هل يشرع للإنسان أن يحب بلده أكثر من سائر البلدان؟

السؤال: 305166

كان الرسول صلى الله عليه وسلم أحب البلاد إليه مكة، فهل يجب علينا أن نحب بلدنا أكثر البلاد، وننتمي إليها؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

لا بد أن يكون متقررا عند المسلم: أن أفضل بقاع الأرض مكة المكرمة، ثم المدينة المنورة وقد سبق بيان هذا الأمر بأدلته في إجابة سابقة فيرجع إليها: (199894).

وعلى هذا؛ فإن محبة مكة تكون محبة دينية لأنها خير البقاع وأحبها إلى الله، بمعنى أنها أفضل البقاع، تعظيما وتشريفا، وأنّ مكانتها عند المسلم بهذا القدر الذي جعله الله فيها، وهذا الحب يكون حبا دينيا شرعيا، لما ورد فيها من نصوص تبين فضلها ومكانتها.

فعَنْ عبداللَّهِ بْنِ عَدِيِّ ابْنِ الْحَمْرَاءِ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ: (وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ). رواه الترمذي (3925)، وصححه الألباني

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَكَّةَ: (مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

والنبي صلى الله عليه وسلم اجتمع له في حب مكة الجانب الشرعي والجانب الجبلي الفطري.
وكما قال الشاعر:

كَمْ مَنْزِلٍ في الأَرْضِ يَأْلَفُهُ الْفَتى * ‌وَحَنِينُهُ ‌دَوْمَاً ‌لأَوَّلِ ‌مَنْزِلِ

وما يحصل من حب فطري للأرض التي ينتمي إليها الإنسان، ورغبته في سكناها أكثر من غيرها: أمر فطري؛ لأنّ فيها أهله وقرابته وأصحابه وذكرياته. وكما قال ابن الرومي:

وحبَّبَ أوطانَ الرجالِ إليهمُ … ‌مآربُ ‌قضّاها الشبابُ هنالكا

إذا ذكروا أوطانهمْ ذكّرتهمُ … عُهودَ الصِّبا فيها فحنُّوا لذلكا

ولا يتعارض مع ما في اعتقاده أن مكة أفضل البقاع، ثم المدينة، طيبة الطيبة، أرض هجرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لا يعطي لوطنه، من حيث هو وطن، حكما شرعيا، ولا فضيلة دينية.

والنبي صلى الله عليه وسلم مع حبه لمكة وذكره أنها أحب البقاع إلى الله أحب المدينة حبا كبيرا، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‌كَانَ ‌إِذَا ‌قَدِمَ ‌مِنْ ‌سَفَرٍ، ‌فَنَظَرَ ‌إِلَى ‌جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا، من حبها" رواه البخاري (1787).

ثانياً:

أما هل يجب علينا أن نحب بلادنا أكثر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحب مكة أكثر.

فالجواب: لا يجب؛ لأن حب النبي صلى الله عليه وسلم لمكة فيه جانب شرعي وجانب فطري.

إلا أن يحب بلدا لكون شرع الله فيها قائم وسنة نبيه فيها ظاهرة، فهذا أمر فيه مزية شرعية للصفة القائمة فيها، لا لذات البقعة الجغرافية.

قال الشيخ الألباني، رحمه الله، عن الحديث الشائع في الناس: (‌حب ‌الوطن من الإيمان):

"موضوع. كما قال الصغاني (ص 7) وغيره.

ومعناه غير مستقيم؛ إذ إن ‌حب ‌الوطن، كحب النفس والمال ونحوه، كل ذلك غريزي في الإنسان، لا يُمدح بحبه، ولا هو من لوازم الإيمان، ألا ترى أن الناس كلهم مشتركون في هذا الحب، لا فرق في ذلك بين مؤمنهم وكافرهم؟ !". انتهى، من "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة" (1/ 110).

وقال أيضا:

"سؤال فقهي، بعد ما طهرنا الأذهان من كون الرسول قال: حب الوطن من الإيمان=

هل صحيح أن حب الوطن من الإيمان؟ أم يجوز حب الوطن؟

فيه فرق: شيء يجوز، وشيء له علاقة بالإيمان، أي شيء له علاقة بالإيمان فهو مستحب وأنت صاعد حتى يصير فرضاً، صح ولا لا؟ لكن الأمر الجائز سواء عليك فعلته أو تركته.

= حب الوطن أمر غريزي، مثل حب الحياة، ومثل كراهية الموت، فالإنسان الذي يحب الحياة، لا يمدح ولا يذم، لكن يمدح ويذم باعتبار ما يتعلق بحياته، كما قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم من طال عمره وحسن عمله وشركم من طال عمره وساء عمله).

فإذن؛ حب الوطن أمر غريزي في الناس؛ ولذلك قال تعال في حق اليهود: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ (النساء:66) لماذا؟ لأن الإنسان يتعلق بوطنه، فالتعلق بالوطن أمر غريزي، أمر طبيعي، ولكن حب الوطن لا لذاته، لا لأن أرضك فلسطين، فأنت بتحب فلسطين ديناً، لا، بحت أصوات الدعاة الإسلاميين بالتفاخر أن من كمال الإسلام وعظمته أن كل بلاد الإسلام هو وطن واحد، صح ولَّا لا؟ هذا من الناحية الإسلامية. أما من الناحية الغريزية الطبيعية المفطورة، الواحد مش بيحب الوطن فلسطين، بيحب البلدة التي ولد فيا، بيحب الحارة، المحلة التي ولد فيها، هذا له علاقة يا أخي بالإيمان؟ هذا له علاقة بطبيعة الإنسان.

ولذلك فيجب أن نفرق بين كون حب الشيء غريزة، طبيعة، فطرة، وبين كون الشيء من الإيمان. ظهر لك الفرق الآن؟ آه …

صحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما عزم على الهجرة من مكة إلى المدينة توجه إلى مكة، وقال: أما إنك انتبه بقية الحديث ...

الحديث ليس له علاقة بحب الوطن، أي وطن، كان له علاقة بحب خير بلاد الله، قال عليه السلام: إنك أحب بلاد الله إلي الله وأحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت. ليه؟ لأنه وطنه؟ لا؛ لأنه خير بلاد الله، ولأن هذه مكة أحب البلاد الله إلى الله، بالتالي أحب بلاد الله إلى رسول الله.

فإذن هذا الكلام لا يطبق على كل بلاد الدنيا.

فمثلاً لا يجوز لمسلم أُخْرِجَ من بلده مصر مكرهاً، يلتفت، يقول: أما إنك من أحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت؟ ما يجوز هذا الكلام.

"جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة" (4/ 17-19) بتصرف يسير.

ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (199894)، (149523)، (330583).

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android