الجمعة 17 ذو الحجة 1441 - 7 اغسطس 2020
العربية

نصرانية تريد الدخول في الإسلام ولكنها خائفة مما قد يترتب على ذلك

324751

تاريخ النشر : 29-12-2019

المشاهدات : 1127

السؤال

أنا نصرانية، وأريد الدخول في الإسلام، وأرغب في معرفة ما يلزم، وأخاف من المشاكل التي قد تترتب على إسلامي، فآمل النصيحة .

الحمد لله.

أولا:

أما ما ذكرت من رغبتك في الدخول في الإسلام : فما أجمل ذلك، وأعظمه يا أمة الله ؛ فهنيئا لك ما طلع عليك من النور، وأشرق عليك من الضياء ؛ فافتحي لشعاعه بابك .. افتحي الباب كله ، افتحي عينيك ، جميعا ، وافتحي قلبك لذلك الضياء ...

لا تحجبي عنك ضوء الشمس بهواجس النفس ، ووساوس الشيطان .. ارفعي تلك الحجب كلها ، التي تحجب عنك الضياء ، وافسحي صدرك، وقلبك له ، لتبصري الطريق ، وتعلمي : كيف المسير .

قال الله تعالى :  فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ   الأنعام/125.

وقال تعالى:   يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ   الحديد/28.

وقال الله تعالى ، وهو ينهى أهل الكتاب ، اليهود والنصارى ، عما وقعوا فيه من الضلال ، والعدوان بغير الحق ، وكذبهم على رب العالمين، وكذبهم على عبده ورسوله عيسى بن مريم عليه السلام ، ودعواهم أن لله ولدا ، وأن الله ثالث ثلاثة ، ويدلهم على النور المبين، على يد نبيه الأمين:

 يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا  النساء/171-175 .

وقال تعالى في بيان الفرق بين حال أهل الهداية ، الذين استضاؤوا بنور الله الذي أتاهم ، وأهل الضلال، الذين أغلقوا أعينهم عن الضياء، فبقُوا في ظلمتهم يترددون :
  أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ   الأنعام/122 .

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم : (145589).

ثانيا:

اعلمي، يا أمة الله: أنك إذا كنت قد آمنت بدينك الأول ، ثم تبين لك الحق ، وآمنت بدين الإسلام ، واتبعت رسوله خاتم الأنبياء والمرسلين ؛ فإن لك الأجر مرتين.

قال الله تعالى :  الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ   سورة القصص / 52-55 .

وعن أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:  ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ : رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ ، فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ تَعَالَى وَحَقَّ سَيِّدِهِ ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا، فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ  البخاري (3011)، ومسلم (154) واللفظ له .

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم : (238889).

ثالثا:

اعلمي ، يا أمة الله: أن أساس الدين الذي يتدين به العباد لربهم ، وأساس الإيمان برب العالمين ، ومالك الملك : أن نعلم علم اليقين ، ونؤمن بأن هذا الرب : إله واحد ؛ لا ولد له ، ولا زوجة له ، ولا ند له ، ولا شريك له في ملكه وسلطانه ؛ وهذه القضية الكبرى تلخصها سورة قليلة الكلمات في كتاب الله الكريم ، لكنها تحوي ذلك المعنى العظيم ، وهي تسمى عندنا : "سورة الإخلاص"، قال الله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) .

وقال الله تعالى : وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  النحل/51 .

وهذا المعنى العظيم الجليل : مغروس في فطر بني آدم ، إذا تركت على حالها التي فطرها الله عليها ، من غير إفساد لها بالتعاليم الباطلة !!

إن كل من يؤمن بالله جل جلاله ، من أهل الأديان والملل : يعلم أن الله ـ الله وحده ـ هو الذي خلق الخلق كله ، وهو مالك الملك كله ، لم يساعده أحد في خلق الخلق ، فالله : قوي ، ؛ لم يشاركه في ملكه أحد ؛ فالله غني . هو الله الواحد القهار ؛ فكيف يكون المخلوق الضعيف ، شريكا للمالك الخالق القوي ، الواحد القهار ؟!

  قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ  سورة الرعد/16 .

وقال تعالى:  بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  سورة الأنعام/101.

والصاحبة : هي الزوجة .

 قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا   سورة الجن/1-3 .

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم : (232218)، ورقم: (12628) .

رابعا:

أما ما ذكرت من الخوف من المشاكل .. ، فهي تخوفات "منطقية" لها ما يسوغها ، ونحن بدورنا: نفهمها ، ونتفهمها .

لكننا أيضا نفهمها ونتفهمها في إطارها الإيجابي المنتج .

في إطارها الذي يدفعك إلى أن تقدري الخطوة التي تقدمين عليها قدرها ، يدفعك إلى أن تمضي بقلب ثابت ، وعزم صادق على المسير، آخرَ الطريق.

إنها تخوفات المسافر من أخطار السفر، وأعبائه، ووعثائه ... ولا بد له من المسير ، فيأخذ للأمر أهبته، ويهيئ الزاد ، ويختار الرفيق ... ويمضي .. وما زال الناس يسافرون ..

إنها تخوفات المريض ، الذي أشرف على الهلاك ، وفي الجراحات ما فيها من الآلام والتخوفات ، ولا بد له من الصبر على مشرط الطبيب ، أو فليختر لنفسه الهلاك ...

إن حاجتك إلى الهجرة إلى رب العالمين، فوق حاجة هؤلاء جميعا ، فوق حاجة من أشرف على الغرق والهلاك، فرُفع له طوق النجاة ، وفوق حاجة الظِّماء إلى الماء البارد في الهجير، وفوق كل حاجة يتخيلها البشر، أو تصل إليها أوهامهم .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

" وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر؛ والرياح والمطر، ولا كحاجة الإنسان إلى حياته؛ ولا كحاجة العين إلى ضوئها، والجسم إلى الطعام والشراب؛ بل أعظم من ذلك؛ وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال " انتهى، من "مجموع الفتاوى" (19/101).

إن مفتاح راحتك عند كل هذه المخاوف أن تعلمي إن "إسلامك" ، يعني أنك : قد سلمت قلبك، وروحك، وبدنك، ظاهرك، وباطنك، لرب العالمين، يأمر في ذلك كله، وينهى لأنه الإله الرب المالك، وأنت: أمة الرب المطيعة لأمره، القابلة لشرعه، الراضية بقضائه، وقدره:

  إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  التوبة/111 .

ربح بيعك ... ، يا أمة الله ، فإياك والرجوع مع الخاسرين ..

وإسلامك لرب العالمين: هو إسلام لكل شيء، وفي كل شيء:

 قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ  الأنعام/162-163 .

وحينئذ؛ فمتى أثار الشيطان التخوفات على الحياة، على العمر والأجل؛ فليس الرجوع عن سبيل الله، والبقاء على دين المشركين: هو الذي ينجيك من الموت، وما زال الناس، من كل دين: يموتون:  أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ   النساء/78.

ثم، لست أول من قال له الشيطان ذلك، ولا أول من خوَّفه على حياته ، إن هو أسلم لرب العالمين، وتابع نبيه الأمين.

وخذي هذا الدرس العظيم التاريخ، حينما خرج المسلمون لملاقاة أعداء الله الكافرين في غزوة أحد ، ثم انهزم المسلمون، واستشهد فيها من خيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من استشهد، وأصاب المسلمين من الجراحات ما أصابهم، أطلع المنافقون رؤوسَهم، وقالوا : لو كنتم أطعتمونا، وتركتم هذه الغزوة، ما كان أصابكم، ما أصابكم:

  وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  آل عمران/166-175 .

سوف يضخم لك الشيطان هذه الآلام، والمصاعب، والمشكلات، والمتاعب؛ فمتى كانت الغايات السامية في هذه الحياة، يا أمة الله العاقلة ، تدرك بالراحة؛ وهي مع كل التعب في آمالها: هي الحياة الدنيا؛ فكيف بجنة رب العالمين:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:  حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ  رواه البخاري (6487)، ومسلم (2823).

إن الإيمان كالمعدن الصادق الأصيل، لا تزيده المتاعب، والمصاعب: إلا نضارة، وبهاء، وانكشافا لصدقه؛ وأما الزيف، والتردد، والتذبذب: فذاك يفتضح، عند أول اختبار:

  وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ  البقرة/155-157.

وانظري، واقرئي، وتدبري: أحوال السابقين، من الأنبياء، والمرسلين، والصديقين، والحواريين: هل مضى أحد منهم في دهره من غير ابتلاء، وامتحان، ومصاعب، ومخاوف، يثبت فيها الصادقون، ويرجع عن سبيل الهدى : الكاذبون، المخادعون:

  الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ  العنكبوت/1-7 .

ولقد شكا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما يلقَوْن من شدة من المشركين، وسألوه أن يدعو الله لهم . فلقَّنهم الدرس من أحوال السابقين، من عباد الله الصالحين:

عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟

قَالَ:  كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ   رواه البخاري (3612).

يا أمة الله؛ سوف نخدعك، إذا قلنا لك : إن مخاوفك التي تتخوفينها، أوهام، أو ظنون كاذبات!!

سوف نخدعك، إن قلنا لك : إن طريقك معبد للسالكين، مفروش بالورد والرياحين!!

لكن الخديعة الأعظم، والخسران المبين: هو أن تطيعي تلك المخاوف، وتتركي ما فيه حياتك، ونجاتك؛ إنها خديعة الشيطان لك: أن يصدك عن سبيل الله، لأجل مخاوف، ما زالت هي وأمثالها في الناس، وما زال أمر الناس عليها، منذ أن خلق الله الخلق ليبتليهم، ويختبر صدقهم، ويمتحن إيمانهم.

وما زال الشيطان يصد الغافلين بها، عن سبيل رب العالمين، فيرسب راسبون، ويكذب كاذبون:

عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ، فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ،  فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ  رواه النسائي (3134)، وصححه الألباني.

خامسا:

وأخيرا، فإن المخاوف المنتجة، الإيجابية: تلك التي تحملنا على تبصر الأمر برمته، ومن جوانبه كلها، فلا تتعجلي بلاءً، أنت في عافية منه، وفي غنى عنه ، ولا صداما، لا طاقة لك بدفعه ولا الصبر عليه؛ بل تتحلين بالحكمة، وحسن تقدير الظرف الذي تعيشين فيه .

إن أول إسلامك، وإيمانك: أن يسلم قلبك لرب العالمين، فيوحده، لا يشرك به شيئا، ويبرأ إلى الله من دعوى الزوجة والولد، وشرك المشركين كله ؛ فلا إله إلا الله . ثم يشهد لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أنه رسول رب العالمين، وخاتم النبيين؛ وهذا الأمر العظيم: لا خوف عليك منه ، ولا خطر فيه ؛ فليس لأحد سلطان على قلبك، ولا علم بما فيه.

ثم تتبعين ذلك بأن يشهد لسانك بذلك كله : أشهد ألا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله . ولسانك لا سلطان لأحد عليه، ويكفيك من ذلك أن تنطقيه، حيث لا يسمعك إلا رب العالمين، فلا يشترط لصحة الشهادة أن يسمعها بشر، ما دمت في حال تخافين على نفسك العواقب.

وحينئذ، يتم لك أعظم ركنين: لا عذر لك في تركهما، ولا سلطان لأحد عليهما .

ثم يبقى أداء ما افترض الله عليك من العبادات الظاهرة، وأعمال الجوارح والبدن ، وهو الركن الثالث من أركان الإيمان الواجب.

فنقول لك : إن الواجب عليك أن تفعلي من ذلك ما يمكنك، من غير أن تعرضي نفسك لبلاء وفتنة، حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا.

فما أمكنك أن تفعليه في السر من الصلوات، والعبادات: فافعلي.

وما تعجزين عنه: فإن الله عفو كريم، جواد ماجد، أمر عباده أن يأتوا من أوامره، وعباداته: ما استطاعوه، ولم يكلفهم ما لا طاقة لهم به.

قال الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  التغابن/16 .

وقال الله تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ البقرة/285-286 .

وقد سبق بيان ما يلزم المسلم المستضعف في مثل تلك الحال، وما يرخص له فيها ، في جواب السؤال رقم : (220401)، ورقم: (248211)، ورقم:(192411) .

نسأل الله أن يشرح صدرك بنور الهدى والإيمان، وأن يتم نعمته عليك ، ويثبتك على صراطه المستقيم، وأن يحفظك من البلايا والفتن، ما ظهر منها وما بطن.

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب