الأربعاء 14 صفر 1443 - 22 سبتمبر 2021
العربية

إشكال حول سماع الملائكة للقرآن وهم في السماء

234342

تاريخ النشر : 12-10-2015

المشاهدات : 30705

السؤال


الملائكة تحبّ القرآن وسماعه ، ومنهم من يتنزل من السماء حين يقرأ القرآن ، هل هذا يدل على سماع الملائكة للأصوات من مسافات كبيرة ، لست من هواة البحث في الغيبيات ، لكن أخاف أن أشرك مع الله أحدا في صفاته، لأنني أعلم أن من دعا غائباً أو دعا ميتاً وهو بعيد عن قبره ، وهو يعتقد أن هذا المدعو يسمع كلامه، أو يعلم بحاله فقد وقع في الشرك الأكبر، سواء أكان هذا المدعو نبياً أو ولياً، أم عبداً صالحاً أم غيرهم ، فهل تسمع الملائكة القرآن وهي في السماء؟

الجواب

الحمد لله.


الحديث الذي سألت عنه هو :
عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ : " أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ بَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً يَقْرَأُ فِي مِرْبَدِه ِ، إِذْ جَالَتْ فَرَسُهُ ، فَقَرَأَ ، ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى ، فَقَرَأَ ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا ، قَالَ أُسَيْد ٌ: فَخَشِيتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فَوْقَ رَأْسِي فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ ، عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا ، قَالَ : فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ بَيْنَمَا أَنَا الْبَارِحَةَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ أَقْرَأُ فِي مِرْبَدِي ، إِذْ جَالَتْ فَرَسِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرٍ ) ، قَالَ : فَقَرَأْتُ ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرٍ ) ، قَالَ : فَقَرَأْت ُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرٍ ) قَالَ : فَانْصَرَفْتُ ، وَكَانَ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا ، خَشِيتُ أَنْ تَطَأَهُ ، فَرَأَيْتُ مِثْلَ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُج ِ، عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ ) : .
رواه البخاري (5018) ، ومسلم (796) واللفظ له .

وهذا الحديث ، وما يشبهه ، ليس فيه أن الملائكة يسمعون تلاوة العبد ، وهم في السماء ، بل فيه أن الملائكة نزلوا ، حتى كانوا مثل الظلة ، وهو ما يستظل به الإنسان ، وهو يدل على أنهم صاروا قريبين منه جدا ، بحيث يسمعونه سماعا ، لا إشكال فيه ، ولا استبعاد له ، حتى لو كان من بشر ، في مثل مسافتهم ؛ فكيف إذا كانوا ملائكة الله .

ومن الملائكة من ينزل من السماء ، يغشى الناس في مجالسهم ، يلتمسون حلق الذكر ، ومجالس العلم .
عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - ، قَالَ : قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ للهِ تَعَالَى مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ ، فإذا وَجَدُوا قَوْمَاً يَذْكُرُونَ اللهَ - عز وجل - ، تَنَادَوْا : هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِم إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَيَسْألُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أعْلَم - : مَا يقولُ عِبَادي ؟ قَالَ : يقولون : يُسَبِّحُونَكَ ، ويُكبِّرُونَكَ ، وَيَحْمَدُونَكَ ، ويُمَجِّدُونَكَ ، فيقول : هَلْ رَأَوْنِي ؟ فيقولونَ : لا واللهِ مَا رَأَوْكَ . فيقولُ : كَيْفَ لَوْ رَأوْني ؟! قَالَ : يقُولُونَ : لَوْ رَأوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً ، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيداً ، وأكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحاً ، فَيقُولُ : فماذا يَسْألونَ ؟ قَالَ : يقُولُونَ : يَسْألُونَكَ الجَنَّةَ ، قَالَ : يقولُ : وَهل رَأَوْها ؟ قَالَ : يقولون : لا واللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا . قَالَ : يقول : فَكيفَ لَوْ رَأوْهَا ؟ قَالَ : يقولون : لَوْ أنَّهُمْ رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصاً ، وأشدَّ لَهَا طَلَباً ، وأعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً ، قَالَ : فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ ؟ قَالَ : يقولون : يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ ؛ قَالَ : فيقولُ : وَهَلْ رَأوْهَا ؟ قَالَ : يقولون : لا واللهِ مَا رَأوْهَا ، فيقولُ : كَيْفَ لَوْ رَأوْهَا ؟! قَالَ : يقولون : لَوْ رَأوْهَا كانوا أشَدَّ مِنْهَا فِرَاراً ، وأشَدَّ لَهَا مَخَافَةً . قَالَ : فيقولُ : فَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم ، قَالَ : يقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ : فِيهم فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ ، إنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ ، قَالَ : هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ) . متفق عَلَيْهِ .
وعنه وعن أَبي سعيدٍ رضي الله عنهما ، قالا : قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يَقْعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللهَ - عز وجل - إِلاَّ حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ؛ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ) رواه مسلم .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، معلومة .
وفي هذا كله : ما يدل على أنهم ينزلون من السماء ، يستمعون لمجالس الذكر والتلاوة .

والملائكة من عالم الغيب فلا يمكن القطع بكيفية سماعهم هذا ، فالله تعالى – يسمعهم الصوت من غير أن نعلم كيفيته -، ويشبه هذا علم الملائكة بما ينويه الإنسان من خير أو شر .

وإذا افترضنا أنهم يسمعون قراءة الناس ، وهم في السماء ؛ فليس هذا بأعجب من علمهم بما يهم العبد به ، فيكتبونه ، بأمر الله لهم بذلك .
فيقال هنا أيضا : إن الله قادر على أن يسمع الملائكة ما يقوله العبد كيف يشاء .

وقد سُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" عن قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا هم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة .... ) الحديث . فإذا كان الهم سرا بين العبد وبين ربه فكيف تطلع الملائكة عليه ؟
فأجاب : "الحمد لله ، قد روي عن سفيان بن عيينة فى جواب هذه المسألة قال : " إنه إذا هم بحسنة شم الملك رائحة طيبة ، وإذا هم بسيئة شم رائحة خبيثة " .
والتحقيق : أن الله قادر أن يعلم الملائكة بما فى نفس العبد كيف شاء " .
انتهى من " مجموع الفتاوى " (4 / 253) .

ثانيا :
هناك فرق بين السماع الذي يثبته المشركون لمعبوداتهم ، وبين سماع الملائكة هذا :
الفرق الأول : أنه ، إذا افترضنا أن النص الشرعي يدل على هذا السماع ، فيكون سماع الملائكة ـ حينئذ ـ قد أثبته النص الشرعي ، أمّا السماع الذي يدعيه المشركون لمعبوداتهم من الغائبين والموتى ، فهو سماع نفاه الشرع والحس ، بل هو قول على الله بغير علم .
الفرق الثاني : سماع الملائكة هو تصرف من تصرفات الله تعالى في هذا الكون ، فإثباته إثبات لكمال ربوبية الله تعالى وألوهيته ، لأن الذي أسمعهم ذلك هو الله ، وتنزلت الملائكة لاستماع القرآن والذكر بأمر الله .
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ : (أَلاَ تَزُورُنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا ؟ ) ، قَالَ : فَنَزَلَتْ : ( وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ، لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا )" سورة مريم /64 ، رواه البخاري (3218) .
أما السماع الذي يدّعيه المشركون لمعبوداتهم : فهو سماع شركي ، لأنهم ينسبون لهم ، بناء على هذا السماع ، بعض التصرفات التي هي خاصة بالله تعالى ، لا يشاركه فيها أحد من خلقه ، من العطاء والمنع ، والخفض والرفع ، وغفران الذنوب ، وكشف الكروب ، ونحو ذلك .
والغائب والميت ، حتى لو فرضنا ـ جدلا ـ أنه يسمع من يناديه ، فهو لا يملك إجابته ، لأن هذا من خصائص الربوبية .
قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ، إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) فاطر /13 – 14 .

والله أعلم .

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب