الأحد 21 رمضان 1440 - 26 مايو 2019
العربية

هل يحرك السبابة عند رفعها في تشهد الصلاة؟

275034

تاريخ النشر : 28-04-2019

المشاهدات : 786

السؤال

هل حديث وائل بن حجر الذي يتحدث عن مسألة رفع السبابة بين السجدتين ثابت ؟ وإذا كان ذلك ، فهل هو شاذ ، ويؤخذ به ؟ ومسألة تحريك السبابة في التشهدين يقول الألباني : ـ ويستشهد بحديث وائل بن حجر لقوله يحركها يدعو بها ـ أن التحريك هنا ليس خفض ورفع ، ولكن نقبض الأصابع (الخنصر ، والبنصر ، والوسطى ، والإبهام) ، ونوجّه السبابة نحو القبلة ، ويكون تحريكها بهزّ السبابة عند الدعاء .

ملخص الجواب:

لم يثبت حديث يدل على سنية تحريك الأصبع في التشهد ولا بين السجدتين، وإنما الثابت في السنة الإشارة بالأصبع اثناء التشهد فقط.  

الحمد لله 

أولاً:

ورد في كيفية وضع اليد اليمنى حال التشهد في الصلاة هيئتان:

الأولى: أن يعقد الخنصر والبنصر، ويرسل السبابة، ويحلق الإبهام والوسطى.

ويدل على هذه الهيئة ما رواه النسائي (1268) عن وائل بن حُجْرٍ في وصفه لصلاة النبي صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم قال: "... ثُمَّ قَعَدَ وَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ وَرُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَبَضَ اثْنَتَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ ..".

والثَّانية: أن يقبض جميع الأصابع إلا السبابة، ويجعل الإبهام على الوسطى.

ويدل على ذلك ما رواه مسلم (579) من حديث عبد الله بن الزبير قال: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ " .

ومثله ما أخرجه مسلم (580) من حديث عبد اللَّه بن عمر: " أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاة وَضَعَ يَده الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَته الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَة وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ " .

" وَعَقَدَ ثَلَاثَة وَخَمْسِينَ " قال الملا علي القاري موضحا كيفية عقد الثلاثة والخمسين: "يقبض الوسطى والبنصر والخنصر، ويضع رأس إبهامه على حرف مفصل الوسطى الأوسط".

انتهى من "تزيين العبارة لتحسين الإشارة " (صـ 66).

وللمصلي أن يتخير من هاتين الصفتين ما يريد، فكلاهما ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الملا علي القاري: "ينبغي للسالك أن يأتي بأحدهما مرة، وبالآخرى مرة ، فإنه بالتحري أحرى"  انتهى من "تزيين العبارة لتحسين الإشارة " (صـ 66).

قال النووي: "وكيف فعل من هذه الهيئات، فقد أتى بالسنة" انتهى من "المجموع" (3/454).

وكذلك ذكر الشيخ الألباني في "صفة الصلاة" ، والشيخ العثيمين في "الشرح الممتع".

ثانياً:

الذي عليه جماهير أهل العلم: أن الإشارة بالإصبع السبّابة تكون في جلوس التشهد فقط، وأما في غيره فتكون اليدان على الفخذين.

وذهب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، اتباعاً لقول لابن القيم في زاد المعاد: إلى أن الإشارة تكون في الجلوس بين السجدتين أيضا.

والصواب في هذه المسألة : ما ذهب إليه جماهير أهل العلم ، وعليه عمل الناس، على اختلاف مذاهبهم .

قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى:

" ولم يصرح بمشروعية الإِشارة بين السجدتين أَحد من علماء السلف، وَلَمْ تُعْقد أَي ترجمة على مقتضاها، وعمل المسلمين المتوارث على عدم الإِشارة والتحريك بين السجدتين" انتهى من "لا جديد في أحكام الصلاة" (ص 41).

وينظر جواب السؤال رقم : (279700).

وقد وردت رواية في تحريك السبابة بين السجدتين، ولكنها شاذة، قال الشيخ الألباني رحمه الله:

"رأيت بعضهم يحرك إصبعه بين السجدتين، وعمدته في ذلك أن ابن القيم ذكره في زاد المعاد"، كما ذكر التحريك في التشهد، ولا أعلم له فيه مستندا سوى رواية شاذة في حديث وائل هذا، فوجب تحرير القول في ذلك، فأقول:

اعلم أن هذا الحديث يرويه عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل.

ويرويه عن عاصم جمع من الثقات، وقد اتفقوا جميعا على ذكر رفع السبابة فيه .

لكنهم انقسموا إلى ثلاث فئات من حيث تعيين مكان الرفع:

الأولى: أطلق ولم يحدد المكان، منهم زائدة بن قدامة وبشر بن المفضل وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وإن كان ظاهر سياقهم يدل على أنه في التشهد.

الثانية: صرحوا بأنه في جلسة التشهد، منهم ابن عيينة وشعبة وأبو الأحوص وزهير بن معاوية وموسى بن أبي كثير وأبو عوانة .

وخالف هؤلاء جميعا عبد الرزاق في روايته عن الثوري فقال: عن الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: " رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فرفع يديه في الصلاة حين كبر ... ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، وذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته ... ثم سجد فكانت يداه حذو أذنيه ".

فذكره السجدة الثانية، بعد الإشارة بالسبابة: خطأ واضح، لمخالفته لرواية كل من سبق ذكره من الثقات، فإنهم جميعا لم يذكروا السجدة بعد الإشارة، وبعضهم ذكرها قبلها، وهو الصواب يقينا، وإنما لم يذكروا معها السجدة الثانية اختصارا " انتهى من "تمام المنة" (ص: 214)

فبان بذلك أن ذكر تحريك السبابة بين السجدتين: شاذ لا يصح، وقد تفرد به عبد الرزاق عن الثوري ، مخالفا لجميع الثقات الذين رووا هذا الحديث عن عاصم بن كليب .

وإذا جلس المصلي بين السجدتين، أو في التشهد فإنه ينبغي أن ينظر إلى سبابته، وبعض العلماء يقول: ينظر إلى حجره .

وينظر جواب السؤال رقم : (149172) .

ثالثاً:

يسن للمصلي في الجلوس للتشهد: الإشارة بأصبع السبابة اليمنى، ويبدأ بالإشارة من وقت جلوسه للتشهد حتى يفرغ منه.

ويدل على ذلك أن الأحاديث الواردة في ذلك لم تقيده بوقت معين، وإنما قيدته بالجلوس في الصلاة كما في حديث ابن الزبير وابن عمر السابقين.

وهل يحركها عند الرفع بالإشارة ؟.

الذي عليه جمهور العلماء: أنه لا يسن للمصلي تحريك إصبعه في التشهد، بل يشير بها من غير تحريك.

ينظر: "المغني" (2/432)، "المجموع" (3/454)، "الإنصاف" (2/434)، "تزيين العبارة لتحسين الإشارة" للقاري (صـ 48).

وقيل: يستحب تحريكها (وهو رواية عند المالكية، ومذهبهم: أنه يحركها في جميع التشهد يمينا وشمالا دائما، لا لأعلى ولا لأسفل). ينظر: "شرح مختصر خليل" للخرشي (3/423).

واستدل من قال بسنية التحريك بحديث وائل بن حُجر رضى الله عنه، أنه وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر وضع اليدين في التشهد فقال: " ثُمَّ قَبَضَ اثْنَتَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا". رواه النسائي (889) وصححه الألباني.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن لفظة ( يحركها ) في الحديث: شاذة لا يحتج بها، وذلك لأن الحديث قد جاء من طريق عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر رضي الله عنه.

وقد رواه عن عاصم بن كليب جمع من الحفاظ والثقات الأثبات، نحو من ثلاثة عشر، منهم : سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وبشر بن المُفضّل، وأبو الأحوص سلَّام بن سُليم، وعبد الواحد بن زياد، وزهير بن معاوية، وأبو عَوانه اليشكري 

كل هؤلاء الثقات الأثبات الحفاظ: رووه عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر رضي الله عنه ، ولم يذكروا هذه الزيادة ( يحركها ) .

وقد زاد هذه الزيادة: زائدة بن قدامة كما عند النسائي (889) ، وأبي داود ( 727 ).

وهو ـ أي زائدة ـ وإن كان ثقة ثبتاً، إلا أنه قد خالف من هو أحفظ منه، وأثبت وأتقن، بل وأكثر منه عدداً . ولم يتابع زائدة على هذه الزيادة أحد ممن روى هذا الحديث .

ولهذا قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله (2 /354) مبيناً تفرد زائدة بهذه الزيادة: "ليس في شيء من الأخبار: (يحركها) ؛ إلا في هذا الخبر، زائدة ذكره".

وعلى القول بصحة لفظة (يحركها)؛ فليس معناها – على مذهب الجمهور - : تكرار تحريكها، بل المقصود بها مجرد الإشارة.

قال صاحب عون المعبود : "وَالْجُمْهُور: عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّحْرِيكِ هَاهُنَا الرَّفْع، لَا غَيْر".

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالتَّحْرِيكِ: الْإِشَارَةُ بِهَا، لَا تَكْرِيرُ تَحْرِيكِهَا ".

رابعاً:

ينبغي ألا تأخذ هذه المسائل الفرعية الاجتهادية أكثر من حقها في البحث والوقت، ويكفي المسلم أن يأخذ بقول عالم ممن يثق بعلمه، من علماء أهل السنة، ولا يكثر على نفسه في هذا الشأن، ولا يطيل البحث، والتنقير، ويكثر من السؤال، والتردد على فتاوى العلماء، والجدال والنقاش ، الذي ربما وصل بالبعض إلى النزاع والشجار .

فالمسألة اجتهادية خلافية ، والأقوال فيها إنما تتعلق بفرع يسير من فروع هيئات الصلاة ، فلا حرج على من خالف في شيء من مثل ذلك اجتهادا، واتبع ما رآه راجحا عن بينة، أو قلد من يسأله ويستفتيه من أهل العلم، أو مشى على مذهبه الذي تعلمه.

وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (5/368) :

"رفع السبابة في التشهد سنة، وحكمته الإشارة إلى الوحدانية، ومن شاء حركها، ومن شاء لم يحركها، الأمر في هذا لا يوجب الفرقة والشقاق بين طلاب العلم، فلو لم يرفعها أصلا ، أو رفعها ولم يحركها ؛ فإن الأمر في ذلك سهل لا يوجب الإنكار والنفرة " 

انتهى من "فتاوى اللجنة" (5/368) .

والله تعالى أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات