أولا:
ورد أيضا: أن من قصد مسجد قباء فصلى فيه كان له كأجر عمرة.
لكن الثواب في ذلك، إنما روي بأسانيد لا تخلو من ضعف ولين.
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:
"وقد رُوِي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ قصد مسجد قباء، والصّلاة فيه، يعدل عمرة. بإسناد فيه لين، من حديث أهل المدينة " انتهى. "التمهيد" (8 / 361).
وأقوى ما ورد فيه:
حديث سهل:
رواه الإمام أحمد في "المسند" (25 / 358)، والنسائي (699)، وابن ماجه (1412)، وغيرهم: عن مُحَمَّد بْنِ سُلَيْمَان الْكَرْمَانِيّ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، يَقُولَ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ - يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ - فَيُصَلِّيَ فِيهِ؛ كَانَ كَعَدْلِ عُمْرَةٍ ).
ومداره على محمد بن سليمان الكرماني، ولم يرد فيه توثيق معتبر، لكن لم يرد فيه جرح أيضا أيض.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
"وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"؛ ووافقه الذهبي، وأقره المنذري في "الترغيب ".
قلت: وهو كما قالوا؛ فإن الكرماني هذا قد وثقه ابن حبان، وروى عنه جماعة من الثقات، عددهم في "التهذيب " ستة، وصحح له الحاكم والذهبي كما رأيت. فقوله في "الكاشف": "وُثق "! ليس عندي كما ينبغي، ومثله قول الحافظ: "مقبول"، وحقه أن يقولا: "صدوق " كما قالوا فيمن هو أدنى منه شهرة، وأقل عنه رواية " انتهى. "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (7 / 1320).
وقد نُقِل عن الإمام أحمد توثيقه، ولم نقف عليه مسندا.
قال ابن المبرد، رحمه الله تعالى:
" محمد بن سليمان بن سلمان، املدني، القبائي، المعروف بالكرماني: وثقه أحمد " انتهى بحر الدم فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم" (ص137).
والظاهر أن إسناد هذا الحديث، هو المقصود بإشارة العقيلي بخفة ضعفه، حيث أورده بإسناد ضعيف إلى سهيل بن حنيف، ثم قال رحمه الله تعالى:
" وقد رُوِيَ من غير هذا الوجه، بإسناد أصلح من هذا " انتهى."الضعفاء الكبير" (4 / 450).
وقد صحح العراقي إسناد الحديث، حيث قال رحمه الله تعالى:
" حديث: ( من خرج من بيته حتى يأتي مسجد قباء ويصلي فيه كان عدل عمرة )، أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف بإسناد صحيح " انتهى. "تخريج الاحياء - بهامش احياء علوم الدين" (1 / 260).
وكذا أشار الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (8 / 560) إلى أنه إسناد صالح.
وقد ورد له شاهد:
من حديث أُسَيْد بنَ ظُهَيْرٍ الأنصاريِّ رضي الله عنه:
رواه الترمذي (324)، وابن ماجه (1411)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (5 / 117)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 487)، وغيرهم: عن أَبي أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَبْرَدِ مَوْلَى بَنِي خَطْمَةَ، أنه سمع أُسَيْدَ بنَ ظُهَيْرٍ الأنصاريِّ، وكان من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، يحَدِّثُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: ( الصَلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ: كَعُمْرَةٍ ).
وقال الترمذي:" وفي الباب عن سهل بن حنيف. حديث أسيد حديث حسن صحيح.
ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصحّ غير هذا الحديث، ولا نعرفه إلّا من حديث أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر. وأبو الأبرد اسمه زياد، مدينيٌ " انتهى.
لكن أبا الأبرد هذا، مجهول.
قال الحاكم رحمه الله تعالى عقب الحديث:
" هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، إلّا أنّ أبا الأبْرَد مجهول " انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" [ابن خزيمة] في أواخر الحجّ: حدثنا جُوَيْرِيَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو الأَزْهَرِ، حدثنا أَبُو أُسَامَةَ، حدثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا أَبُو الأَبْرَدِ مَوْلَى بَنِي خَطْمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ، يُحَدِّثُ بِهَذَا.
قال ابن خزيمة: أبو الأبرد لست أعرفه بعدالة ولا جرح " انتهى. "إتحاف المهرة" (1 / 375).
وقال الذهبي رحمه الله تعالى:
" زياد، أبو الابرد، عن: أسيد بن ظهير.
صحح له الترمذي حديثه، وهو صلاة في مسجد قباء كعمرة. وهذا حديث منكر. روى عنه عبد الحميد ابن جعفر فقط " انتهى. "ميزان الاعتدال" (2 / 90).
وله شاهد آخر:
من حديث عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما:
رواه ابن حبان"الإحسان" (4 / 507): عن عَاصِم بْن سُوَيْدٍ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأنصاري، عن بن عُمَرَ: أَنَّهُ شَهِدَ جَنَازَةً بِالْأَوْسَاطِ فِي دَارِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَأَقْبَلَ مَاشِيًا إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِفِنَاءِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. فَقِيلَ لَهُ: أَيْنَ تَؤُمُّ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ أَؤُمُّ هَذَا الْمَسْجِدَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( مَنْ صلى فيه، كان كعدل عمرة ).
وفي إسناده عاصم بن سويد.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
" عاصم بن سويد بن يزيد بن جارية الأَنصاري.
من أهل قباء...
ذكره ابن عدي. وقال عثمان: سألت يحيى عنه، فقال: لا أعرفه. وقال ابن عدي: هو قليل الرواية جدا.
قلت: وساق له حديثا منكرا...
وقال أَبو حاتم: روى حديثين منكرين " انتهى. "ميزان الاعتدال" (2 / 320).
وداود بن إسماعيل ليس مشهورا بالرواية، ولم يرد فيه توثيق معتبر.
وقد روي موقوفا من كلام ابن عمر بإسناد حسن.
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (5 / 117): حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَلِيطِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: ( مَنْ خَرَجَ يُرِيدُ قُبَاءً لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ، فَصَلَّى فِيهِ، كَانَتْ كَعُمْرَةٍ ).
وسليمان، أبو خالد: صدوق، قال فيه الذهبي رحمه الله تعالى:
"سليمان بن حيان، أبو خالد الاحمر كوفي: صاحب حديث وحفظ.
روى عباس، عن ابن معين: صدوق ليس بحجة. وقال علي بن المديني: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق.
… وعنه أحمد، وأبو كريب، وخلق.
وقال ابن عدي في كامله - بعد أن ساق له أحاديث خولف فيها: هو كما قال يحيى: صدوق ليس بحجة.
وإنما أتى في سوء حفظه.
قلت: الرجل من رجال الكتب الستة، وهو مكثر، يهم، كغيره " انتهى. "ميزان الاعتدال" (2 / 187).
وسعد بن إسحاق، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة البَلَوي، المدني، حليف الأنصار: ثقة " انتهى. " تقريب التهذيب" (ص 230).
وسليط بن سعد وثقه العجلي، قال رحمه الله تعالى:
" سليط بن سعد: مدني تابعيّ ثقة " انتهى. "الثقات" (1 / 424).
وذكره ابن حبان في "الثقات" (4 / 342).
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:
" وذكر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَلِيطِ بْنِ سعد، قال: سمعت ابن عُمَرَ يَقُولُ: ( مَنْ خَرَجَ يُرِيدُ مَسْجِدَ قُبَاءَ، لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ، يُصَلِّي: كَانَتْ كَعُمْرَةٍ ).
وهذا عن ابن عمر تفسير حديثه في هذا الباب " انتهى. "الاستذكار" (6 / 277).
وقد صحح هذا الخبر، بمجموع هذه الطرق والشواهد: عدد من أهل العلم.
ثانيا:
يشهد لعموم فضل الصلاة في مسجد قباء:
ما رواه الترمذي (323)، وابن حبان "الاحسان" (4 / 506): عَنْ أُنَيْسِ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: "امْتَرَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي خُدْرَةَ"، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ الْخُدْرِيُّ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ فَقَالَ: (هُوَ هَذَا - يَعْنِي مَسْجِدَهُ -، وَفِي ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ).
وقال الترمذي:" هذا حديث حسن صحيح ".
وقال الشيخ شعيب في تعليقه على "الاحسان":" إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين ما عدا أنيس بن أبي يحيى، وهو ثقة، وأبوه: اسمه سمعان " انتهى.
ومنه: قول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (5 / 118): حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ.
وابن شبة في "تاريخ المدينة" (1 / 42): حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا صخر ابن جويريرة.
والحاكم في "المستدرك" (3 / 12): عن عُثْمَان بْن سَعِيد الدَّارِمِيّ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِيِنِيُّ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، حدثنا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ.
ويرويه ( هاشم بن هاشم، وصخر ابن جويريرة): عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ [ وعند الحاكم عن: عَامِر بْن سَعْدٍ، وَعَائِشَةَ بِنْت سَعْدٍ ]، قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: ( لَأَنْ أُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ).
وصحح إسناده الحافظ ابن حجر، حيث قال رحمه الله تعالى:
"ومن فضائل مسجد قباء ما رواه عمر بن شبة في "أخبار المدينة" بإسناد صحيح، عن سعد بن أبي وقاص قال: ( لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء، لضربوا إليه أكباد الإبل ) " انتهى."فتح الباري" (3 / 69).
ثالثا:
على تقدير ثبوت فضيلة الصلاة في مسجد قباء، وأنها تعدل عمرة؛ فيحتمل أن يكون ذلك الأجر لكل من قصده للصلاة فيه، ولو تكرر منه مرات في الأسبوع؛ لأن الخبر لم يقيده بالمرة الواحدة في الأسبوع، وإنما كان ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الذي تكرر مجيئه لقباء، قد حصل منه الطاعة التي علق عليها الأجر والفضيلة، وهي: المجيء، والصلاة.
وقد يقال: إنما يكون ذلك في قصده مرة كل أسبوع، على ما جاءت به السنة، وبهذا يظهر معنى "الزيارة، وتشبيهها بـ"العمرة".
وبكل حال؛ ففضل الله واسع، ولا حجر عليه.
وقد سُئل الشيخ ابن جبرين رحمه الله تعالى:
" من جلس في المدينة المنورة أيامًا هل يشرع له تكرار زيارة مسجد قباء؟
الجواب: لا مانع من تكرار زيارة مسجد قباء ؛ فقد ورد أن: من توضأ وذهب إلى قباء وصلى في المسجد ركعتين فإن ذلك يعدل عمرة.
فلا بأس أن الجالس في المدينة النبوية عدة أيام، وهو من غير أهلها: يزور مسجد قباء يوميّا أو يزور غبا أو نحو ذلك، مع أن صلاة الفريضة في المسجد النبوي أفضل من صلاتها في مسجد قباء" انتهى. من "موقع الشيخ".
لكن هذه الفضيلة: لا تتكرر بكل ركعتين صلاهما في الزورة الواحدة، فإن الأجر معلق على مجموع عمله: من المجيء، والصلاة؛ وهذا الذي كرر الصلاة، إنما حصل منه الصلاة فقط، في كل ركعتين.
ولم نقف على من قال بتضعيف الأجر لكل ركعتين صلاهما الزائر.
الخلاصة:
يشرع للزائر أن يأتي مسجد قباء كل سبت أو مرة في الاسبوع، فإن أتى قباء أكثر من مرة في الأسبوع الواحد، فالظاهر أنه لا بأس بذلك، وأن الأمر فيه واسع.
وأما القاصد إلى مسجد قباء مرة واحدة، إذا أكثر من الركعات فيه، فليس هناك ما يدل على أنه يأخذ أجر عمرة على كل ركعتين، بل ظاهر الخبر أنه يأخذ أجرة عمرة في كل مرة يقصد الصلاة فيه، من غير نظر إلى عدد الركعات.
وينظر جواب السؤال (520628)
والله أعلم.