هل يأخذ المسلم من ذنوب الكافر يوم القيامة إذا اغتابه ولم يتحلل منه؟

السؤال: 565445

سمعت عالِمًا يقول: إذا اغتبنا ولم نتُب، يوم القيامة سنعطي حسناتنا لمن اغتبناهم، وإذا لم تبقَ لدينا حسنات سنأخذ سيئاتهم، هل يعني هذا أننا قد نأخذ خطيئة الكُفر أو الشِّرك؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

تحرم غيبة الذمي، ويستثنى منها ما يستثنى للمسلم، قال الشيخ زكريا الأنصاري : " وَغِيبَةُ الْكَافِرِ مُحَرَّمَةٌ إنْ كَانَ ذِمِّيًّا ... وَمُبَاحَةٌ إنْ كَانَ حَرْبِيًّا ; لأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ حَسَّانَ أَنْ يَهْجُوَ الْمُشْرِكِينَ " أ . هـ أسنى المطالب مع حاشيته ج3 ص116. وينظر ما سبق في فتوى رقم: (13611).

ثانياً:

يريد السائل الحديث الذي فيه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأصحابه ذات يوم : (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟)" قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ .

فَقَالَ : (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّار) رواه مسلم (2581).

ثالثاً:

يُقتص للكافر المظلوم يوم القيامة، من المسلم؛ إذا ظلمه، ولم يحلله في الدنيا.

فعن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقّ ٌ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ).

قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟

قَالَ: ( بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ )" رواه أحمد (16042)، والبخاري في "الأدب المفرد" (970)، وحسنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 371).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ الْعَدْلَ وَالْقِصَاصَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (18/188).

فثبت بذلك أن أصحاب المظالم يُقتص لهم من ظالميهم يوم القيامة ، سواء كان الظالم مسلماً أو كافراً.

أما فيما يخصُّ كيفية اقتصاص الكافر من المسلم الظالم، وهل يُحمَّل المسلمُ من سيئات الكفر والشرك الأكبر؟

نقول وبالله التوفيق: لا يأخذ المسلم خطيئة الكفر.  ولكن يأخذ من سيئات وخطايا أعماله بقدر حقه، والكفار مخاطبون بفروع الشريعة.

فالكافر يعاقب على تركه للواجبات وارتكاب المحرمات كما يعاقب على كفره.  

قال الحافظ العراقي :

" والمذهب الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة" انتهى من "طرح التثريب" (3 /227)، وانظر: فتوى (49694).

وقد دل على ذلك قوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ . إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ . فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ . عَنِ الْمُجْرِمِينَ . مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ . قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ . وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ . وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ . حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) المدثر/38 – 47.

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :" دلت هذه الآيات على أن الكافر مطالب بما يطالب به المؤمن، لكنه غير ملزم به في الدنيا ، ... فلولا أنهم عوقبوا بترك الصلاة ، وترك إطعام المساكين ما ذكروه ، وذلك دليل على أنهم يعاقبون على فروع الإسلام... بل إني أزيدك أن الكافر يعاقب على كل ما أنعم الله به عليه من طعام وشراب وغيره قال تعالى : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)  المائدة / 93 ، فمنطوق الآية رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموه ومفهومها وقوع الجناح على الكافرين فيما طعموه ، وكذلك قوله تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الأعراف / 32 ، فإن قوله : (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) دليل على أن غير المؤمن ليس له حق في أن يستمتع بها في الدنيا.

أي ليس له حق شرعي..." انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (2/38)، وانظر: فتوى رقم: (34694).

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ، لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ، أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ رواه البخاري (6921)، ومسلم (120). فهذا الحديث يدل على أن الكافر تُكتب عليه سيئاته وذنوبه كلها، لا يقتصر الأمر على الكفر وحده.

فلو كانت ذنوب الكافر في حال كفره لا تُكتب إلا الكفر وحده، لما كان لذكر المؤاخذة بالذنوب الماضية معنى، ولكان الحديث مقتصراً على الكفر فقط.

فدل ذلك على أن الكافر تثبت عليه معاصيه الأخرى من ظلم، وزنا، وأكل للحرام، وغير ذلك، إلى جانب كفره، ويجازى عليها جميعاً إلا إذا أسلم وأحسن إسلامه وتاب من معاصيه.

أما خطيئة الكفر أو الشرك الأكبر فهي تحبط جميع الأعمال، ولا يمكن أن يتحملها المسلم، قال الله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر/65]. ففي الآية "أن الشِّرك يُحبِطُ الأعمال المتقدِّمة كلَّها " انظر: "زاد المسير" (4/25).

وانظر: فتوى رقم: (227153)، ورقم: (100981).

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android