اختلف أهل العلم في حد العورة للرجل على قولين:
القول الأول: أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وهو قول جمهور أهل العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ) رواه الطبراني والدارقطني وأحمد وأبو داود، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" برقم 271.
وعَنْ زُرْعَةَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ جَرْهَدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى جَرْهَدًا فِي الْمَسْجِدِ، وَعَلَيْهِ بُرْدَةٌ قَدِ انْكَشَفَ فَخِذُهُ فَقَالَ: (الْفَخِذُ عَوْرَةٌ) رواه أحمد (15927) وحسنه محققو المسند.
وعَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلا تَنْظُرِ الَى فَخِذِ حَيٍّ وَلا مَيِّتٍ) رواه أبو داود (4015) وصححه أحمد شاكر.
وهذه الأحاديث لا تخلو من نقد وكلام في اسانيدها. ينظر جواب السؤال (34976)
القول الثاني: أن الفخذ ليس بعورة، وهي رواية في مذهب أحمد، وقول الظاهرية، واختارها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.
جاء في " الموسوعة الفقهية " ( 32 / 57 ) : " اختلف الفقهاء في اعتبار فخذ الرجل عورة ، فذهب جمهور الفقهاء إلى أن فخذ الرجل عورة ، ويجب سترها، وذهب جماعة من العلماء ومن بينهم عطاء وداود ، ومحمد بن جرير وأبو سعيد الإصطخري من الشافعية - وهو رواية عن أحمد - إلى أن الفخذ ليس من العورة " انتهى .
واستدلوا بما روى أنس رضي الله عنه : (أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: حسر الإزار عن فخذه، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي صلى الله عليه وسلم) . رواه البخاري (364) ومسلم (1365).
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعاً في بيتي، كاشفاً عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبوبكر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث. ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث. ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله وسوى ثيابه، فدخل، فتحدث.
فلما خرج قالت عائشة: دخل أبوبكر فلم تهش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟
فقال: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة) رواه مسلم (2401).
قال ابن بطال رحمه الله: " احتج بحديث أنس وحديث زيد بن ثابت من قال : إن الفخذ ليست بعورة ؛ لأنها لو كانت عورة، يجب سترها ما كشفها النبى صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، ولا تركها مكشوفة بحضرة أبى بكر وعمر . فيكون معنى قوله : ( الفخذ عورة ) ، على المقاربة والجوار.
وقد أجمعوا أن من صلى منكشف القبل والدبر: أن عليه الإعادة، واختلفوا فيمن صلى منكشف الفخذ؛ فدل أن حكمه مخالف لحكم القبل والدبر؛ لاختلاف المعنى في ذلك .
فإن قال قائل : لم غَطَّى النبي صلى الله عليه وسلم ركبته حين دخل عليه عثمان بن عفان ؟ قيل : قد بَيَّن النبى صلى الله عليه وسلم ، معنى ذلك بقوله : ( ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء ) " انتهى بتصرف يسير من " شرح صحيح البخاري لابن بطال " ( 2 / 33 - 34 ) .
قال ابن قدامة رحمه الله:
"وعن أحمد رواية أخرى أنها الفرجان. قال مهنا: سألت أحمد: ما العورة؟ قال: الفرج والدبر. وهذا قول ابن أبى ذئب، وداود؛ " انتهى من "المغني"(2/ 284 ت التركي).
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
"من أهل العلم من يرى أن الفخذ ليس بعورة بالنسبة للرجل، وأنه لا يجب على الرجل ستره. وظاهر كلامهم: الإطلاق، في الصلاة وغيرها.
ومنهم من يرى أن الفخذ عورة في الصلاة وغير الصلاة، والأحاديث في ذلك: إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة، ولذلك قال البخاري رحمه الله: إن حديث أنس، يعني انكشاف فخذ النبي صلى الله عليه وسلم، أسند، وحديث جرهد أحوط، فكأن البخاري رحمه الله يقول الأحاديث الصحيحة تدل على أن الفخذ ليس بعورة، لأنه بدا من النبي صلى الله عليه وسلم الله، والنبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياءً، ولو كان الفخذ عورة ما كشفه الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن في حديث علي بن أبي طالب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الفخذ عورة ". وقوله:"لا تكشف فخدك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت".
ولكن هذه الأحاديث ضعيفة.
والذي يظهر لي أن الفخذ ليس بعورة، إلا إذا خيف من بروزه فتنة، فإنه يجب ستره كأفخاذ الشباب" انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (12/ 265).
وذهب بعض المحققين من أهل العلم إلى مسلك الجمع بين النصوص والتوسط.
قال ابن قتيبة رحمه الله:
"ونحن نقول: إنه ليس ههنا اختلاف، ولكل واحد من الحديثين موضع، فإذ وضع بموضعه زال ما توهموه من الاختلاف.
أما حديث جرهد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو كاشف فخذه على طريق الناس، وبين ملئهم، فقال عليه السلام له: "وارِ فخذك، فإنها من العورة" في هذا الموضع، ولم يقل: فإنها عورة، لأن العورة غيرُها.
والعورة صنفان: أحدهما فرج الرجل والمرأة، والدبر منهما، وهذا هو عين العورة، والذي يجب عليهما أن يستراه في كل وقت، وكل موضع، وعلى كل حال.
والعورة الأخرى: ما داناهما من الفخذ، ومن مراق البطن؛ وسمي ذلك عورة، لإحاطته بالعورة، ودنوه منها.
وهذه العورة، هي التي يجوز للرجل أن يبديها في الحمام، وفي المواضع الخالية، وفي منزله، وعند نسائه، ولا يحسن به أن يظهرها بين الناس، وفي جماعاتهم وأسواقهم، وليس كل شيء حل للرجل، يحسن به أن يظهره في المجامع" انتهى من "تأويل مختلف الحديث" (ص:454).
وقال ابن القيم رحمه الله:
"وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: ما ذَكَره غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم أن العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السوأتان، والمخففة: الفخذان. ولا تنافي بين الأمر بغضِّ البصر عنهما، لكونهما عورةً، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة" "تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم" (3/ 53).
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (22/ 116): "فإذا قلنا على أحد القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد: أن العورة السوأتان وأن الفخذ ليست بعورة فهذا في جواز نظر الرجل إليها؛ ليس هو في الصلاة والطواف فلا يجوز أن يصلي الرجل مكشوف الفخذين سواء قيل هما عورة أو لا. ولا يطوف عريانا".
والحاصل:
هذه المسألة من مسائل الخلاف السائغ بين أهل العلم، لاجتهادهم في الجمع بين الأحاديث الواردة في حدِّ عورة الرجل، ولا سيما الفخذ، وقد قال بعدم كونه عورة جمعٌ من المحققين من أهل العلم قديماً وحديثاً، وهو قول معتبر له سلف ودليل، فلا يُنكر على من أخذ به.
وبناءً على ذلك:
لا حرج في الذهاب إلى المسابح الرجالية للتدريب على الغطس، ولو وُجد من يكشف فخذه؛ لأن القول بكشف الفخذ مسألة خلافية اجتهادية ، ولا يلزمك اعتزال المكان أو ترك التدريب لأجل فعل غيرك، ما دمت غير متعمد للنظر، ولا متسببًا في وقوع محرم.
ومع هذا، فإن الأولى والأكمل في الحياء والآداب الشرعية:
أن يحرص المسلم على ستر فخذه خروجًا من الخلاف، وطلبًا للأكمل في المروءة.
وأن يغض بصره قدر استطاعته، ولا يتعمد النظر إلى ما وقع فيه الخلاف.
وأن ينصح غيره برفق ولين إن تيسّر، من غير تشديد ولا إنكار في مسألة اجتهادية.
وأن يكون حريصًا على الستر في نفسه؛ ليكون قدوة حسنة، وداعيًا بفعله قبل قوله.
فإن اجتمع هذا كله، فقد برئت الذمة، وسلم الدين، وحُفظ الأدب الشرعي، من غير تضييق ولا تكلف.
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (185113).
والله أعلم.