ما وجه تحديد عدد مدعي النبوة بثلاثين مع كثرتهم في الأزمان المختلفة؟

السؤال 500280

كيف نفهم الحديث الذي يذكر ظهور ثلاثين دجالا، حيث كان هناك أكثر من ثلاثين ادعوا النبوة؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

روى البخاري (3609) ومسلم (157): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبًا مِنْ ثَلاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ).

قال العراقي رحمه الله تعالى:

"قوله: (يُبْعَثَ) أي يخرج، ويظهر. وليس من معنى البعث الذي هو الإرسال، وفي رواية مسلم من طريق همام "ينبعث" بزيادة نون، والانبعاث في السير الإسراع.

الدجال: مأخوذ من الدجل، وهو التمويه، والخلط ...

قال النووي: قد وجد من هؤلاء خلق كثيرون في الأعصار، وأهلكهم الله تعالى وقطع آثارهم؛ وكذلك يفعل بمن بقي منهم" انتهى. "طرح التثريب" (8 / 256).

وقد وجد من هؤلاء الثلاثين جماعة قطعا، كمن خرج في وقت الردة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"وقد ظهر مصداق ذلك في آخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فخرج مسيلمة باليمامة، والأسود العنسي باليمن، ثم خرج في خلافة أبي بكر، طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني تميم...

وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر، وتاب طليحة ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، ونقل أن سجاح أيضا تابت، وأخبار هؤلاء مشهورة عند الأخباريين.

ثم كان أول من خرج منهم المختار بن أبي عبيد الثقفي؛ غلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، فأظهر محبة أهل البيت، ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين، فتبعهم، فقتل كثيرا ممن باشر ذلك أو أعان عليه، فأحبه الناس.

ثم إنه زين له الشيطان أن ادعى النبوة، وزعم أن جبريل يأتيه ... وقُتِل المختار سنة بضع وستين.

ومنهم الحارث الكذاب؛ خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل. وخرج في خلافة بني العباس جماعة" انتهى. "فتح الباري" (6 / 617).

وقد وردت روايات تشير إلى أن خروج هؤلاء الثلاثين يُختتم بالأعور الدجال، وإن كان في أسانيدها مقال؛ إلا أنه يستأنس بمثلها في مثل هذه المواضيع التي لا تتعلق بالأحكام.

فروى الإمام أحمد في "المسند" (23 / 61)، وابن حبان "الإحسان" (15 / 25): عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، وَمِنْهُمْ صَاحِبُ صَنْعَاءَ الْعَنْسِيُّ، وَمِنْهُمْ صَاحِبُ حِمْيَرَ، وَمِنْهُمُ الدَّجَّالُ، وَهُوَ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً).

وروى الإمام أحمد في "المسند" (33 / 346 - 349):عن ثَعْلَبَة بْن عَبَّادٍ الْعَبْدِيّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، قَالَ: شَهِدْتُ يَوْمًا خُطْبَةً لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، فَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (…. وَايْمُ اللهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ قُمْتُ أُصَلِّي مَا أَنْتُمْ لَاقُونَ فِي أَمْرِ دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ، وَإِنَّهُ وَاللهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ كَذَّابًا آخِرُهُمُ الْأَعْوَرُ الدَّجَّالُ).

ثانيا:

استُشكِل العددُ الوارد في الحديث: (قَرِيبًا مِنْ ثَلاثِينَ)، بأنه لا يكاد بلد من البلدان في عصر من العصور إلا ووجد فيه من يدعي أنه نبي، ولو جمعوا لفاق عددهم الثلاثين، ولكانوا أضعاف هذا العدد؟.

ويجاب هذا الإشكال بأمرين:

الأمر الأول:

أن الحديث ورد على سبيل التحذير من فتنتهم أنهم يخرجون وأنهم دجاجلة، وهذا يشير إلى أنه يكون لهم ظهور وشبهات تفتن جمعا من الناس فيتبعونهم، ثم يكون لهم: شوكة، ومنعة، حتى يعظم خطرهم. ومثل هؤلاء من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا لا يتعدون الثلاثين ويمكن أن لايكونوا وصلوا إلى هذا العدد.

قال القسطلاني رحمه الله تعالى:

"(‌كُلُّهُمْ ‌يَزْعُمُ ‌أَنَّهُ ‌رَسُولُ اللهِ) بتسويل الشيطان لهم ذلك، مع قيام الشوكة لهم، وظهور شبهة؛ كمسيلمة باليمامة، والأسود العَنْسيِّ باليمن، وكان ظهورهما في آخر الزمن النبويّ، فقُتل الثاني قبل موته صلى الله عليه وسلم، ومسيلِمة في خلافة أبي بكر، وفيها خرجَ طُليحة بن خُويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميميّة في بني تميم... " انتهى. "إرشاد الساري" (12 / 485).

الأمر الثاني:

أنهم وصفوا بأنهم دجاجلة كذبة، وهذا يوصف به العاقل المتعمد للكذب والدجل، وكثير ممن ادعى النبوة هم من المجانين والمرضى الذين لا فتنة تحصل من دعواهم، والقلم مرفوع عنهم، فلا يدخلون في معنى هذا الحديث.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا، فإنهم لا يحصون كثرةً، لكون غالبهم ينشأ ‌لهم ‌ذلك ‌عن ‌جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة كمن وصفنا" انتهى. "فتح الباري" (6 / 617).

الخلاصة:

قد حذّرنا النبي صلى الله عليه وسلم من فتنة ثلاثين دجالا يخرجون يدعون النبوة، والمراد بالحديث مدعو النبوة الذين يكون لهم ظهور وفتنة وهؤلاء في تاريخ الإسلام ليسوا بالكثرة بحيث يتعدون الثلاثين.

وليس المراد به من يدعي النبوة من المرضى والمجانين الذين رفع عنهم القلم، فهؤلاء كثيرون ولا يتناولهم الحديث؛ لأنه لا فتنة تحصل منهم ولا يوصفون بالدجل والكذب لأن القلم مرفوع عنهم.

والله أعلم.

المراجع

شروح الأحاديث

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android