-
الكثرة المذمومة في القرآن هي كثرة أهل الكفر والضلال واتباع الهوى، أما الإجماع فهو اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي، وليس مجرد قول الأكثرية.
-
وحجية الإجماع مستمدة من أدلة الشرع الدالة على عصمة الأمة من الاجتماع على ضلالة، لا من كثرة القائلين؛ فلا يشترط فيه عدد معين، وأما اتفاق أكثر العلماء دون جميعهم فليس إجماعًا، وإن كان قرينة معتبرة في الترجيح.
هل يتعارض الإجماع مع ذم الأكثرية في القرآن الكريم؟
السؤال 559169
نجد أن الله تعالى دائما في القرآن يذم الأكثرية في آيات كثيرة، وأن أكثر الناس على باطل، وفاسقين وكافرين، فكيف الإجماع يكون حجة، والإجماع الأكثرية، والأكثرية مذمومة؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا: المقصود بالكثرة المذمومة في القرآن
الكثرة التي ذمها الله تعالى هي كثرة أهل الكفر والضلال في عموم البشر، لا كثرة المؤمنين. ويدل على ذلك كلام المفسرين في آية الأنعام وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الأنعام ١١٦].
قال البيضاوي رحمه الله: أي أكثر الناس، يريد الكفارَ، أو الجهالَ، أو أتباعَ الهوى انتهى من أنوار التنزيل (٢/١٧٩).
وقد لخص الإمام الطبري، رحمه الله، معنى الآية بكلام محرر، يبين في طيه المراد بهؤلاء "الأكثر". قال:
«يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تطع هؤلاء العادلين بالله الأنداد، يا محمد، فيما دعوك إليه من أكل ما ذبحوا لآلهتهم، وأهلُّوا به لغير ربهم، وأشكالَهم من أهل الزيغ والضلال، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن دين الله، ومحجة الحق والصواب، فيصدُّوك عن ذلك.
وإنما قال الله لنبيه: (وإن تطع أكثر من في الأرض)، من بني آدم، لأنهم كانوا حينئذ كفارًا ضلالا، فقال له جل ثناؤه: لا تطعهم فيما دعوك إليه، فإنك إن تطعهم ضللت ضلالهم، وكنتَ مثلهم، لأنهم لا يدعونك إلى الهدى وقد أخطأوه.»، انتهى، من تفسير الطبري (12/ 64 ط التربية والتراث).
ويُنظر: الجامع لأحكام القرآن (٧/٧١)، إرشاد العقل السليم (٣/١٧٨)، لباب التأويل (٢/١٥٠).
وأما الإجماع الذي يَحتج به العلماء إنما هو اتفاق المؤمنين مِن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل اتفاق أهل العلم والاجتهاد منهم خاصة. ينظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥). فهؤلاء قلةٌ في الناس، لا كثرة.
فالحاصلُ أنَّ الذمَّ واقعٌ على محلّ، والحجيةَ واقعةٌ على محلّ آخر. وينظر: الجواب رقم (٢٩٣٦٢٣).
ثانيًا: الإجماع اتفاقُ الكلِّ لا قول الأكثر
جمهور الأصوليين على أنه لا ينعقد الإجماع إذا خالفَ مجتهدٌ واحد؛ فليس الإجماعُ هو قول الأكثرية، واستدلوا على ذلك بالآيات نفسها التي فيها ذم الكثرة.
قال الطوفي رحمه الله، في الرد على مَن جعل اتفاق الأكثر إجماعًا: «قُلْنَا: مُعَارَضٌ بِمَا دَلَّ عَلَى قِلَّةِ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ نَحْوِ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ».
ثم قال في شرحه: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يُصِيبَ الْأَقَلُّ، وَيُخْطِئَ الْأَكْثَرُ، فَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِوُجُودِ الْإِجْمَاعِ انتهى من شرح مختصر الروضة (٣/٥٨-٥٩).
فالعلماء لم يَبنوا الإجماعَ على الكثرة؛ بل جعلوا ذمّ الكثرة دليلًا على أن الإجماع لا يثبت بقول الأكثر.
ثالثًا: الإجماع يشمل الطائفة القليلة التي على الحق
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ رواه مسلم (١٩٢٠).
فالأمة لا تخلو في أي عصر من قائمٍ بالحق، وإن كانوا قليلين. فإذا أجمع علماء الأمة كلهم على حكم، كانت هذه الطائفة المحقة داخلةً فيهم يقينًا، فلا يكون إجماعهم إلا على الحق.
ولهذا ذهب تاج الدين السبكي رحمه الله إلى أن الاستدلال لحجية الإجماع بهذا الحديث أوضح؛ فإنه نصٌّ في أنَّ هذه الأمةَ لا تخلو عن قائمٍ بالحق. ينظر: رفع الحاجب (٢/ ٢٥٨) وينظر: التلخيص الحبير (٥/ ٢٢٢٥ ط أضواء السلف).
وقرر العلماء أنه لا يُشترط في أهل الإجماع عدد معيّن. قال القرافي رحمه الله: ولا يشترط عند الأكثر بلوغُ المجمعين إلى حدِّ التواتر، بل لو لم يبق إلا واحد، والعياذ بالله.. لكان قولُه حجةً. واستدل بقولِه تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ الآية؛ فإن الله تعالى لم يُفصِّل بين قليلِهم وكثيرهم. ينظر: تنقيح الفصول (ص٣٦٩)، وشرحه؛ للمصنِّف (ص٣٤٢).
فمدار الإجماع على وصف سبيل المؤمنين الذين يقومون بالحق، لا على كثرة عددهم.
رابعًا: حجية الإجماع مصدرها خبر الشارع لا كثرة القائلين
الإجماع لم يكن حجةً لأن أهله كثيرون، بل لأن الله تعالى ورسولَه صلى الله عليه وسلم شهدا لهذه الأمة بالعصمة مِن الاجتماع على الضلالة.
وقد دل على حجية الإجماع أدلة أخرى من القرآن الكريم والسنة النبوية؛ ليس مبناها على مجرد اعتبار الكثرة، في مقابل القلة.
فمن أدلة القرآن الكريم :
- قوله تعالى : ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) النساء/ ١١٥ .
قال ابن كثير رحمه الله :
" وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً تَحْرُم مُخَالَفَتُهُ: هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ ، بَعْدَ التَّرَوِّي وَالْفِكْرِ الطَّوِيلِ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِنْبَاطَاتِ وَأَقْوَاهَا». انتهى من تفسير ابن كثير (٢/ ٤١٣) .
ووجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين بالعذاب؛ فدل ذلك على وجوب اتباع سبيل المؤمنين، وهو ما أجمعوا عليه.
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يَجمَعُ اللهُ أمَّتي على ضلالةٍ أبدًا، ويدُ الله على الجماعة أخرجه الحاكم في المستدرك (٤٠٤) ط. الرسالة، وقال محققوه: إسنادُه صحيحٌ، وقال الحافظ ابن حجر: هذا حديث مشهور؛ له طرق كثيرة لا يخلو واحد منها من مقال انتهى من التلخيص الحبير (٥/ ٢٢٢٥ ط أضواء السلف).
قال الغزالي رحمه الله: وَصِدْقُ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ: بِإِخْبَارِ الرَّسُولِ عَنْ عِصْمَتِهِمْ انتهى من المستصفى (ص٣٧١).
فالإجماع حجة؛ لقيام الدليل الشرعي عليه، وهو مصدرٌ من مصادر التشريع، فإذا ثبت؛ كان حجة شرعية ملزمة لا يحق لأحد مخالفتها. وينظر: الجواب رقم (١٩٧٩٣٧).
وهذه العصمة خِصِّيصة لهذه الأمة دون الأمم قبلها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وَعَصَمَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ يُبَيِّنُ مَا بُدِّلَ مِنْ الرِّسَالَةِ انتهى من مجموع الفتاوى (١/٢).
فالأمم السابقة كان يُبعث فيها نبي بعد نبي، يصحح ما بُدّل. فلما خُتمت النبوة: حفظ الله الحق في هذه الأمة، فلا يجتمع علماؤها على باطل.
خامسًا:
ليس معنى ما سبق: أن كثرة أهل العلم لا اعتبار لها. فإذا اتفق أكثر المجتهدين وخالفهم قليل، فذلك ليس إجماعًا، لكنه قرينة معتبرة في الترجيح. ينظر: شرح مختصر الروضة (٣/٥٩).
وحاصل ذلك أن الكثرة ثلاثة أنواع:
1. كثرة الضالين والجهّال: وهي المذمومة في القرآن.
2. كثرة أهل الاجتهاد المتبعين للدليل: وهي قرينةُ ترجيحٍ ظنيةٌ.
3. اتفاقُ جميع المجتهدين: وهو الإجماعُ، وحجيته قاطعةٌ بشهادةِ الشرعِ لا بمجردِ العددِ.
وأخيرًا:
فالقرآن يذمّ الكثرة التي تتبع الظن والهوى، ويمدح القلة التي تتبع الحق. والإجماع لم يخرج عن هذا الميزان؛ فإنه اتفاق المجتهدين (المؤهَّلين للنظر في الأدلة) من هذه الأمة، وقد شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالعصمة من الاجتماع على ضلالة. فالحجةُ للحق وأهلِه، لا للعدد.
والله أعلم.
للاستزاد ينظر الأجوبة: (٢٩٣٦٢٣)، (١٩٧٩٣٧)، (١٣١٩٣٥)، (١٦٥٤٨٥).
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟