أولا:
روى الإمام أحمد في "المسند" (35 / 467)، وابن ماجه (4105)، وابن حبان "الإحسان" (2 / 454): عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ نَحْوًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، فَقُلْنَا: مَا بَعَثَ إِلَيْهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِشَيْءٍ سَأَلَهُ عَنْهُ. فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ، جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ).
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
"أخرجه أحمد ... والدارمي، وابن حبان …: عَنْ شُعْبَة، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ نَحْوًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ... فذكره.
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات، وروى ابن ماجه (2 / 524 - 525) الشطر الأخير منه من هذا الوجه، وقال البوصيري في "الزوائد" (252/1):
هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة بنحوه، ورواه الطبراني بإسناد لا بأس به" انتهى. "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/761).
ثانيًا:
المقصود بالآخرة، هنا: النجاة من النار، والفوز بالجنة.
كما في قول الله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ القصص (83).
وقال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ غافر (38 - 39).
وقال الله تعالى: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ العنكبوت (64).
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:
"قوله تعالى: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ والمعنى: وما الحياة في هذه الدنيا إلا غرور ينقضي عن قليل، وإن الدار الآخرة يعني الجنة لهي الحيوان ... والحيوان والحياة واحد، والمعنى: لهي دار الحياة التي لا موت فيها، ولا تنغيص يشوبها كما يشوب الحياة في الدنيا" انتهى. "زاد المسير" (6/283).
ثالثًا:
لكي يوفق المسلم إلى صرف همه إلى الآخرة، ويعرض عن الدنيا؛ هناك أسباب ينبغي أن يسلكها، منها:
الأول: التوكل على الله تعالى في تحقيق هذا الأمر العزيز؛ فلا سهل إلا ما سهله الله تعالى ويسره للعبد.
قال الله تعالى: فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الشورى (36).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
"فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: مهما حصلتم وجمعتم، فلا تغتروا به، فإنما هو متاع الحياة الدنيا، وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أي: وثواب الله تعالى خير من الدنيا، وهو باقٍ سرمدي، فلا تُقدموا الفاني على الباقي؛ ولهذا قال تعالى: لِلَّذِينَ آمَنُوا أي: للذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرمات" انتهى. "تفسير ابن كثير" (6/557).
الثاني: أن يعرض العبد عن إمعان النظر في نعيم الأغنياء، وما في أيديهم من الدور والمراكب والملابس والثروات، فالعبد كلما أدام النظر في ذلك، تطلعت النفس إلى الدنيا، واشتهتها، ونسيت نعيم الآخرة.
قال الله تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى طه (131).
قال أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى:
"ولما أمره تعالى بالصبر وبالتسبيح، جاء النهي عن مَد البصر إلى ما متع به الكفرة؛ يقال: مد البصر إلى ما متع به الكفار، يقال: مد نظره إليه، إذا أدام النظر إليه، والفكرة في جملته وتفصيله.
قيل: والمعنى على هذا: ولا تعجب يا محمد مما متعناهم به، من مال وبنين ومنازل ومراكب وملابس ومطاعم، فإنما ذلك كله كالزهرة التي لا بقاء لها ولا دوام، وإنها عما قليل تفنى، وتزول. والخطاب وإن كان في الظاهر للرسول صلى الله عليه وسلم، فالمراد أمته...
ولا تمدن: أبلغ من لا تنظر؛ لأن مد البصر يقتضي الإدامة والاستحسان، بخلاف النظر ... والنظر إلى الزخارف مركوز في الطبائع، فمن رأى منها شيئا أحب إدمان النظر إليه، وقد شدد المتقون في غض البصر عن أبنية الظلمة، وعُدد الفسقة، مركوبا وملبوسا وغيرهما، لأنهم إنما اتخذوها لعيون النَّظَّارة، حتى يفتخروا بها، فالناظر إليها محصل لغرضهم، وكالمُغري لهم على اتخاذها" انتهى. "البحر المحيط" (7/399).
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى:
"يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين، وأشباههم ونظرائهم، وما هم فيه من النعيم؛ فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور.
وقال مجاهد: أَزْوَاجًا مِنْهُمْ يعني: الأغنياء، فقد آتاك خيرًا مما آتاهم، كما قال في الآية الأخرى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ، لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ" انتهى. "تفسير ابن كثير" (9 / 383) ط أولاد الشيخ.
ويتأكد ذلك النهي عن مد البصر إلى زينة الحياة الدنيا، إذا كان أصحاب الثروات التي تمد إليها الأعين: هم من أهل الضلال والكفر؛ فالفتنة بهم أشد، كما حصل لمن فتن بقارون وثروته.
قال الله تعالى: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ القصص (79 - 80).
الثالث:
على العبد ألا يحرص على مصاحبة أهل الدنيا والحريصين عليها، بل تكون همته مع أهل الإيمان ومجالسهم النافعة، ولا يتكبر عن مجالسة الفقراء والمساكين.
قال الله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) الكهف (28).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:
"يأمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم – وغيرُه أُسوتُه، في الأوامر والنواهي-: أن يصبر نفسه مع المؤمنين، العُبَّاد المنيبين الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ أي: أول النهار وآخره يريدون بذلك وجه الله، فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها.
ففيها: الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم، وإن كانوا فقراء، فإن في صحبتهم من الفوائد، ما لا يحصى.
وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ أي: لا تجاوزهم بصرك، وترفع عنهم نظرك.
تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فإن هذا ضار غير نافع، وقاطع عن المصالح الدينية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة، فإن زينة الدنيا تروق للناظر، وتسحر العقل، فيغفل القلب عن ذكر الله، ويقبل على اللذات والشهوات، فيضيع وقته، وينفرط أمره، فيخسر الخسارة الأبدية، والندامة السرمدية، ولهذا قال: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا غفل عن الله، فعاقبه بأن أغفله عن ذكره" انتهى. "تفسير السعدي" (ص475).
الرابع:
أن يحرص العبد على زيارة المقابر، والتذكر في أحوال الآخرة كلما تعلقت نفسه بالدنيا.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ( زُورُوا الْقُبُورَ، فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ ) رواه مسلم (976).
وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ ). رواه الترمذي (1054)، وقال: "حَدِيثُ بُرَيْدَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ" انتهى.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
"الإنسان ينبغي له أن يزور القبور في كل وقت، في الليل، في النهار، في الصباح، في المساء، في يوم الجمعة، في غير يوم الجمعة، ليس لها وقت محدد، وكلما غفل قلبك، واندمجت نفسك في الحياة الدنيا؛ فاخرج إلى القبور " انتهى. "شرح رياض الصالحين" (3 / 473).
الخامس:
أن يحرص العبد على تحقيق الإيمان والقيام بالأعمال الصالحة، فالله تعالى يعطى المؤمنين الصالحين القناعة في دنياهم.
قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل (97).
والحياة الطيبة فسرها جمع من أهل العلم: بالقناعة.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
"هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحًا، وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، من ذكر أو أنثى، من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله= بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.
وقد روي عن ابن عباس وجماعة: أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسرها: بالقناعة. وكذا قال ابن عباس، وعكرمة، ووهب بن منبه...
والصحيح: أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله.
كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: ... عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ)، ورواه مسلم" انتهى. "تفسير ابن كثير" (4/710).
الخلاصة:
تعلق العبد بالآخرة، معناه انصراف القلب إلى الاهتمام بأمر النجاة من النار ودخول الجنة.
ويحصل هذا بملازمة العبد للإيمان والأعمال الصالحة، ومن ذلك التوكل على الله تعالى، وملازمة أهل الإيمان ومجالسهم التي تذكر بالآخرة وكذا زيارة المقابر، ومقابل ذلك الاعراض عن أهل الدنيا وعدم الالتفات إلى مباهج الدنيا التي بأيديهم.
والله أعلم.