الأحد 8 محرّم 1446 - 14 يوليو 2024
العربية

لماذا لا تخطف أبصار الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟

489893

تاريخ النشر : 16-04-2024

المشاهدات : 1883

السؤال

في الحديث :(ما بَال أقْوَام يَرفعون أبْصَارَهم إلى السَّماء في صَلاتهم)، - فاشْتَدَّ قوله في ذلك-، حتى قال: (لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لَتُخْطَفَنَّ أبْصَارُهم)، يفعل الكثير هذا الفعل المحرم، فلماذا لم يخطف بصره؟

الجواب

الحمد لله.

أولاً:

لا شك أنّ كثيرا من الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة لا يعرفون النهي والوعيد الوارد على من فعل هذا الفعل في قوله صلى الله عليه وسلم (ما بال أقوم، يرفعون ‌أبصارهم ‌إلى ‌السماء في صلاتهم). فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: (لينتهن عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم) البخاري ( 717).

والوعيد الوارد في الحديث حق، إلا أن الوعيد لا يلزم وقوعه على من وقع عليه الوعيد، فقد يتخلف لأسباب، منها العفو والمغفر، ومنها ارتفاعها عن الفاعل جهلا بالحكم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "" وحيث قُدِّر قيام الموجب للوعيد، ‌فإن ‌الحكم ‌يتخلف ‌عنه ‌لمانع. و‌‌موانع لحوق الوعيد متعددة: منها: التوبة، ومنها: الاستغفار، ومنها: الحسنات الماحية للسيئات، ومنها: بلاء الدنيا ومصائبها، ومنها: شفاعة شفيع مطاع، ومنها: رحمة أرحم الراحمين. فإذا عدمت هذه الأسباب كلها، ولن تعدم إلا في حق من عتا وتمرد وشرد على الله شُرادَ البعير على أهله، فهنالك يلحق الوعيد به.

وذلك أن حقيقة الوعيد: بيان أن هذا العمل سبب في هذا العذاب، فيستفاد من ذلك تحريم الفعل وقبحه. أما أن كل شخص قام به ذلك السبب، يجب وقوع ذلك المسبب به: فهذا باطل قطعا؛ لتوقف ذلك المسبب على وجود الشرط، وزوال جميع الموانع" انتهى من "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"(ص42).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "قد يكون هناك مانع يمنع من نفوذ هذا ‌الوعيد، وهو أن يغفر الله له، لأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وحينئذ لا يستحق هذا ‌الوعيد ..." انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (158/ 22 بترقيم الشاملة آليا).

ثانياً:

ذهب بعض أهل العلم إلى أن الوعيد المذكور في الحديث معنوي، وليس حسياً.

قال أبو بكر ابن العربي رحمه الله: "قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء أو ليخطفن الله أبصارهم" وليس ‌يريد ‌بذلك ‌إذهابها ‌بالعمى، وإنما يشير به إلى ذهاب فائدتها من العبرة" انتهى من "المسالك في شرح موطأ مالك" (2/ 399).

وقال المناوي رحمه الله: "ثم ‌يحتمل ‌كونها ‌خَطْفةً ‌حسية، وكونها معنوية، ولا مانع من إرادتهما معا.  ثم يحتمل كونه إشارة إلى ذهاب فائدتها بالعمى، أو إلى قلعها من أصلها" انتهى من "فيض القدير" (5/398).

وقال الشيخ عبد الله البسام: "النبي -صلى الله عليه وسلم- توعد من رفع بصره إلى السماء في الصلاة، بخطف بصره، ومع ذلك يوجد كثير ممن يرفعون أبصارهم، ولم يُعرف أنَّ أحدًا رفع بصره إلى السماء، ثم خطفت، فلم يرجع إليه نظره، وأصبح لا يبصر.

والجواب: أنَّ ‌تخلف ‌الوعيد -كرمًا ولطفًا- لا يعني أنَّه لن يقع الأمر.

الأمر الثاني: أنه قد لا يخطف حسًّا، ولكنه خطف معنى، وهذا أعظم، فإنَّ الأول عقوبة في الدنيا، والثاني عقوبة في الدنيا والآخرة" انتهى من "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (2/ 102).

وخلاصة القول:

أن المراد بالوعيد على حقيقته، وهو قول جمهور العلماء، وأنّ تخلف وقوعه من باب تخلف الوعيد، وأما القول بأن الوعيد معنوي، فهو تأويل يفتقر إلى دليل، والأصل أن الكلام على ظهره حتى يأتي دليل على صرفه عنه.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (480234).

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب