أولا:
روى الإمام مسلم (78): عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: "وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَيَّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ".
ولفهم هذا الخبر على وجهه الصحيح، يجب التنبه إلى أن عليا رضي الله عنه إنما حاز هذا الفضل لكمال متابعته ونصرته ومحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، مع شرف القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولصوق اللُّحمة به، صلى الله عليه وسلم.
وقد جاء هذا الفضل العظيم في غير ذوي القربى من سادات الصحابة، أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما في حديث عَدِيّ بْن ثابِتٍ أيضا، قالَ: سَمِعْتُ الْبَراءَ رضي الله عنه، قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم - أَوْ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: الأَنْصارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ رواه البخاري (3783) ومسلم (75).
قال القرطبي رحمه الله تعالى:
" ( قوله: آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنصَارِ ) … وحبّ الأنصار من حيث كانوا أنصار الدّين ومظهريه، وباذلين أموالهم وأنفسهم في إعزازه وإعزاز نبيّه، وإعلاء كلمته: دلالة قاطعة على صحّة إيمان مَن كان كذلك، وصحّة محبّته للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وبغضهم كذلك دلالة قاطعة على النفاق.
وكذلك القول في حب عليٍ وبغضه؛ فمن أحبّه لسابقته في الإسلام، وقدمه في الإيمان، وغنائه فيه، وذوده عنه وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولمكانته من النبي صلى الله عليه وسلم وقرابته ومصاهرته، وعلمه وفضائله، كان ذلك منه دليلا قاطعا على صحّة إيمانه ويقينه ومحبته للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن أبغضه لشيء من ذلك، كان على العكس.
وهذا المعنى جار في أعيان الصحابة، كالخلفاء، والعشرة، والمهاجرين، بل وفي كلّ الصحابة؛ إذ كلّ واحد منهم له شاهد وغناء في الدّين، وأثر حسن فيه؛ فحبّهم لذلك المعنى محض الإيمان، وبغضهم له محض النفاق " انتهى. "المفهم" (1 / 264).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله:
"وإنما خصَّ الأنصار، والله أعلم: لأنهم هم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قَبْلِ المهاجرين، وآووا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصروه ومنعوه، وبذلوا في إقامة الدين النفوس والأموال، وعادوا الأحمر والأسود من أجله، وآووا المهاجرين، وواسوهم في الأموال، وكان المهاجرون إذ ذاك قليلا غرباء فقراء مستضعفين.
ومن عرف السيرة وأيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قاموا به من الأمر، ثم كان مؤمنا يحب الله ورسوله: لم يملك أن لا يحبهم. كما أن المنافق لا يملك أن لا يبغضهم.
وأراد بذلك، والله أعلم، أن يعرف الناس قدر الأنصار، لعلمه بأن الناس يكثرون والأنصار يقلون، وأن الأمر سيكون في المهاجرين.
فمن شارك الأنصار في نصر الله ورسوله بما أمكنه، فهو شريكهم في الحقيقة. كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ؛ فبغض من نصر الله ورسوله من أصحابه نفاق.
ومن هذا ما رواه طلحة بن مصرف قال: كان يقال: "بغض بني هاشم نفاق، وبغض أبي بكر وعمر نفاق، والشاك في أبي بكر كالشاك في السنة" انتهى، من "الصارم المسلول على شاتم الرسول" (581).
ثانيًا:
ما ورد من أن عليا رضي الله عنه قسيم النار، هو خبر لا يصح.
سُئل الدارقطني رحمه الله تعالى:
" عن حديث يزيد بن شريك، عن أَبِي ذَرٍّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (عَلَي قَسِيمِ النَّارِ، يَدْخُلُ أَوْلِيَاؤُهُ الجنة، وأعداؤه النار).
فقال: حدثنا الشافعي أبو بكر، قال: حدثنا محمد بن عمر القبلي، قال: حدثنا محمد بن هاشم الثقفي، حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ذلك.
قال الشّيخ: وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد، ومَنْ دونَ عبيد الله: ضعفاء، والقبلي ضعيف جدًا.
وإنّما روى هذا الحديث الأعمش، عن موسى بن طَرِيف، عن عَبَايَة، عن علي " انتهى. "علل الدارقطني" (6 / 273).
وطريق الأعمش عن موسى بن طريف، أيضا ضعيف جدا؛ فموسى بن طريف ضعيف واه، وقد تفرد بهذا الطريق.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
" موسى بن طريف شيخ للأعمش: واه، تفرد بحديث: ( أنا قسيم النار )، ضعفه الدارقطني وجماعة " انتهى. "المغني في الضعفاء" (2 / 684).
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى:
" موسى بن طَرِيف الأسدي.
عن: أبيه، وعَبَاية بن ربعي عن علي قال: ( أنا قَسِيم النار )، رواه عنه الأعمش، وقال: رويته عنه استهزاء.
وروى عنه آخرون.
وقال أبو بكر بن عياش: هو كذّاب.
وقال ابن معين والدارقطني: ضعيف.
وقال الجُوزْجَانيّ: زائغ.
وقال ابن عدي: زائغ، وكان غاليا في جملة الكوفيين، لا أعلم يروي عنه غير الأعمش، وأُنْكِرَ عليه حيث روى عنه، حتى حلف أنه روى عنه على الاستهزاء.
وقال ابن حبان: يأتي بالمناكير التي لا أصول لها " انتهى. "التكميل في الجرح والتعديل" (1 / 249).
و"القسيم" أي المقاسم، وهذا يشير إلى أن القسم الذين يكونون معه هم من أهل الجنة، ومن تخلف عن اتباعه يكون من أهل النار.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:
" ( قسيم النَّار )، قال القتيبي: أراد أن النّاس فريقان فريق معي فهم على هدى، وفريق عَلَّي فهم على ضلال، ونصف في الجنّة ونصف في النّار. وقسيم بمعنى مقاسم، كالشريب والجليس " انتهى. "غريب الحديث - ابن الجوزي" (2 / 243).
ثالثًا:
هذا الحديث قد يتبادر منه اعتقاد العصمة في علي رضي الله عنه، وأنه المعلم الأساسي في تمييز أهل الجنة وأهل النار، وأن المتبع له من أهل الجنة، ومن خالفه فهو ضال في النار، وهذا عين غلو الرافضة، ولهذا روي عن الأعمش كما سبق أنه قال عن روايته لهذه الحديث عن موسى بن طريف: " رويته عنه استهزاء ".
وعلى ذلك؛ فلا يكون بمعنى حديث: ( لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ … )؛ لأنه لا يلزم من هذا الحديث أن كل من خالف عليا رضي الله عنه، ولم يكن في طائفته أنه من أهل النار.
لأن الحب والبغض درجات، فليس محبو علي كلهم على درجة، واحدة وكذلك مبغضوه، فمن مبغضيه من هو واقع في النفاق الأكبر، ومنهم من نفاقه أصغر، ومن المؤمنين من خاصم عليا رضي الله عنه لأجل أمور اجتهادية أو دنيوية لا تلحق بالبغض الذي حكمه النفاق.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
" فمعناه: أنّ حبّ علي من الإيمان، وبغضه من النّفاق، فالإيمان ذو شعب، وكذلك النّفاق يتشعّب، فلا يقول عاقل: إنّ مجرّد حبّه يصير الرّجل به مؤمنا مطلقا، ولا بمجرّد بغضه يصير به الموحّد منافقا خالصا.
فمن أحبّه وأبغض أبا بكر، كان في منزلة من أبغضه، وأحبّ أبا بكر، فبغضهما ضلال ونفاق، وحبّهما هدى وإيمان " انتهى. "سير أعلام النبلاء" (12 / 510).
وأما إن كان المراد بـ"أنا قسيم النار": يعني: مودته، ومعرفة قدره، وسابقته: فهذا قريب، ويعود إلى معنى الحديث الصحيح.
ولهذا روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه جعل الخبرين بمعنى واحد.
روى ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (2 / 357)، قال: وأَنْبَأَنَا أَبُو الحُسَيْنِ بنُ الآبَنُوْسِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الكَتَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحُسَيْن بنُ عُمَرَ بن الحَسَنِ القَاضِي الأُشْنَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَقَ بنُ الحَسَنِ الحَرْبيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ مَنْصُوْرٍ الطُّوْسِيُّ قَالَ: " سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: مَا رُوِيَ لأحَدٍ من الفَضَائِلِ أَكْثَرُ مِمَّا رُوِيَ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالبٍ.
قَالَ: وسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ مَنْصُوْرٍ يَقُوْلُ: كُنَّا عِنْدَ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، مَا تَقُوْلُ فِي هَذَا الحَدِيْثِ الَّذِي يُرْوَى: أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: ( أَنَا قَسِيْمُ النَّارِ )؟ فَقَالَ: وَمَا تُنْكِرُوْنَ مِنْ ذَا؟ أَلَيْسَ رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لِعَلِيٍّ: ( لُا يُحِبُّكَ إلَّا مُؤْمِنٌ، ولَا يُبْغِضُكَ إلَّا مُنَافِقٌ )؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيْنَ المُؤْمِنُ؟ قُلْنَا: في الجَنَّةِ، قَالَ: وأَيْنَ المُنَافِقُ؟ قُلْنَا: في النَّارِ، قَالَ: فَعَلِيٌّ قَسِيْمُ النَّارِ " انتهى.
وفي هذا الإسناد أَبُو الحُسَيْن بنُ عُمَرَ بن الحَسَنِ القَاضِي الأُشْنَانِيُّ، والصواب – والله أعلم - أنه أبو الحسين عمر بن الحسن، وقد ضُعِّف.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
" عمر بن الحسن الأشناني القاضي، أَبو الحسين صاحب ذاك المجلس.
روى عن موسى الوشاء، وابن أبي الدنيا.
وعنه ابن بشران، وأبو الحسن بن مخلد.
ضعفه الدارقطني، والحسن بن محمد الخلال.
ويروى عن الدارقطني: أنه كذاب ...
ولكن هذا الأشناني صاحب بلايا " انتهى. "ميزان الاعتدال" (3 / 194).
بل قد ورد عن الإمام أحمد ما يشير إلى أنه يعتبر مثل هذا الحديث من البدع والبلايا.
قال أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى:
" وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثَنَا مُهَنَّى، قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ، قُلْتُ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، قَالَ: قَالَ سَلَّامٌ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ خِدَاشٍ، قَالَ: جَاءَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ إِلَى أَبِي عَوَانَةَ، فَقَالَ: هَاتِ هَذِهِ الْبِدَعَ الَّتِي قَدْ جِئْتَنَا بِهَا مِنَ الْكُوفَةِ، قَالَ: فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أَبُو عَوَانَةَ كُتَبَهُ، فَأَلْقَاهَا فِي التَّنَّورِ، فَسَأَلْتُ خَالِدًا مَا كَانَ فِيهَا؟ قَالَ: حَدِيثُ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ )، وَأَشْبَاهِهِ، قُلْتُ لِخَالِدٍ: وَأَيْشِ؟ قَالَ: حَدِيثُ عَلِيٍّ: ( أَنَا قَسِيمُ النَّارِ )، قُلْتُ لِخَالِدٍ: حَدَّثَكُمْ بِهِ أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ؟ قَالَ: نَعَمْ " انتهى. "السنة" (3 / 510).
ثم قال الخلال رحمه الله تعالى:
" أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَدَفَعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ كِتَابًا فِيهِ أَحَادِيثُ مُجْتَمِعَةٌ، مَا يُنْكَرُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْوَهُ، فَنَظَرَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا يَجْمَعُ هَذِهِ إِلَّا رَجُلُ سُوءٍ" ، وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: بَلَغَنِي عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى أَبِي عَوَانَةَ، فَاسْتَعَارَ مِنْهُ كِتَابًا كَانَ عِنْدَهُ فِيهِ بَلَايَا، مِمَّا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ، فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَوَانَةَ، فَذَهَبَ سَلَّامٌ بِهِ فَأَحْرَقَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَرْجُو أَنْ لَا يَضُرَّهُ ذَلِكَ شَيْئًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَضُرُّهُ؟ بَلْ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " انتهى. "السنة" (3 / 511).
الخلاصة:
حديث: ( لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ )، ليس معناه مطابقا للحديث الضعيف: ( أَنَا قَسِيْمُ النَّارِ ).
فعبارة: ( أَنَا قَسِيْمُ النَّارِ)، قد يفهم منها أن عليا رضي الله عنه، هو المعلم الأساسي لتمييز أهل الجنة وأهل النار، وهذا من غلو الرافضة، والمعلوم من دين الإسلام أن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم واتباعه هو المعلم الأساسي الذي يتمايز به الناس يوم القيامة.
أما حديث: ( لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ )، فليس فيه إلا بيان مقام علي رضي الله عنه وصدق إيمانه ونصرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فيخشى على من أبغضه أن يكون مبغضا لإيمانه وأعماله الصالحة فيقع بذلك في النفاق؛ وهذا المعنى ليس مختصا بعلي رضي الله عنه، بل يتناول غيره من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم.
والله أعلم.