روى البخاري (3199) (4802)، ومسلم (159): عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، قالَ: ( قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: (فَإِنَّها تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَتَسْتَأذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلا يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلا يُؤْذَنَ لَهَا، يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس: 38] ).
فهذا حديث متفق على صحته.
ومن يقدم عقله وفهمه على نصوص الشرع، يستشكل مثل ذلك؛ خاصة مع افتتان كثير من الناس في هذا العصر بما فتحه الله لعباده من العلم ببعض سننه سبحانه وتعالى في كونه، فطغوا بهذا القليل من العلم، وظنوا بذلك أنهم قد أحاطوا بكل شيء علما.
والحاصل:
أن هؤلاء استشكلوا سجود الشمس تحت عرش الرحمن، واستئذانها ربَّها أن تعود لمشرقها، وتطلع على الناس من جديد. وتوهموا أن ذلك يعني أنها تفارق مسارها وتختفي عن الأرض كلها، وتفارق أشعتها جميع سطح الأرض، ثم توهموا أن هذا يتعارض مع ما استقرت عليه علوم الفلك، أن الشمس لا تغرب عن الأرض مطلقا، فلا تزال أشعتها متنقله من منطقة من الأرض إلى أخرى، لا تغيب عن الأرض أبدا، فهي في حالة غروب وشروق معا، فتغرب عن مكان وفي الوقت ذاته تشرق على آخر، ولا تخرج عن مسارها أبدا، ورأوا أنه لو فرض أنها تسجد كلما غابت عن منطقة، للزم من هذا أن تكون في سجود دائم، وهذا يتعارض مع ظاهر لفظ الحديث: ( فَإِنَّها تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ ).
ومن يقيم مثل هذا التعارض، هو في الحقيقة يحمّل نصَّ الحديث ما ليس فيه، وفي الوقت ذاته يتكلف من ادعاء العلم، مالا يدرك حقيقته، ويتضح هذا بأمور:
الأمر الأول:
أن الحديث ليس فيه نص على أن الشمس تغرب عن الأرض كليّا وتفارق مسارها بحيث تنقطع كل أشعتها عن كل بقاع الأرض.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
" فإنّه حديث لا يعارض ما ذكرناه من استدارة الأفلاك الّتي هي السّماوات، على أشهر القولين ... ولا يدلّ على أنّها تصعد إلى فوق السّماوات من جهتنا، حتّى تسجد تحت العرش، بل هي تغرب عن أعيننا، وهي مستمرّة في فلكها الّذي هي فيه، وهو الرّابع فيما قاله غير واحد من علماءِ التّسيير، وليس في الشّرع ما ينفيه … فإذا كانت في محلّ سجودها استأذنت الرّبّ جل جلاله في طلوعها من الشّرق، فيؤذن لها، فتبدو من جهة الشّرق " انتهى. "البداية والنهاية" (1 / 70 – 71).
الأمر الثاني:
ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: ( تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: فَإِنَّها تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ )، يقال في بيانه:
الذهاب يعني المضي والتوجه إلى جهة، ولا يلزم منه أن يغيب الشيء كليّا في ذهابه هذا، وإنما هو ذهاب نسبي، أي بالنسبة إلى وصولها إلى نقطة في مسارها، لا تتجاوزها إلا بسجود لله تعالى، الله أعلم بكيفيته، وإِذْنٍ منه سبحانه وتعالى في استمرار سيرها وعدم الرجوع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنها تسجد كل ليلة تحت العرش، فقد علم اختلاف حالها بالليل والنهار، مع كون سيرها في فلكها من جنس واحد، وأن كونها تحت العرش لا يختلف في نفسه، وإنما ذلك اختلاف بالنسبة والإضافة علم أن تنوع النسب والإضافات لا يقدح فيما هو ثابت في نفسه لا مختلف " انتهى. "بيان تلبيس الجهمية" (4 / 54).
وهكذا سجودها لا يلزم منه انقطاع حركتها وتوقفها، أو اختلال نورها وأشعتها.
قال الخطابي رحمه الله تعالى:
" ... وليس في هذا إلا التصديق والتسليم، وليس في سجودها لربها تحت العرش ما يعوقها عن الدأب في سيرها والتصرف لما سخرت له " انتهى. "أعلام الحديث" (3 / 1894).
وقال الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى:
" فلم يلزم مما في الرواية الثالثة: ( حتى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش فتخرّ ساجدة )… غيبوبة الشمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة كل يوم، بذاك الموضع الذي كُتِب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربُّها سبحانه" انتهى. "الأنوار الكاشفة - ضمن آثار المعلمي " (12 / 405).
فالله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم قد نص على أن الشمس والقمر يسجدان.
قال الله تعالى:
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) الحج (18).
ونص أيضا على أنهما في حركة دائمة.
قال الله تعالى:
( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) إبراهيم (33).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
" ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ) أي: يسيران لا يفتران ليلا ولا نهارا " انتهى. "تفسير ابن كثير" (4 / 625).
وقال ابن قتيبة، رحمه الله تعالى:
وقرأ بعض السلف: والشمس تجري لا مستقر لها والمعنى أنها لا تقف، ولا تستقر، ولكنها جارية أبدا. انتهى، من تأويل مشكل القرآن (192).
وقال ابن كثير:
" وعن ابن عبّاس أنّه قرأ: " وَالشَّمْسُ تَجْرِي لَا مُسْتَقَرَّ لَهَا " أي ليست تستقرّ.
فعلى هذا تسجد، وهي سائرة " انتهى. "البداية والنهاية" (1 / 72).
فلا يعترض ويقال كيف تسجد وهي سائرة في مسارها؛ لأن هذا تحكم بكيفية سجود البشر، على "كيفية" سجود الشمس، وتوهم أن السجود في جمع مواضعه له هيئة واحدة، وكيفية واحدة. وهو غلط ظاهر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" ولا يجب أن يكون سجود كل شيء مثلَ سجود الإنسان: على سبعة أعضاء، ووضع جبهة في رأس مدور، على التّراب؛ فإن هذا سجود مخصوص من الإنسان. ومن الأمم من يركع ولا يسجد، وذلك سجودُها، كما قال تعالى: ( وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ )، وإنّما قيل ادخلوه رُكَّعا " انتهى. "جامع الرسائل" (1 / 27).
وقال رحمه الله تعالى:
" ومعلوم أن الشّمس لا تزال في الفلك كما أخبر الله تعالى بقوله: ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ )، فهي لا تزال تسبح في الفلك، وهي تسجد لله وتستأذنه كل ليلة، كما أخبر النّبي صلى الله عليه وسلم؛ فهي تسجد سجودا يناسبها وتخضع له وتخشع كما يخضع ويخشع كل ساجد من الملائكة والجنّ والْإنس " انتهى. "جامع الرسائل" (1 / 37).
الأمر الثالث:
أن المعارضة بين النص الصحيح الثابت وبين الواقع سببها عدم الاحاطة بهما علما، فالإنسان لم يحط بكل شيء علما. يقول د. عبد الله الشهري:
" من يرمي جاهدا إلى التشكيك في صحة الحديث، بالتشمير في إثبات امتناع سجود الشمس فيلزمه – قبل أن يمشي خطوة واحدة - الإحاطة بحقيقة ثلاث أمور عليها يدور معنى الحديث، فإذا أحاط بحقائقها، وتيقن من ذلك حق اليقين، فليأتنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع على ما وجد من العلم، وهذه الحقائق هي:
• حقيقة العرش.
• حقيقة حركة الشمس.
• حقيقة سجود الشمس..
فالذي يمكن قوله هنا هو: أن نقص الإحاطة بحقائق هذه الثلاث مؤثر ولا بد في مقدار الفهم، ودرجة الإدراك، فما بالك إذا كان المرء يجهل أكثر حقيقتها، وعلى رأس هذه الأشياء حقيقة العرش الذي لا يعلم حقيقة كيفيته وهيئته وحجمه إلا الله وحده … " انتهى من بحثه "رفع اللبس عن حديث سجود الشمس"، المنشور على: مجالس الألوكة – مجلس الحديث وعلومه.
فالواجب على المسلم أمام هذه المسائل الإيمان والتصديق، وألا يستشكل أمورا لم يحط بحقيقتها.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
" ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه: أمور الغيب الخبريّة التي أمر بالإيمان بها، ولم يبين كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما ينهى عنه، وقد يوجب الحيرة والشك، ويرتقي إلى التكذيب...
قال إسحاق بن راهويه: لا يجوز التفكر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك، لأنهم إن فعلوا تاهوا، قال: وقد قال الله: ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده )، فلا يجوز أن يقال: كيف تسبح القصاع، والأخوِنة، والخبز المخبوز، والثياب المنسوجة؟ وكل هذا قد صح العلم فيهم أنهم يسبحون، فذلك إلى الله أن يجعل تسبيحهم كيف شاء وكما يشاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا بما علموا، ولا يتكلموا في هذا وشبهه إلا بما أخبر الله، ولا يزيدوا على ذلك، فاتقوا الله، ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة، فإنه يرديكم الخوض فيه عن سنن الحق " انتهى. "جامع العلوم والحكم" (2 / 172 – 173).
ولمزيد الفائدة تحسن مطالعة بحث الشيخ عبد الله الشهري: "رفع اللبس عن حديث سجود الشمس" المنشور على: مجالس الألوكة – مجلس الحديث وعلومه.
وكتاب: "دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد" للشيخ عيسى النعمي.
وكتاب: "المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين" للدكتور محمد بن فريد زريوح.
والله أعلم.