاء وأفكارهم لعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره لا يملكون لأحد نفعا ولا ضرا ولا دعوا الله سبحانه وحده لا شريك له : ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) النمل/62 " .
انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (21/ 218-219) .

والحاصل أن حكاية الحال ، وشكاية الذنب ، والإقرار به ، والتوبة منه عند أحد من البشر ، وطلب الغوث والعون : كل هذا من الشرك بالله جل جلاله ، وإنما هذا باب من العبادات المحضة ، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى .
وفي صحيح مسلم (2577) عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى : ( يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَبَ إلَّا مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، لَا يُطْلَبُ ذَلِكَ لَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِغَيْرِ اللَّهِ : اغْفِرْ لِي وَاسْقِنَا الْغَيْثَ وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ، أَوْ اهْدِ قُلُوبَنَا وَنَحْوَ ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا رَوَى الطَّبَرَانِي فِي مُعْجَمِهِ : " أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَافِقٌ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالوا: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ . فَجَاءُوا إلَيْهِ فَقَالَ : ( إنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ ) " انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/ 329) .
راجع للاستزادة جواب السؤال رقم : (114142) .
والله تعالى أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا