الحمد لله.
أولاً :
السواك من السنن النبوية الثابتة التي ورد في فضلها والحث عليها أحاديث كثيرة ، وقد سبق بيان بعض من أحكامه في جواب السؤال : (2577) .
والأحاديث الواردة في فضل السواك والحث عليه : تشمل كلَّ آلةٍ يتم بها تنظيف الأسنان ، إذا تحقَّق بها المقصود ، ونوى التسنُّن بذلك ، وسواء تم ذلك بعود الأراك ، أو عود الزيتون ، أو النخيل أو غيره .
ويدخل في ذلك : " فرشاة الأسنان" حيث يتحقق بها دَلْك الأسنان وتنظيفها ، بل إن الفرشاة يتم بها تنظيف باطن الأسنان بسهولة ويسر ، مع اشتمالها على مواد مطهرة ومنظفة .
ويدل على دخولها في هذا الفضل أمور :
الأول :
أن كلمة "السواك" في أصل معناها اللغوي تطلق على عملية "دلك الأسنان" بغض النظر عن الآلة التي تستعمل في ذلك ، ثم قيل لما يستخدم في هذا الدلك : سواك ، وغلب إطلاقه عرفاً على : " عود الأراك ".
قال الزبيدي : " ساكَ
الشَّيءَ يَسُوكُه سَوْكًا : دَلَكَه ، ومِنْهُ أُخِذَ المِسواكُ " .
انتهى من " تاج العروس " (27/215) .
وقال ابن دقيق العيد : " السِّواك يُطلق ويُراد به : الفعل ، الذي هو المصدر ، ومنه
: ( السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ) ... ويقول الفقهاء :
السواك مستحب ، السواك ليس بواجب ، وغير ذلك مما لا يمكن أن يوصف به إلا الفعل .
ويُطلق ويراد به الآلة التي يُستاك بها " انتهى من " شرح الإلمام" (1/10) .
وقال ابن الأثير : "والْمِسْوَاكُ : مَا تُدْلَكُ بِهِ الأسْناَن مِنَ العِيدانِ ،
يُقَالُ سَاكَ فَاه يَسُوكُهُ : إِذَا دَلَكه بالسِّواك" انتهى من " النهاية في
غريب الحديث والأثر" (2/ 425).
وقال الإمام النووي : " السِّوَاك : هُوَ اسْتِعْمَال عود ، أَو نَحوه ، فِي
الْأَسْنَان لإِزَالَة الْوَسخ ، وَهُوَ من ساك ، إِذا دلك ، وَقيل من التساوك ،
وَهُوَ التمايل " .
انتهى من " تحرير ألفاظ التنبيه " (ص: 33) .
فالسواك : ليس محصوراً بعود الأراك كما قد يفهم البعض ، بل هو اسم لعملية دلك الأسنان وتنظيفها بأي آلة كانت ، ويطلق على أي عود يتم به تنظيف الأسنان ، ولم يقصره أهل اللغة على " عود الأراك".
الثاني :
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر في تسوكه على " عود الأراك " ، بل كان يتسوك
به - وهو الغالب - وبغيره أيضاً .
فمما ورد من استياكه بعود الأراك ما جاء عن عَبْدِ اللهِ بن مسعود قَالَ : " كُنْتُ
أَجْتَنِي لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَاكًا مِنَ
الْأَرَاكِ..." رواه أحمد (3991) ، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (9/ 209) واللفظ له
، وحسنه الألباني .
واستاك النبي صلى الله عليه
وسلم - كذلك - بعودٍ من النخيل .
فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ : " تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي ، وَفِي يَوْمِي ، وَبَيْنَ سَحْرِي
وَنَحْرِي ، وَكَانَتْ إِحْدَانَا تُعَوِّذُهُ بِدُعَاءٍ إِذَا مَرِضَ ، فَذَهَبْتُ
أُعَوِّذُهُ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَقَالَ : ( فِي الرَّفِيقِ
الأَعْلَى ، فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى ).
وَمَرَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ ،
فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَظَنَنْتُ أَنَّ
لَهُ بِهَا حَاجَةً ، فَأَخَذْتُهَا ، فَمَضَغْتُ رَأْسَهَا ، وَنَفَضْتُهَا ،
فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ ، فَاسْتَنَّ بِهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَ مُسْتَنًّا ،
ثُمَّ نَاوَلَنِيهَا ، فَسَقَطَتْ يَدُهُ ، أَوْ : سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ ، فَجَمَعَ
اللَّهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ
يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ " رواه البخاري (4451) .
" والْجَرِيدَةُ : غُصْنُ
النَّخْلِ " انتهى من " طلبة الطلبة " (ص: 161) .
وقال الفيومي : " وَالْجَرِيدُ : سَعَفُ النَّخْلِ ، الْوَاحِدَةُ جَرِيدَةٌ ،
وَإِنَّمَا تُسَمَّى جَرِيدَةً إذَا جُرِدَ عَنْهَا خُوصهَا " انتهى من " المصباح
المنير " (1/ 96).
الثالث :
أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر بالسواك لم يحدد لأصحابه شجرة معينة تؤخذ
منه ، وكانت العرب تستاك بأشياء كثيرة .
جاء في " البيان والتبيُّن " للجاحظ (3/ 77) : " قضبان المساويك : البشام ، والضّرو
، والعُتم والأراك ، والعرجون ، والجريد ، والإسحل " [ وكلها أسماء أشجار معروفة
عند العرب] .
وينظر أيضا : " مشكلات موطأ مالك بن أنس" للبطليوسي (ص: 72) .
قال ابن عبد البر : " وَكَانَ سِوَاكُ الْقَوْمِ : الْأَرَاكَ ، وَالْبَشَامَ ،
وَكُلَّ مَا يَجْلُو الْأَسْنَانَ وَلَا يُؤْذِيهَا وَيُطَيِّبُ نَكْهَةَ الفم :
فجائز الاستنان به " انتهى من " الاستذكار " (1/365) .
الرابع :
أن الفقهاء لم يقصروا حكم السواك على " عود الأراك " ، بل ذكروا أن التسوك يتحصل
بكل ما يتحقق به تنظيف الفم من عود خشنٍ ونحوه .
قال ابن عبد البر : " وَالسِّوَاكُ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ : هُوَ الْمَعْرُوفُ
عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَفِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَكَذَلِكَ الْأَرَاكُ وَالْبَشَامُ ، وَكُلُّ مَا يَجْلُو الْأَسْنَانَ " .
انتهى من" التمهيد" (7/ 201) .
وقال : " وَكُلُّ مَا جَلَا الْأَسْنَانَ ، وَلَمْ يُؤْذِهَا ، وَلَا كَانَ مِنْ
زِينَةِ النِّسَاءِ : فَجَائِزٌ الِاسْتِنَانُ بِهِ " انتهى من " التمهيد "
(11/213) .
وقال النووي : " وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَاكَ بِعُودٍ من أراك ، وبأي شئ اسْتَاكَ
، مِمَّا يُزِيلُ التَّغَيُّرَ : حَصَلَ السِّوَاكُ ، كَالْخِرْقَةِ الْخَشِنَةِ ،
وَالسَّعْدِ ، وَالْأُشْنَانِ " انتهى " شرح صحيح مسلم " (3/143) .
وقال العراقي : " وَأَصْلُ السُّنَّةِ تَتَأَدَّى بِكُلِّ خَشِنٍ يَصْلُحُ
لِإِزَالَةِ الْقَلَحِ [ أي صفرة الأسنان ] " .
انتهى "طرح التثريب " (2/ 67) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ عُودًا
لَيِّنًا يُطَيِّبُ الْفَمَ وَلَا يَضُرُّهُ ، وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ ،
كَالْأَرَاكِ وَالزَّيْتُونِ وَالْعُرْجُونِ " انتهى من " شرح عمدة الفقه " (1/
221) .
وقال الشيخ ابن عثيمين : " ويحصل الفضل بعود الأراك ، أو بغيره من كل عود يشابهه "
.
انتهى من " شرح رياض الصالحين" (5/226) .
ولم يقل أحد من أهل العلم ، فيما نعلم ، أن السواك قاصر على "عود الأراك" ، بل كلماتهم متوافرة على أن السواك يحصل بغيره مما يحقق المقصود .
الخامس:
أن السواك ليس عبادة محضة ، بل هو عبادة معقولة المعنى ، والمقصود منه تنظيف
الأسنان وتطييب رائحة الفم ، وهذا يتحقق بأي آلة تحقق المقصود .
قال شيخ الإسلام : " وَلِأَنَّ السِّوَاكَ إِنَّمَا شُرِعَ لِتَطْيِيبِ الْفَمِ
وَتَطْهِيرِهِ وَتَنْظِيفِهِ " .
انتهى من " شرح عمدة الفقه " (1/218) .
وبهذا يتبين :
أن الفضل الموعود به في النصوص الشرعية هو لعملية التسوك لا لآلة التسوك ، فليس هذا
الفضل لعود الأراك ؛ بل لعملية تنظيف الفم والأسنان .
قال في "عون المعبود " (1/ 46) : " وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى : الفعل والآلة ، والأول
هو المراد ها هنا ".
أي في الأحاديث الواردة في فضل السواك والحث عليه .
وسئل الشيخ ابن عثيمين : هل
استعمال معجون الأسنان يغني عن السواك ، وهل يثاب من استعمله بنية طهارة الفم ، أي
هل يعادل السواك في الأجر الذي رغب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يستاك ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: " نعم ؛ استعمال الفرشاة والمعجون يغني عن السواك ، بل وأشد
منه تنظيفاً وتطهيراً ، فإذا فعله الإنسان حصلت به السنة ؛ لأنه ليس العبرة بالأداة
، العبرة بالفعل والنتيجة ، والفرشاة والمعجون يحصل بها نتيجة أكبر من السواك
المجرد .
لكن هل نقول إنه ينبغي استعمال المعجون والفرشاة كلما استحب استعمال السواك ، أو
نقول إن هذا من باب الإسراف والتعمق ، ولعله يؤثر على الفم برائحة أو جرح أو ما
أشبه ذلك ؟ هذا ينظر فيه " انتهى من " فتاوى نور على الدرب للعثيمين " (7/ 2،
بترقيم الشاملة آليا)
ثانياً :
مع القول بإجزاء التسوك بالفرشاة ، وحصول الأجر بها مع النية ، إلا أن التسوك بـ
"عود الأراك" يبقى له ميزة التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، حيث إن عود
الأراك كان هو الغالب في استعمالهم ، فضلاً عن سهولة حمله والتنقل به في كل مكان
وحال ، واعتياد ذلك من غير نكير ولا شذوذ فيه ، بخلاف الفرشاة التي يتعذر استعمالها
في كل وقت ، لحاجتها إلى مكان مخصوص .
جاء في " الموسوعة الفقهية " (4/140) : " اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ
الأْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَهُ جَمِيعًا : الأْرَاكُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ
طِيبٍ ، وَرِيحٍ ، وَتَشْعِيرٍ يُخْرِجُ وَيُنَقِّي مَا بَيْنَ الأْسْنَانِ " انتهى
.
قال ابن علان : " وأولاه : الأراك ؛ للاتباع ، مع ما فيه من طيب طعم وريح ، وشعيرة
لطيفة تنقي ما بين الأسنان ، ثم بعده النخل ؛ لأنه آخر سواك استاك به صلى الله عليه
وسلم" .
انتهى من " دليل الفالحين " (6/ 658) .
وقال الشيخ عطية محمد سالم : " إذا نظرنا إلى الغرض من استعمال السواك ، وهو كما في
الحديث : ( مطهرة للفم مرضاة للرب ) فأي شيء طهَّر الفم فإنه يؤدي المهمة ، ولكن ما
كان عليه السلف فهو أولى وأصح طبياً " انتهى من " شرح بلوغ المرام " (13/ 5، بترقيم
الشاملة آليا) .
وللاستزادة ينظر جواب السؤال : (115282) ففيه بيان فوائد عود الأراك الطبية .
والله أعلم .
تعليق