وردت روايات تحدد سنة نزول "سورة النصر"، لكنها لا تخلو من ضعف في أسانيدها، واختلاف في متونها، والثابت: أنها نزلت في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، مبشرة بتمام الفتح، مشيرة إلى قرب أجله صلى الله عليه وسلم.
كم عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول سورة النصر؟
السؤال: 571404
كم المدة التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نزول سورة النصر؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
المجمع عليه أن "سورة النصر" من السور المدنية، كما نص على هذا ابن عطية في "المحرر الوجيز" (5 / 532)، وغيره.
وورد أنها آخر سورة نزلت جملةً واحدةً، غيرَ مفرقة.
روى الإمام مسلم (3024): عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: "قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْلَمُ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ جَمِيعًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ. قَالَ: صَدَقْتَ".
وأنها نزلت في آخر سنوات حياته صلى الله عليه وسلم؛ لأنها نزلت إشعارا بقرب أجله صلى الله عليه وسلم، كما نص على هذا ابن عباس رضي الله عنه ووافقه عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
روى الإمام البخاري (4294): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: "كانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْياخِ بَدْرٍ، فقالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذا الْفَتَى مَعَنا وَلَنا أَبْناءٌ مِثْلُهُ؟! فَقالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ. قالَ: فَدَعاهُمْ ذاتَ يَوْمٍ وَدَعانِي مَعَهُمْ، قالَ: وَما رُؤِيتُهُ دَعانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي. فَقالَ: ما تَقُولُونَ في: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ؟
فقالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إذا نُصِرْنا وَفُتِحَ عَلَيْنا، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي. أَوْلَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فقالَ لِي: يا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا. قالَ: فَما تَقُولُ؟ قُلْتُ: هو أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ، فَذاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. قالَ عُمَرُ: ما أَعْلَمُ منها إِلَّا ما تَعْلَمُ".
والظاهر أن نزولها كان قبيل فتح مكة؛ كما يشير ظاهر رواية عائشة رضي الله عنها.
روى الإمام مسلم (484): عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَاكَ تُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. فَقَالَ: (خَبَّرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي، فَإِذَا رَأَيْتُهَا أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ؛ فَقَدْ رَأَيْتُهَا: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) .
فجملة: (خَبَّرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي، فَإِذَا رَأَيْتُهَا …).
فصيغة الاستقبال في الفعل (سَأَرَى)، يفهم منه أنها لما نزلت لم يكن رأى هذه العلامة بعد، وهذا متوافق مع صدر "سورة النصر"، حيث صدّرت بـ (إِذَا) الدالة على ما يستقبل من الزمان.
وفتح مكة كان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة النبوية.
قال الدكتور أكرم ضياء العمري أثابه الله تعالى:
"وقد وقع اختلاف في تاريخ الفتح، ما بين ثلاث عشرة، وست عشرة، وسبع عشرة، وثماني عشرة من رمضان.
واتفقوا أنه في رمضان سنة ثمان" انتهى "السيرة النبوية الصحيحة" (2/475).
ويحتمل أن تكون نزلت بعيد الفتح، قبل رؤيته لبقية الشرط المذكور واستكماله، وهو دخول الناس في دين الله أفواجا، وكان هذا الدخول بكثرة أفواجا بين فتح مكة ووفاته صلى الله عليه وسلم.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
"والمراد بالفتح ههنا: فتح مكة؛ قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت تَتَلَوّم بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي. فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، ولله الحمد والمنة" انتهى "تفسير ابن كثير" (7/683).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"وسئلتُ عن قول "الكشّاف": إنّ سورة النّصر نزلت في حجّة الوداع أيّام التّشريق، فكيف صدّرت بإذا الدّالّة على الاستقبال؟
فأجبت: بِضعف ما نقله.
وعلى تقدير صحّته؛ فالشّرط لم يتكمّل بالفتح، لأنّ مجيء النّاس أفواجا لم يكن كمل، فبقيّة الشّرط مستقبل" انتهى. "فتح الباري" (8/736).
وعلى ذلك؛ يكون بين نزول سورة النصر ووفاته صلى الله عليه وسلم حوالي السنتين، كما نص على هذا قتادة رحمه الله تعالى، أو أقل.
روى الطبري في "التفسير" (24/712)، قال: حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قرَأها كلَّها. قال ابنُ عباسٍ: هذه السورةُ عَلَمٌ وحَدٌّ حَدَّه اللَّهِ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، ونَعَى له نفسَه، أي: إنك لن تعيشَ بعدَها إلا قليلًا. قال قتادةُ: واللَّهِ ما عاش بعدَ ذلك إلا قليلًا؛ سنتين، ثم تُوفِّى صلى الله عليه وسلم.
ثانيا:
وقد وردت روايات أخر في تحديد سنة وشهر نزولها، لكن مع ما في أسانيدها من ضعف، فهي مختلفة غير متفقة.
فورد أنها نزلت بعد غزوة حنين:
لكن إسناد الخبر فيه ضعف، وقد سبق بيانه في جواب السؤال رقم: (422311).
وورد أنها نزلت في أيام التشريق من حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة من النبوية:
روى هذا عبد بن حميد "المنتخب" (2 / 62)، والبزار في "مسنده" (12 / 298)، والبيهقي في "السنن الكبير" (10 / 185)، وفي "الدلائل" (5 / 447)، وغيرهم: عن مُوسَى بْن عُبَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِمِنًى -وَهُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حَتَّى خَتَمَهَا، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ الْوَدَاعُ".
وإسناده ضعيف، لضعف موسى بن عبيدة.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
"موسى بن عبيدة الربذي: مشهور، ضعفوه. وقال أحمد: لا يحل الرواية عنه" انتهى. "المغني في الضعفاء" (2/685).
وورد أنها نزلت في السنة الأخيرة من حياته صلى الله عليه وسلم:
روى الإمام أحمد في "المسند" (3/366)، والطبري في "التفسير" (24/709): عن مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بن السائبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (لَمَّا نَزَلَتْ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي. بِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ).
وفي إسناده عطاء بن السائب وكان قد اختلط، وابن فضيل ممن سمع منه بعد الاختلاط والتغيّر، كما نص على هذا غير واحد من أئمة الحديث.
قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:
" سمعت أبي يقول: كان عطاء بن السائب محله الصدق قديمًا قبل أن يختلط، صالح مستقيم الحديث، ثم بآخره تغير حفظه، في حديثه تخاليط كثيرة ...
وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء كان يرويه عن التابعين فرفعه إلى الصحابة" انتهى. "الجرح والتعديل" (6 / 334).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
"وفي لفظه نكارة شديدة، وهو قوله بأنّه مقبوض في تلك السّنة، وهذا باطل، فإنّ الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها، كما تقدّم بيانه، وهذا ما لا خلاف فيه. وقد توفّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ربيع الأوّل من سنة إحدى عشرة، بلا خلاف أيضا" انتهى. "البداية والنهاية" (6 / 624).
وروي بأسانيد أخرى، غير هذا.
الخلاصة:
وردت روايات تحدد سنة نزول "سورة النصر"، لكنها لا تخلو من ضعف في أسانيدها، واختلاف في متونها.
والثابت: أنها نزلت في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، مبشرة بتمام الفتح، مشيرة إلى قرب أجله صلى الله عليه وسلم، كما عند البخاري عن ابن عباس.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟